تاريخ الإضافة : 27.01.2010 14:48

الهجرة إلى إفريقيا.. صرخة عجوز

محمد محمود ولد الشيخ أحمد "دحمود"


في أحيان كثيرة يجد المرء نفسه أمام مواقف ومشاهد تفرض عليه الخروج عن صمته المفضل لديه، رغم عجزه عن إيجاد الكلمات القادرة على التعبير الكافي عنها.
مشاهد ليس أقلها أهمية ـ بالتأكيد ـ تلك الصرخة المؤلمة التي واجهني بها عجوز في عقده السابع من عمره طالبا إيصال صوته إلى عشرات الشباب الذين يمرون من أمامه كل يوم آخذين نفس الطريق الخاطئ الذي سلكه هو قبل أكثر من ربع قرن من الزمن ولما يصل بعد إلى نهايته..
شيخ هادئ مثقف، يحرص كل الحرص على إهداء تجربته الثرية في الهجرة إلى إفريقيا إلى كل "أبنائه".. يعجب كل العجب من حديث الناس عن هجرة الطيور والحيوانات وصمتهم المطبق عن هجرة الشباب اليافع الطري إلى أدغال إفريقيا رغم كلما تخلفه تلك الهجرة عليهم وعلى مجتمعهم ودولتهم من مشاكل ومآسي لا حصر لها.

نظرته المتسامحة وعباراته اللينة عند حديثه عن هجرة "الصغار" إلى إفريقيا تعطي الانطباع بأنه يتأهب لإيقاف كـــارثة ما، لا يدري كيف، لذلك يبدو لي الأكثر إحساسا بـ"المأساة" كما لو كان هذا ألمه الخاص.


محمد يعتبر نفