تاريخ الإضافة : 31.01.2010 10:25
أسرار الجمال في الشعر الحساني
المقالة الثالثة :
سنحاول تناول هذه الطلعة عبر قراءتين: أولاهما قراءة في سياق الطلعة الفني، وهي بذلك تراود النص من خارجه، وأخراهما قراءة في مواطن جمال النص، وبذلك تحاول حفره من الداخل .
يقول سيدي محمد ولد الكصري :
يَامِسْ دَارْ " إبلْغانْ " احْياتْ ذاكْ أل ّشَكَّيْتْ انُّ ماتْ
اكْبَـلْ منْ تلْيـاع ِ وامْحـاتْ منْ لَخْلاكْ ألِّ خـاطِيـهَ
اتـْلـَفَّــتْ اعْـلــيــهَ مَــرّاتْ كـِيـفـلِّ نـاسِ شِ فـيـهَ
واعْكَبْتْ امْنَينْ ابْعـيدْ ابْـكاتْ انْـبـَيْـتْ اتْلـَفَّـتْ اعْـليـهَ
تـلـْفــيــتَ مـنِّ مـا خَــلاّتْ فَظْـلَ لاهِ نـَكْرَهْ بـيه َ
وَلَّ نــبْــقِ ذَلِّ مَـوْجُــودْ اتـْلَ في الدّنْـي َ خَـاطِـيـه َ
مـاه ْاتْل َخـالكْ لَـيـْنْ انْـعـُودْ نَـكـْرَهَّ وَلَّ نـبـْقِـيـهَ
ا ـ القراءة الأولى :
تندرج هذه الطلعة ضمن ما يعرف بالبكاء على الأطلال، وهو غرض شائع في الشعر العربي القديم والحساني، ولهذا الغرض ما يسوّغ ظهوره لا استمراره في كلا الشعرين؛ ذلك بأن طبيعة الحياة البدوية التي عاشها شعراء المجتمعين ، جعلتهم يقفون بهذه الدور المقفرة نادبين حظهم يوم ظعن ساكنيها، وراسمين طلوعه يوم إقامتهم، وبذلك نسجوا من أصواف ذكرياتهم، وأشعار حنينهم إلى هذه المنازل كثيرا مما تركوا لنا من أشعار. غير أن أبرز ما يـَسِم الشعر الحساني عن الفصيح في هذا الغرض أن شعراء الضاد اتخذوه في القصيدة مقدمة لغيره من الأغراض، بينما جعل له الحسانيون الطلعة خالصة من دون الأغراض غيره؛ لذلك منحوه الاستقلال، لكن انتماء طلعة ولد الكصري إلى هذا الغرض لا يعني اتباعه سنن المتقدمين، فلا هو يسفح بين يدي أطلاله أكواب الدموع، ولا نجد في نصه وصفا لآثار الظاعنين، كما لا نجد في الطلعة حديثا عن أسراب الآرام وغيرها من محتلي المعاهد بعد قطّانها الآدميين، وليس في طلعته ما سوى ذلك مما تعاوره قدامى الشعراء الفصيحين. وعلى الضفة الأخرى نجد الشاعر ينحرف عن الطريق الذي مَرَدَ عليه الشعراء الحسانيون، فأكثرهم يقفون منذ بداية الطلعة على مجموعة من الأطلال واحدا واحدا، ثم يجلسون عليها في نهاية الطلعة مجتمعة، وذلك بطريقة دقيقة أقرب إلى الرياضيات منها إلى طبيعة الشعر. بل نجد الشاعر يتنكب الطريقين سالكا الطريقة التي رسمتها أصابع تجربته، والصراط الذي عبرته انفعالاته؛ من أجل ذلك لا يركز على تصوير الطلل، وإنما يركز على تصوير شعوره لحظة وقوفه عليه، بل تجاوزه له على الأصح .. إنها لحظة التفات الشاعر إلى هذا الطلل، وهي بؤرة النص، فليس ما قبلها إلا تـَقـْدِمة، وليس ما بعدها إلا استنتاجا .. إنها اللحظة التي بعثت ذكريات الشاعر من الرماد، وأنبتت عليها شجرة من يقطين .. فهي التي زعزعت اقتناع الشاعر، وأعادت "دارإبلغان" إلى مكانها المكين من نفسه، بعد أن خُيـِّل إليه أنها لم تعد قادرة على تحريك ساكن من مشاعره. لكن التفات الشاعر إلى الطلل مرة بعد مرة بعد مرة! لم يرغمه على الاعتراف بحبه له فحسب، بل أوصله إلى الفناء فيه لدرجة أنه لا يرى في هذه الحياة سواه كما عبر في نهاية الطلعة:
"ما ه اتل خالك لين انعود نـكـره ول نـبـقـيـه"
القراءة الثانية:
في هذه القراءة سنحاول ولوج عالم النص، متريثين عند كل كلمة أو تركيب من شأنه إضاءة النص. أو الإدلاء ببعض أسراره الجمالية:
يبدأ النص بكلمة "يامس"، وما أظنها من الكلمات التي ينبغي للقارئ مواجهتها بالخطأ المشهور "إن دلت على شي فإنما تدل"، فهي في نظرنا تدل على أشياء:
أولها:صدق الشاعر وواقعية تجربته، التي هي مستوحاة من الأرض لا من السماء، الشيء الذي يجلّيه تحديد الزمان،ثم إن هذا الزمن القصير الذي يفصل بين التجربة والتعبير عنها، يد ل على أن الشاعر ارتجل قصيدته، أو اقترب من ارتجالها، ولعل هذه الساعات كانت الفترة التي تأمل الشاعر فيها حدث الأمس، وبذلك لم يرتجل الارتجال كله؛فيقصر عن التجويد، ولم يترك الأمد يطول على اللحظة، فتخمد نارها، ناهيك عما في تحديد الزمان من حرص الشاعر على وضع المتلقي أمام الحدث، وإذا علمنا أن مثل هذا المطلع كثير وجودُه في القصائد الحسانية "اطلع"، جاز لنا أن نعمم ما أطلقنا من أحكام على الشاعر فنقول : إن من بين سمات الشعر الحساني واقعية التجربة، والحرص على الدقة في نقلها، وسرعة الاستجابة للمناسبة، ومن القصائد الحسانية "اطلع" التي تبدأ بهذا التحديد الزماني، قول أحمد سالم ولد الببوط :
يَامِسْ عَنْدْ الكَرْكَارْ جَاوْ اعْلِـينَ خطـارْ
كالُ عَــنْ بُـلمْـحـارْ أَهْلُ عـادُ بَكـَيـْلْ
واعْلمْ بـيـهَ بَكارْ واجْحَدْه َبيـهْ الوَيْلْ
أمّانَ يـالـْمَــعْبـودْ لكنْتْ اعْلمْتْ اكْبَيْلْ
عَنْهمْ بَكيلْ انْعُـودْ كَيَّلْتْ اكـْبَيـْل أكـَيـْل
وقول شاعر لا أعرف إلا طلعته البديعة الطريفة :
يامسْ ياغْـل َغـيـدْ التّـشْـهارْ اتـْفـَشـْوَلـْتْ انـْتـومَ حـظـَّارْ
خظْتْ امْنْ احْذاكُمْ لصْفِرَارْ شفـْتــكْ شـَوْفَ بـادتْ بــِي
وَ اثـْرِ بِـيَ كــثـْرتْ لَخْـبـارْ اغـَمـْزتــكْ غــَمـْزِيَّ حــَيَّ
وافْطَنْ لِ صَيْدكْ فاتْ اشْكارْ وجـْـهِ واحْــمــارُ عــَيـْـنِــي
واسْكـنْتْ اعْلَ ذاكْ التـّطـْوارْ وَاتـْهـَمْ عـَـنـْـهَ حـَـالَ فـِــيَّ
أُعـتْ ألاّ كـدْ امْنـَيْـنْ افْيـَــم ْ نـَـلـْـكـاهْ أُخـَــوْفْ الـْمـشْلِيَّ
انْـرَمَّــشْ عَـيـْـنـِـيَّ وانـْتـَـمْ غَـمْـزِيَّ تـَعـْـكـَبْ غـَمْـزِيَّ
وبعد الكلمة الأولى في النص، نذهب إلى الكلمة الثانية وهي "دار ابلغان"، ورغم جهلنا لموقع هذا المكان الجغرافي، سواء لغربتنا عن البلد، أو لغياب المراجع،فإن الطلعة حددت لنا موقعه الجغرافي في نفس الشاعر، وأنبأتنا بما أسرّ له به من حديث .. إنه الشاهد الثاني على واقعية التجربة، و حرص الشاعر على دقة النقل؛ إذ هو العنصر المكاني، لكن دلالته في الطلعة أكثر كثافة من دلالة العنصر الزماني، فارتباط الشاعر به أكثر، وعلوقه بنفسه أشد .. ، من أجل ذلك لا يمر عليه مرور اللئام، بحيث يلزمنا تأويل دلالته كما فعل بالزمان "يامس" وإنما يبسط في الحديث عنه ولا يقبض حتى نهاية الطلعة .. إن هيمنة المكان على نفس الشاعر مما ينادي على نفسه في الأفعال الأولى التي أسندها الشاعر إليه: ((احْياتْ ـ امحات ـ ...))، فكأن الشاعر لم يكن مطمئنا قلبُه لقدرة هذا المكان الخارقة لكنه لما مر به أتته ذكرياته سعيا قبل أن يدعوهن، فعلم أنه يُحيي و يميت(وهذا مجاز طبعا) .. لقد استطاع المكان إحياء ما في قلب الشاعر من ذكريات قديمة، ظن تقادم الزمن أخنى عليها بتعبير لبيد، أو نسج عليها من جنوب النسيان وشمأله بتعبير امرئ القيس، لكن الموؤودة لم تقتل، وإنما بقيت حية في مكانها من نفس الشاعر، حتى إذا مرت على المكان رجعت جَذَعَة، وبذلك بارزت شك الشاعر، فانقلب إلى يقين،
إن المكان "دارإبلغان" ينتقل في خريطة قلب الشاعر انتقالا سريعا منذ الأشطر الأولى " "التيفلواتن" من الطلعة، فبينما نرى الشاعر ينكر مكانه في قلبه، إذا به وهو يشاهده شاخصا، ثم نجده في الشطر الرابع، يسيطر على قلبه سيطرة كاملة فلا يرى فيه لغيره مكانا "وامحات من لخلاك أل خاطيه"
ولعل هذه النزعة ( نزعة الشك ) كثيرا ما تعتري الشاعر، فيراجع علاقته بالمعاهد، وربما أنكر هذه العلاقة حينا، ولكن حب المكان يبقى سمة بارزة، حتى حين ينكره، فحينئذ ينكر نفسه، ويُسَرُّ لأنه تغير، ولم يتغير المكان وحده، ذلك ما نجده في نص آخر مشهور ، يقول :
كَـالحـَمـْـدْ ألّ يـَوادْ لمْرَيْفكْ وَاكْتـنْ رادْ
اللهْ اعــْلِيـكْ ابـْعــادْ الـدَّهـْـرْ أل ِّ غَـلاَّك ْ
أُخسْرتْ حالتْ لبْلاد ْ أعتْ أنـْتَ للِّ جـَاكْ
ما ه ْأنْـتَ ذاكْ أُعـادْ ذ َمَاهُ دَهـْرْ اغـْلاكْ
عــتْ ءانَ مـان ِزادْ سيـدي مُحَـمَّدْ ذاكْ
إن امتزاج الشاعر بهذا الطلل(دار إبلغان)لم يبلغ أوجه، ولم يصل الشاعر قمة التعبير عنه إلا لحظة "الالتفات"، وقد أشرنا إليها سالفا، وهنا سنخصها ببعض التفصيل، إن هذه اللحظة هي الشمعة التي أضاءت للشاعر مكان الطلل في روحه، ونزعت ما رانَ على قلبه من غِشاوة الشك .. هنا رحل بنا الشاعر من الخَـبَر إلى الخُـبْر، ومن الصوت إلى الصورة .. هنا بدأنا نشاهد ما كنا نسمع، ونصدق ما كنا نتصور، كان الشاعر يحدثنا في الأشطر(التيفلواتن) الأربعة الأولى عن تأثير الطلل على نفسه، لكنه بدأ في الشطر الخامس يصور لنا هذا التأثير، ولنعد النظر قليلا في قوله :
اتلفت اعليه مرات كيفل ناس ش فيه
إن الصيغة الصرفية لهذا الفعل( اتـْـلـَـفـَّـتْ) في اللغة الحسانية ـ وقس علـيه أمثـاله[اتكلبت ـ اصوبت ـ اتنتكت...] ـ لا تدل على مجرد حدث في الزمان، وإنما نلحظ عُنفا وقوة في هذا الحدث؛ ومن ثم فإن التفات الشاعر لم يكن عارضا ولا إراديا، وإنما دعَّته الذكريات إليه دَعَّا، ودفعه الاشتياق دفعا، فانتفض الفعل بهذه الصيغة العنيفة، ولو أن الشاعر اكتفى بالفعل، لما هزتنا الصورة بقوة، ولما ذهبنا مع انفعاله بعيدا، ولكن هذا اللفظ الدقيق (( مرات)) هو الذي أكمل بنيان التافلويت، فأدّى الوصفَ غير منقوص، ولا مجذوذ.. لقد استطاع اللفظ "مرات" أن يغير العلاقة بين الدال والمدلول، فلا تقتصر علاقة الدال على الإشارة إلى مدلوله، وإنما تتجاوز ذلك إلى إحضار المدلول، وتصويره، فكأننا نرى الشاعر، وهو منشطر، لا يدري أيعود إلى"دار ابلغان" وهي فيما يبدو غيرُ مأهولة، أم يتجاوزها، وهي تشد إليها قلبه بأمراس من حديد؟ هكذا أرغمه الواقع على تجاوز الدار، لكن جاذبية الطلل قيدت حركته، فظل يُبدئ في التفاته ويعيد. إنني لا أجد عِـدْلا للفظة "مرات" بدقتها، وافتقار السياق لها إلا "معا" في قول امرئ القيس :
مكر مفر مقبل مدبر معا ...، إذ لو لم يأت الشاعر بها لكان وصف فرسه مثارَ سخرية لا مبعثَ جمال .
إن الشاعر لو أوقف الوصف عند "مرات"، وأتى في الشطر الثاني بأي تافلويت من لبتيت التام(بحر الطلعة) لما اتهم بالتقصير، لكنه لم يشف غُلة وصف هذا الالتفات الذي هو مدار الطلعة كما أسلفنا، وإنما جعل يفتش في أمتعة موهبته عن أسلوب جديد تـَجْلـِيـَة ً للصورة، وإبرازًا لملاحها، فلم تخنه الموهبة، بل أمدته بهذا التشبيه الرائع البديع (كيفلِّ ناسِ ش ِفيهَ)، إن هذا التشبيه الجميل البسيط، لن يصفح عنا إذا تناولناه بالطريقة المدرسية المعروفة القاصرة فقلنا إنه مرسل(ذكرت فيه الأداة : كيفل) ومجمل(حذف فيه وجه الشبه، وإن بقيت لوازمه).. إن هذا التشبيه في دقته وبساطته وقرب مأخذه من أجمل التشبيهات في الشعر الحساني، بل قل إنه من أجملها في الشعر العربي، ولك أن تقول إنه من أجملها في الشعر العالمي كذلك، فهو ذو طابع عالمي، أليس النسيان مما تتفق فيه البشرية مهما اختلف الزمان والمكان؟ ثم أليست العلاقة بين المنسي الثمين، والتفات من لا يقدر على الرجوع إليه، مما يدركه الإنسان في كل زمان ومكان ؟ وما دام الأمر كذلك فلسنا مبالغين في قولنا إنه من أروع التشبيهات العالمية ، ولايَجْـرِمنَّـكَ وضوحه على أن تسحب من تحته بساط الفصاحة ، فهذا ما كان نقادنا الأقدمون يسمونه "السهل الممتنع"، وقريب منه ما دعا إليه بعض المعاصرين، ولعل كبيرهم الشاعر الناقد الإنكليزي توماس إليوت . إن هذا التشبيه عبارة عن صورة نفسية عميقة، فالشاعر لم يعقد المقارنة بين شيئين خارج ذاته؛ كأنْ يشبه التفاته إلى الطلل بمن نسي غاليا، فهو يردد الالتفات إليه، وإنما شبه نفسه في حالة الالتفات بنفسه في حالة النسيان، فكأن ما حُمـِّله من مشاعرَ غداة التفاته إلى هذا الطلل، لا يجد من يحمله عنه، بل لا يستطيع حمله سواه، من أجل ذلك سحب الصورة من الخارج إلى الداخل، جاعلا المشبه به عينَ المشبه، وإن تنوعت صورتاه، فكلتاهما تجمِّل إحداهما الأخرى .
إن صورة التفات الشاعر إلى هذا الطلل في الشطرين "السالفين" تتسم بصفتين: أولاهما: تعدد الالتفات (مرات) وأخراهما: عمقه وتوغله في نفس الشاعر(كيفلّ ناسِ ش فيه)، ولو أنه لا يريد من الشعر إلا أن يدل على معنى، لما زاد على هذين الشطرين، أو انقطع عن الالتفات متصلا بموضوع آخر، ولكنه كان يريد من الشعر أن يصيرا طائرا يرفرف في سماء الشعور، بعيدا عن أرض المعاني وحدودها العقلية، من أجل ذلك كتب على نفسه ألا يتجاوز هذه اللحظة(الالتفات) حتى تشتعل في شعره على قدر اشتعالها في قلبه، فعاد إليها من جديد وأتى بالشطرين(التافلويتين) الآتيين :
واعكبت امنين ابعيد ابكات انـبــيــت اتـلـفـت اعـلـيـه
وإذا تأملناهما وجدناه عاد إلى الفضاء الزماني والمكاني، ولكنه ليس زمان الإبداع(يامس) ولا مكانه(دار إبلغان)، وإنما عاد إلى زمان الالتفات الثاني ومكانه مرشَّحا بذلك ما سلف من أن الالتفات كان مركز دائرة النص، هنا تتضح أمامنا صورة الالتفات، الذي وقع مرتين مكانا وزمانا، وإن كان في إحداهما تكرر تـَكرارا ليس إلى إحصائه بالأرقام سبيل .. أما الالتفات الأول فقد حدث والشاعر قريب من الطلل .. لا نستطيع حزر المسافة، ولكننا نستطيع أن نقول إن الطلل كان في متناول العين، ومن ثم أكثر الشاعر الالتفات، فركز على تدفق شؤبوبه، وتوالي دفعاته (مرات)...، أما الالتفات الثاني، فقد حدث بعد ابتعاد الشاعر عن الطلل، ولسنا قادرين على تقدير مسافته أيضا، ولكننا نستطيع أن نوِّكد أن الأرض التي كان يجوبها الشاعر لم تكن مستوية، وأن مشاهدته الثانية للطلل كانت بعد أن توارى عن ناظريه، بل لعله يئس من هذه المشاهده، وفجأة أشرف على مرتفع، فالتفت على جهته فرآه، ذلك ما يحدثنا به النص دون عنت في استنطاقه؛ أما حدوث الالتفات الثاني قبل الأول، فتبرزه كلمة "اعكبت"، وأما بُعد ما بين الشاعر والطلل ، فتتآزر اللفظتان "ابعيد ـ ابكات" على توكيده، وأما التفات الشاعر إلى المكان وهو على يَـفـاع ٍ من الأرض ، فهو مما تجهـَر به لفظة "انبيت" ، ذلك ما تقوله سطور النص، أما ما بينهما فله حديث طويل، يشع من الحدث الأخير "اتلفت اعليه"، فقد سخر الشاعر كل جهوده اللغوية ابتغاء استخراجه بهذه الصورة الدقيقة الفاتنة..لقد نزع الشاعر كلما غطى دقة الصورة من سدول مرخاة،فتتالت الألفاظ تتاليا عجيبا أشرقت الصورة في سمائه.. لقد استطاعت الصورة أن تجعلنا نشاهد الشاعر وهو يبتعد عن الطلل ابتعادا لا يسمح برؤيته،ثم إذا بها تنقلنا إلى الشاعر وقد ارتفع على مكان عال،و في الوقت نفسه نشاهد الطلل، وهو بمكانه المنخفض،ثم تتفسح الألفاظ في مجلس التركيب، لنشاهد الشاعر في اللحظة عينها، وهو يلتفت بهذا الطريقة الرائعة شعريا على الأقل . إنني لأشم في هذا التركيب ريحا غريبة لولا أن تفندون، فكأني باللغة تتقمص اللحظة التي عبر عنها الشاعر؛ بل تحل فيها وتأخذ شكل الصورة التي التقطها.. إن اللغة هنا تأخذ شكل الأرض التي مر بها الشاعر! فكأن البيت(التافلويتين) من بدايته إلى نهايته هو المسافة التي جابها الشاعر من الطلل حتى المرتفع! إنني لأرى اللفظتين "واعكبت ـ امنين" بتعاقب حركاتهما وسكونهما ، يمثلان المسافة القريبة من الطلل بتعاقب وِهادها ونِجادها، بتتابع منخفضاتها ومرتفعاتها،وأرى في قول الشاعر"ابعيد ـ ابكات" ، وفي حروف المد على سبيل التخصيص(الياء ، والألف) امتداد المسافة، وانبساطها، ثم إننا في لفظة "انبيت" نلاحظ الشاعر، وهو يتسلق المرتفع،حتى يصل إلى قمته ، كل ذلك نلمحه في اللفظ، وكأن ارتفاع السكون على نهاية التاء بعد المد، هو ارتفاع الشاعر على على المرتفع بعد التسلق، وهنا على قمة المرتفع التي ليس بعدها إلا الانخفاض يلتفت الشاعر جهة "دار إبلغان"،وهو يعلم أنها المشاهدة الأخيرة؛ لذلك يقف متأملا، كما تقف الجملة"اتلفت اعليه" في نهاية البيت(التافلويتين)، وليس من الصدفة ـ في نظرنا ـ أن يكون الالتفات الأول في بداية التافلويت (اتلفت اعليه مرات)، وليس من الصدفة أن يتكرر كذلك، في حين يقع الالتفات الثاني مرة واحدة، و في نهاية التافلويت.
لقد استطاع الشاعر بناء هاتين التافلويتين ، بناء بديعا، لا يتأتى إلا لذي موهبة كبيرة، ومهارة عالية،وأنا متيقن أن أرباب الشعر الحساني ومتذوقيه، يشاطرونني الرأي في جمال التافلويتين، وقدرتهما على تأدية الصورة، وإن كانوا قد يخالفوني في طريقة الوصف، لكن شعراء الفصيح وقراءه، قد يهزون رؤوسهم تعجبا مما ذهبت إليه، ويقولون: إن لغتهما عادية، وإن لغة الشعر ينبغي أن تكون متحولة لا ثابتة وشاذة غير قياسية،ومجنونة لا معقولة، وأنا أشدُّ على أيديهم، فكذلك تكون لغة الشعر الحقيقي، لاسيما في العصر الذي نحن فيه، لكني أنبههم أن جوالب الجمال في الصورة لا تقتصر على ذلك، وأن طريقة تركيب الألفاظ ، أو نظمها بلغة الجرجاني، قد تنقل الصورة نقلا رائعا لا يقل عن نقل اللغة الاستعارية أو المجازية، ولإثبات ذلك تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ..إلى بيت جميل من الشعر الفصيح أقرب ما يكون إلى التافلويتين السالفتين، ومع ذلك لا نجد في لغته تحليقا ولا تجنيحا، بل لا تختلف عن لغة التواصل إلا في طريقة تركيبها، ولن نستطيع إنكار ما فيه من دقة الوصف، وجمال التصوير، ذلك هو قول ابن الرومي في البكاء على الأطلال أيضا:
عشية مالي حيلة غير أننـي بضرب الحصا والخط في الأرض مولع
أخط وأمحو الخـط، ثم أعيده وأمـحـوه، والـغــربـان في الـدار وقــع
لقد تبين للشاعر في وقفته الأخيرة أنه لم يعد قادرا على تـَكرار الالتفات ، من أجل ذلك أطال الالتفاتة الواحدة، في تأمل، محاولا معرفة حجم الدار في مساحة قلبه؛ وذلك ما تكشف عنه"التافلوتين" اللتان تلتا ذلك :
تـلـْفِـيـتَ منِّ ما خَـلاتْ فـَظـْـلَ لاهِ نـَكـْـرَهْ بـِيـهَ
إن الشاعر التفت عن كل ما سلف من التفات، متفحصا الالتفاتة الأخيرة، ونجد أنها ـ بخلاف الأولى ـ إرادية ٌ؛ قصد إليها الشاعر قصدا، الشيء الذي توحي به لفظة"منِّ"، فياء المتكلم التي تفهم دون أن تنطق ـ وكذلك دأبها في اللغة الحسانيةـ تعضد ما نقول، ثم هي تشير إلى ما بلغته هذه الالتفاتة من الشاعر، فهي فِلذة من كبده أو قطعة من نفسه(تلـْفيتَ منِّ)، هكذا محض الشاعر نهاية الطلعة لتأثير هذه الالتفاتة، وخلالها تصفح كتب ذكرياته، وأطال التجول في أحياء الماضي، موازنا تأثير دار"إبلغان" وتأثير غيرها من المعاهد، فتبين له أنها لا تضاهيها منزلة، بل إنها طوقت قلبه من كل الجهات، فلم تُبق فيه ما يحب به سواها أو يكرهه، وأخيرا يصل إلى درجة الفناء فيها كما نجد عند الصوفيين، فلا يكون هناك وجود لغيرها في نفسه، وهنالك يتجلى عمق رؤية الشاعر، وصدق عاطفته، وهو صدق لا نلمسه في نهاية الطلعة فحسب، وإنما يسري في جسدها من الرأس إلى أخمص القدمين، ولعل نظرة في ضمائر الطلعة تكشف ذلك، سواء تعلق الأمر بتلك المستترة في الأفعال(احيات ـ امحات ـ ما خلات)، أوالبارزة خلال الطلعة أوفي نهايتها(خاطيه ـ اعليه ـ ناس ش فيه ـ خاطيه ـ نبقيه)، فكل هذه الضمائر تلتفت إلى الدار التفات الشاعر، إما لتصوير تأثيرها وسطوتها على قلبه كما نجد في ضمائر الأفعال المستترة، وإما لتصوير حبه لها، وازوراره عما سواها كما نجد في الضمائر البارزة .
وختاما أقول إن أسرار الجمال في هذه الطلعة يمكن التماسها ـ حسب قراءتنا، و بكثير من الاختزال ـ في صدق العاطفة ودقة الوصف، وعمق الرؤية، وبراعة التصوير، ويبقى النص مفتوحا لمزيد من القراءات.
أما في الأسبوع القادم فسنحاول قراءة طلعة امحمد ولد أحمد يوره المشهورة التي يبدأها بقوله:
ها ذِ الدّنْـيَ لاهِ تَخـْـلَ تـَعْكـَبْ لـَكـْصَانِ منْ لـَخْلَ
القارئ: محمد بن سيدي محمد ولد أحمد المختار
البريد الإلكتروني : moktar7071@yahoo.fr
سنحاول تناول هذه الطلعة عبر قراءتين: أولاهما قراءة في سياق الطلعة الفني، وهي بذلك تراود النص من خارجه، وأخراهما قراءة في مواطن جمال النص، وبذلك تحاول حفره من الداخل .
يقول سيدي محمد ولد الكصري :
يَامِسْ دَارْ " إبلْغانْ " احْياتْ ذاكْ أل ّشَكَّيْتْ انُّ ماتْ
اكْبَـلْ منْ تلْيـاع ِ وامْحـاتْ منْ لَخْلاكْ ألِّ خـاطِيـهَ
اتـْلـَفَّــتْ اعْـلــيــهَ مَــرّاتْ كـِيـفـلِّ نـاسِ شِ فـيـهَ
واعْكَبْتْ امْنَينْ ابْعـيدْ ابْـكاتْ انْـبـَيْـتْ اتْلـَفَّـتْ اعْـليـهَ
تـلـْفــيــتَ مـنِّ مـا خَــلاّتْ فَظْـلَ لاهِ نـَكْرَهْ بـيه َ
وَلَّ نــبْــقِ ذَلِّ مَـوْجُــودْ اتـْلَ في الدّنْـي َ خَـاطِـيـه َ
مـاه ْاتْل َخـالكْ لَـيـْنْ انْـعـُودْ نَـكـْرَهَّ وَلَّ نـبـْقِـيـهَ
ا ـ القراءة الأولى :
تندرج هذه الطلعة ضمن ما يعرف بالبكاء على الأطلال، وهو غرض شائع في الشعر العربي القديم والحساني، ولهذا الغرض ما يسوّغ ظهوره لا استمراره في كلا الشعرين؛ ذلك بأن طبيعة الحياة البدوية التي عاشها شعراء المجتمعين ، جعلتهم يقفون بهذه الدور المقفرة نادبين حظهم يوم ظعن ساكنيها، وراسمين طلوعه يوم إقامتهم، وبذلك نسجوا من أصواف ذكرياتهم، وأشعار حنينهم إلى هذه المنازل كثيرا مما تركوا لنا من أشعار. غير أن أبرز ما يـَسِم الشعر الحساني عن الفصيح في هذا الغرض أن شعراء الضاد اتخذوه في القصيدة مقدمة لغيره من الأغراض، بينما جعل له الحسانيون الطلعة خالصة من دون الأغراض غيره؛ لذلك منحوه الاستقلال، لكن انتماء طلعة ولد الكصري إلى هذا الغرض لا يعني اتباعه سنن المتقدمين، فلا هو يسفح بين يدي أطلاله أكواب الدموع، ولا نجد في نصه وصفا لآثار الظاعنين، كما لا نجد في الطلعة حديثا عن أسراب الآرام وغيرها من محتلي المعاهد بعد قطّانها الآدميين، وليس في طلعته ما سوى ذلك مما تعاوره قدامى الشعراء الفصيحين. وعلى الضفة الأخرى نجد الشاعر ينحرف عن الطريق الذي مَرَدَ عليه الشعراء الحسانيون، فأكثرهم يقفون منذ بداية الطلعة على مجموعة من الأطلال واحدا واحدا، ثم يجلسون عليها في نهاية الطلعة مجتمعة، وذلك بطريقة دقيقة أقرب إلى الرياضيات منها إلى طبيعة الشعر. بل نجد الشاعر يتنكب الطريقين سالكا الطريقة التي رسمتها أصابع تجربته، والصراط الذي عبرته انفعالاته؛ من أجل ذلك لا يركز على تصوير الطلل، وإنما يركز على تصوير شعوره لحظة وقوفه عليه، بل تجاوزه له على الأصح .. إنها لحظة التفات الشاعر إلى هذا الطلل، وهي بؤرة النص، فليس ما قبلها إلا تـَقـْدِمة، وليس ما بعدها إلا استنتاجا .. إنها اللحظة التي بعثت ذكريات الشاعر من الرماد، وأنبتت عليها شجرة من يقطين .. فهي التي زعزعت اقتناع الشاعر، وأعادت "دارإبلغان" إلى مكانها المكين من نفسه، بعد أن خُيـِّل إليه أنها لم تعد قادرة على تحريك ساكن من مشاعره. لكن التفات الشاعر إلى الطلل مرة بعد مرة بعد مرة! لم يرغمه على الاعتراف بحبه له فحسب، بل أوصله إلى الفناء فيه لدرجة أنه لا يرى في هذه الحياة سواه كما عبر في نهاية الطلعة:
"ما ه اتل خالك لين انعود نـكـره ول نـبـقـيـه"
القراءة الثانية:
في هذه القراءة سنحاول ولوج عالم النص، متريثين عند كل كلمة أو تركيب من شأنه إضاءة النص. أو الإدلاء ببعض أسراره الجمالية:
يبدأ النص بكلمة "يامس"، وما أظنها من الكلمات التي ينبغي للقارئ مواجهتها بالخطأ المشهور "إن دلت على شي فإنما تدل"، فهي في نظرنا تدل على أشياء:
أولها:صدق الشاعر وواقعية تجربته، التي هي مستوحاة من الأرض لا من السماء، الشيء الذي يجلّيه تحديد الزمان،ثم إن هذا الزمن القصير الذي يفصل بين التجربة والتعبير عنها، يد ل على أن الشاعر ارتجل قصيدته، أو اقترب من ارتجالها، ولعل هذه الساعات كانت الفترة التي تأمل الشاعر فيها حدث الأمس، وبذلك لم يرتجل الارتجال كله؛فيقصر عن التجويد، ولم يترك الأمد يطول على اللحظة، فتخمد نارها، ناهيك عما في تحديد الزمان من حرص الشاعر على وضع المتلقي أمام الحدث، وإذا علمنا أن مثل هذا المطلع كثير وجودُه في القصائد الحسانية "اطلع"، جاز لنا أن نعمم ما أطلقنا من أحكام على الشاعر فنقول : إن من بين سمات الشعر الحساني واقعية التجربة، والحرص على الدقة في نقلها، وسرعة الاستجابة للمناسبة، ومن القصائد الحسانية "اطلع" التي تبدأ بهذا التحديد الزماني، قول أحمد سالم ولد الببوط :
يَامِسْ عَنْدْ الكَرْكَارْ جَاوْ اعْلِـينَ خطـارْ
كالُ عَــنْ بُـلمْـحـارْ أَهْلُ عـادُ بَكـَيـْلْ
واعْلمْ بـيـهَ بَكارْ واجْحَدْه َبيـهْ الوَيْلْ
أمّانَ يـالـْمَــعْبـودْ لكنْتْ اعْلمْتْ اكْبَيْلْ
عَنْهمْ بَكيلْ انْعُـودْ كَيَّلْتْ اكـْبَيـْل أكـَيـْل
وقول شاعر لا أعرف إلا طلعته البديعة الطريفة :
يامسْ ياغْـل َغـيـدْ التّـشْـهارْ اتـْفـَشـْوَلـْتْ انـْتـومَ حـظـَّارْ
خظْتْ امْنْ احْذاكُمْ لصْفِرَارْ شفـْتــكْ شـَوْفَ بـادتْ بــِي
وَ اثـْرِ بِـيَ كــثـْرتْ لَخْـبـارْ اغـَمـْزتــكْ غــَمـْزِيَّ حــَيَّ
وافْطَنْ لِ صَيْدكْ فاتْ اشْكارْ وجـْـهِ واحْــمــارُ عــَيـْـنِــي
واسْكـنْتْ اعْلَ ذاكْ التـّطـْوارْ وَاتـْهـَمْ عـَـنـْـهَ حـَـالَ فـِــيَّ
أُعـتْ ألاّ كـدْ امْنـَيْـنْ افْيـَــم ْ نـَـلـْـكـاهْ أُخـَــوْفْ الـْمـشْلِيَّ
انْـرَمَّــشْ عَـيـْـنـِـيَّ وانـْتـَـمْ غَـمْـزِيَّ تـَعـْـكـَبْ غـَمْـزِيَّ
وبعد الكلمة الأولى في النص، نذهب إلى الكلمة الثانية وهي "دار ابلغان"، ورغم جهلنا لموقع هذا المكان الجغرافي، سواء لغربتنا عن البلد، أو لغياب المراجع،فإن الطلعة حددت لنا موقعه الجغرافي في نفس الشاعر، وأنبأتنا بما أسرّ له به من حديث .. إنه الشاهد الثاني على واقعية التجربة، و حرص الشاعر على دقة النقل؛ إذ هو العنصر المكاني، لكن دلالته في الطلعة أكثر كثافة من دلالة العنصر الزماني، فارتباط الشاعر به أكثر، وعلوقه بنفسه أشد .. ، من أجل ذلك لا يمر عليه مرور اللئام، بحيث يلزمنا تأويل دلالته كما فعل بالزمان "يامس" وإنما يبسط في الحديث عنه ولا يقبض حتى نهاية الطلعة .. إن هيمنة المكان على نفس الشاعر مما ينادي على نفسه في الأفعال الأولى التي أسندها الشاعر إليه: ((احْياتْ ـ امحات ـ ...))، فكأن الشاعر لم يكن مطمئنا قلبُه لقدرة هذا المكان الخارقة لكنه لما مر به أتته ذكرياته سعيا قبل أن يدعوهن، فعلم أنه يُحيي و يميت(وهذا مجاز طبعا) .. لقد استطاع المكان إحياء ما في قلب الشاعر من ذكريات قديمة، ظن تقادم الزمن أخنى عليها بتعبير لبيد، أو نسج عليها من جنوب النسيان وشمأله بتعبير امرئ القيس، لكن الموؤودة لم تقتل، وإنما بقيت حية في مكانها من نفس الشاعر، حتى إذا مرت على المكان رجعت جَذَعَة، وبذلك بارزت شك الشاعر، فانقلب إلى يقين،
إن المكان "دارإبلغان" ينتقل في خريطة قلب الشاعر انتقالا سريعا منذ الأشطر الأولى " "التيفلواتن" من الطلعة، فبينما نرى الشاعر ينكر مكانه في قلبه، إذا به وهو يشاهده شاخصا، ثم نجده في الشطر الرابع، يسيطر على قلبه سيطرة كاملة فلا يرى فيه لغيره مكانا "وامحات من لخلاك أل خاطيه"
ولعل هذه النزعة ( نزعة الشك ) كثيرا ما تعتري الشاعر، فيراجع علاقته بالمعاهد، وربما أنكر هذه العلاقة حينا، ولكن حب المكان يبقى سمة بارزة، حتى حين ينكره، فحينئذ ينكر نفسه، ويُسَرُّ لأنه تغير، ولم يتغير المكان وحده، ذلك ما نجده في نص آخر مشهور ، يقول :
كَـالحـَمـْـدْ ألّ يـَوادْ لمْرَيْفكْ وَاكْتـنْ رادْ
اللهْ اعــْلِيـكْ ابـْعــادْ الـدَّهـْـرْ أل ِّ غَـلاَّك ْ
أُخسْرتْ حالتْ لبْلاد ْ أعتْ أنـْتَ للِّ جـَاكْ
ما ه ْأنْـتَ ذاكْ أُعـادْ ذ َمَاهُ دَهـْرْ اغـْلاكْ
عــتْ ءانَ مـان ِزادْ سيـدي مُحَـمَّدْ ذاكْ
إن امتزاج الشاعر بهذا الطلل(دار إبلغان)لم يبلغ أوجه، ولم يصل الشاعر قمة التعبير عنه إلا لحظة "الالتفات"، وقد أشرنا إليها سالفا، وهنا سنخصها ببعض التفصيل، إن هذه اللحظة هي الشمعة التي أضاءت للشاعر مكان الطلل في روحه، ونزعت ما رانَ على قلبه من غِشاوة الشك .. هنا رحل بنا الشاعر من الخَـبَر إلى الخُـبْر، ومن الصوت إلى الصورة .. هنا بدأنا نشاهد ما كنا نسمع، ونصدق ما كنا نتصور، كان الشاعر يحدثنا في الأشطر(التيفلواتن) الأربعة الأولى عن تأثير الطلل على نفسه، لكنه بدأ في الشطر الخامس يصور لنا هذا التأثير، ولنعد النظر قليلا في قوله :
اتلفت اعليه مرات كيفل ناس ش فيه
إن الصيغة الصرفية لهذا الفعل( اتـْـلـَـفـَّـتْ) في اللغة الحسانية ـ وقس علـيه أمثـاله[اتكلبت ـ اصوبت ـ اتنتكت...] ـ لا تدل على مجرد حدث في الزمان، وإنما نلحظ عُنفا وقوة في هذا الحدث؛ ومن ثم فإن التفات الشاعر لم يكن عارضا ولا إراديا، وإنما دعَّته الذكريات إليه دَعَّا، ودفعه الاشتياق دفعا، فانتفض الفعل بهذه الصيغة العنيفة، ولو أن الشاعر اكتفى بالفعل، لما هزتنا الصورة بقوة، ولما ذهبنا مع انفعاله بعيدا، ولكن هذا اللفظ الدقيق (( مرات)) هو الذي أكمل بنيان التافلويت، فأدّى الوصفَ غير منقوص، ولا مجذوذ.. لقد استطاع اللفظ "مرات" أن يغير العلاقة بين الدال والمدلول، فلا تقتصر علاقة الدال على الإشارة إلى مدلوله، وإنما تتجاوز ذلك إلى إحضار المدلول، وتصويره، فكأننا نرى الشاعر، وهو منشطر، لا يدري أيعود إلى"دار ابلغان" وهي فيما يبدو غيرُ مأهولة، أم يتجاوزها، وهي تشد إليها قلبه بأمراس من حديد؟ هكذا أرغمه الواقع على تجاوز الدار، لكن جاذبية الطلل قيدت حركته، فظل يُبدئ في التفاته ويعيد. إنني لا أجد عِـدْلا للفظة "مرات" بدقتها، وافتقار السياق لها إلا "معا" في قول امرئ القيس :
مكر مفر مقبل مدبر معا ...، إذ لو لم يأت الشاعر بها لكان وصف فرسه مثارَ سخرية لا مبعثَ جمال .
إن الشاعر لو أوقف الوصف عند "مرات"، وأتى في الشطر الثاني بأي تافلويت من لبتيت التام(بحر الطلعة) لما اتهم بالتقصير، لكنه لم يشف غُلة وصف هذا الالتفات الذي هو مدار الطلعة كما أسلفنا، وإنما جعل يفتش في أمتعة موهبته عن أسلوب جديد تـَجْلـِيـَة ً للصورة، وإبرازًا لملاحها، فلم تخنه الموهبة، بل أمدته بهذا التشبيه الرائع البديع (كيفلِّ ناسِ ش ِفيهَ)، إن هذا التشبيه الجميل البسيط، لن يصفح عنا إذا تناولناه بالطريقة المدرسية المعروفة القاصرة فقلنا إنه مرسل(ذكرت فيه الأداة : كيفل) ومجمل(حذف فيه وجه الشبه، وإن بقيت لوازمه).. إن هذا التشبيه في دقته وبساطته وقرب مأخذه من أجمل التشبيهات في الشعر الحساني، بل قل إنه من أجملها في الشعر العربي، ولك أن تقول إنه من أجملها في الشعر العالمي كذلك، فهو ذو طابع عالمي، أليس النسيان مما تتفق فيه البشرية مهما اختلف الزمان والمكان؟ ثم أليست العلاقة بين المنسي الثمين، والتفات من لا يقدر على الرجوع إليه، مما يدركه الإنسان في كل زمان ومكان ؟ وما دام الأمر كذلك فلسنا مبالغين في قولنا إنه من أروع التشبيهات العالمية ، ولايَجْـرِمنَّـكَ وضوحه على أن تسحب من تحته بساط الفصاحة ، فهذا ما كان نقادنا الأقدمون يسمونه "السهل الممتنع"، وقريب منه ما دعا إليه بعض المعاصرين، ولعل كبيرهم الشاعر الناقد الإنكليزي توماس إليوت . إن هذا التشبيه عبارة عن صورة نفسية عميقة، فالشاعر لم يعقد المقارنة بين شيئين خارج ذاته؛ كأنْ يشبه التفاته إلى الطلل بمن نسي غاليا، فهو يردد الالتفات إليه، وإنما شبه نفسه في حالة الالتفات بنفسه في حالة النسيان، فكأن ما حُمـِّله من مشاعرَ غداة التفاته إلى هذا الطلل، لا يجد من يحمله عنه، بل لا يستطيع حمله سواه، من أجل ذلك سحب الصورة من الخارج إلى الداخل، جاعلا المشبه به عينَ المشبه، وإن تنوعت صورتاه، فكلتاهما تجمِّل إحداهما الأخرى .
إن صورة التفات الشاعر إلى هذا الطلل في الشطرين "السالفين" تتسم بصفتين: أولاهما: تعدد الالتفات (مرات) وأخراهما: عمقه وتوغله في نفس الشاعر(كيفلّ ناسِ ش فيه)، ولو أنه لا يريد من الشعر إلا أن يدل على معنى، لما زاد على هذين الشطرين، أو انقطع عن الالتفات متصلا بموضوع آخر، ولكنه كان يريد من الشعر أن يصيرا طائرا يرفرف في سماء الشعور، بعيدا عن أرض المعاني وحدودها العقلية، من أجل ذلك كتب على نفسه ألا يتجاوز هذه اللحظة(الالتفات) حتى تشتعل في شعره على قدر اشتعالها في قلبه، فعاد إليها من جديد وأتى بالشطرين(التافلويتين) الآتيين :
واعكبت امنين ابعيد ابكات انـبــيــت اتـلـفـت اعـلـيـه
وإذا تأملناهما وجدناه عاد إلى الفضاء الزماني والمكاني، ولكنه ليس زمان الإبداع(يامس) ولا مكانه(دار إبلغان)، وإنما عاد إلى زمان الالتفات الثاني ومكانه مرشَّحا بذلك ما سلف من أن الالتفات كان مركز دائرة النص، هنا تتضح أمامنا صورة الالتفات، الذي وقع مرتين مكانا وزمانا، وإن كان في إحداهما تكرر تـَكرارا ليس إلى إحصائه بالأرقام سبيل .. أما الالتفات الأول فقد حدث والشاعر قريب من الطلل .. لا نستطيع حزر المسافة، ولكننا نستطيع أن نقول إن الطلل كان في متناول العين، ومن ثم أكثر الشاعر الالتفات، فركز على تدفق شؤبوبه، وتوالي دفعاته (مرات)...، أما الالتفات الثاني، فقد حدث بعد ابتعاد الشاعر عن الطلل، ولسنا قادرين على تقدير مسافته أيضا، ولكننا نستطيع أن نوِّكد أن الأرض التي كان يجوبها الشاعر لم تكن مستوية، وأن مشاهدته الثانية للطلل كانت بعد أن توارى عن ناظريه، بل لعله يئس من هذه المشاهده، وفجأة أشرف على مرتفع، فالتفت على جهته فرآه، ذلك ما يحدثنا به النص دون عنت في استنطاقه؛ أما حدوث الالتفات الثاني قبل الأول، فتبرزه كلمة "اعكبت"، وأما بُعد ما بين الشاعر والطلل ، فتتآزر اللفظتان "ابعيد ـ ابكات" على توكيده، وأما التفات الشاعر إلى المكان وهو على يَـفـاع ٍ من الأرض ، فهو مما تجهـَر به لفظة "انبيت" ، ذلك ما تقوله سطور النص، أما ما بينهما فله حديث طويل، يشع من الحدث الأخير "اتلفت اعليه"، فقد سخر الشاعر كل جهوده اللغوية ابتغاء استخراجه بهذه الصورة الدقيقة الفاتنة..لقد نزع الشاعر كلما غطى دقة الصورة من سدول مرخاة،فتتالت الألفاظ تتاليا عجيبا أشرقت الصورة في سمائه.. لقد استطاعت الصورة أن تجعلنا نشاهد الشاعر وهو يبتعد عن الطلل ابتعادا لا يسمح برؤيته،ثم إذا بها تنقلنا إلى الشاعر وقد ارتفع على مكان عال،و في الوقت نفسه نشاهد الطلل، وهو بمكانه المنخفض،ثم تتفسح الألفاظ في مجلس التركيب، لنشاهد الشاعر في اللحظة عينها، وهو يلتفت بهذا الطريقة الرائعة شعريا على الأقل . إنني لأشم في هذا التركيب ريحا غريبة لولا أن تفندون، فكأني باللغة تتقمص اللحظة التي عبر عنها الشاعر؛ بل تحل فيها وتأخذ شكل الصورة التي التقطها.. إن اللغة هنا تأخذ شكل الأرض التي مر بها الشاعر! فكأن البيت(التافلويتين) من بدايته إلى نهايته هو المسافة التي جابها الشاعر من الطلل حتى المرتفع! إنني لأرى اللفظتين "واعكبت ـ امنين" بتعاقب حركاتهما وسكونهما ، يمثلان المسافة القريبة من الطلل بتعاقب وِهادها ونِجادها، بتتابع منخفضاتها ومرتفعاتها،وأرى في قول الشاعر"ابعيد ـ ابكات" ، وفي حروف المد على سبيل التخصيص(الياء ، والألف) امتداد المسافة، وانبساطها، ثم إننا في لفظة "انبيت" نلاحظ الشاعر، وهو يتسلق المرتفع،حتى يصل إلى قمته ، كل ذلك نلمحه في اللفظ، وكأن ارتفاع السكون على نهاية التاء بعد المد، هو ارتفاع الشاعر على على المرتفع بعد التسلق، وهنا على قمة المرتفع التي ليس بعدها إلا الانخفاض يلتفت الشاعر جهة "دار إبلغان"،وهو يعلم أنها المشاهدة الأخيرة؛ لذلك يقف متأملا، كما تقف الجملة"اتلفت اعليه" في نهاية البيت(التافلويتين)، وليس من الصدفة ـ في نظرنا ـ أن يكون الالتفات الأول في بداية التافلويت (اتلفت اعليه مرات)، وليس من الصدفة أن يتكرر كذلك، في حين يقع الالتفات الثاني مرة واحدة، و في نهاية التافلويت.
لقد استطاع الشاعر بناء هاتين التافلويتين ، بناء بديعا، لا يتأتى إلا لذي موهبة كبيرة، ومهارة عالية،وأنا متيقن أن أرباب الشعر الحساني ومتذوقيه، يشاطرونني الرأي في جمال التافلويتين، وقدرتهما على تأدية الصورة، وإن كانوا قد يخالفوني في طريقة الوصف، لكن شعراء الفصيح وقراءه، قد يهزون رؤوسهم تعجبا مما ذهبت إليه، ويقولون: إن لغتهما عادية، وإن لغة الشعر ينبغي أن تكون متحولة لا ثابتة وشاذة غير قياسية،ومجنونة لا معقولة، وأنا أشدُّ على أيديهم، فكذلك تكون لغة الشعر الحقيقي، لاسيما في العصر الذي نحن فيه، لكني أنبههم أن جوالب الجمال في الصورة لا تقتصر على ذلك، وأن طريقة تركيب الألفاظ ، أو نظمها بلغة الجرجاني، قد تنقل الصورة نقلا رائعا لا يقل عن نقل اللغة الاستعارية أو المجازية، ولإثبات ذلك تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ..إلى بيت جميل من الشعر الفصيح أقرب ما يكون إلى التافلويتين السالفتين، ومع ذلك لا نجد في لغته تحليقا ولا تجنيحا، بل لا تختلف عن لغة التواصل إلا في طريقة تركيبها، ولن نستطيع إنكار ما فيه من دقة الوصف، وجمال التصوير، ذلك هو قول ابن الرومي في البكاء على الأطلال أيضا:
عشية مالي حيلة غير أننـي بضرب الحصا والخط في الأرض مولع
أخط وأمحو الخـط، ثم أعيده وأمـحـوه، والـغــربـان في الـدار وقــع
لقد تبين للشاعر في وقفته الأخيرة أنه لم يعد قادرا على تـَكرار الالتفات ، من أجل ذلك أطال الالتفاتة الواحدة، في تأمل، محاولا معرفة حجم الدار في مساحة قلبه؛ وذلك ما تكشف عنه"التافلوتين" اللتان تلتا ذلك :
تـلـْفِـيـتَ منِّ ما خَـلاتْ فـَظـْـلَ لاهِ نـَكـْـرَهْ بـِيـهَ
إن الشاعر التفت عن كل ما سلف من التفات، متفحصا الالتفاتة الأخيرة، ونجد أنها ـ بخلاف الأولى ـ إرادية ٌ؛ قصد إليها الشاعر قصدا، الشيء الذي توحي به لفظة"منِّ"، فياء المتكلم التي تفهم دون أن تنطق ـ وكذلك دأبها في اللغة الحسانيةـ تعضد ما نقول، ثم هي تشير إلى ما بلغته هذه الالتفاتة من الشاعر، فهي فِلذة من كبده أو قطعة من نفسه(تلـْفيتَ منِّ)، هكذا محض الشاعر نهاية الطلعة لتأثير هذه الالتفاتة، وخلالها تصفح كتب ذكرياته، وأطال التجول في أحياء الماضي، موازنا تأثير دار"إبلغان" وتأثير غيرها من المعاهد، فتبين له أنها لا تضاهيها منزلة، بل إنها طوقت قلبه من كل الجهات، فلم تُبق فيه ما يحب به سواها أو يكرهه، وأخيرا يصل إلى درجة الفناء فيها كما نجد عند الصوفيين، فلا يكون هناك وجود لغيرها في نفسه، وهنالك يتجلى عمق رؤية الشاعر، وصدق عاطفته، وهو صدق لا نلمسه في نهاية الطلعة فحسب، وإنما يسري في جسدها من الرأس إلى أخمص القدمين، ولعل نظرة في ضمائر الطلعة تكشف ذلك، سواء تعلق الأمر بتلك المستترة في الأفعال(احيات ـ امحات ـ ما خلات)، أوالبارزة خلال الطلعة أوفي نهايتها(خاطيه ـ اعليه ـ ناس ش فيه ـ خاطيه ـ نبقيه)، فكل هذه الضمائر تلتفت إلى الدار التفات الشاعر، إما لتصوير تأثيرها وسطوتها على قلبه كما نجد في ضمائر الأفعال المستترة، وإما لتصوير حبه لها، وازوراره عما سواها كما نجد في الضمائر البارزة .
وختاما أقول إن أسرار الجمال في هذه الطلعة يمكن التماسها ـ حسب قراءتنا، و بكثير من الاختزال ـ في صدق العاطفة ودقة الوصف، وعمق الرؤية، وبراعة التصوير، ويبقى النص مفتوحا لمزيد من القراءات.
أما في الأسبوع القادم فسنحاول قراءة طلعة امحمد ولد أحمد يوره المشهورة التي يبدأها بقوله:
ها ذِ الدّنْـيَ لاهِ تَخـْـلَ تـَعْكـَبْ لـَكـْصَانِ منْ لـَخْلَ
القارئ: محمد بن سيدي محمد ولد أحمد المختار
البريد الإلكتروني : moktar7071@yahoo.fr







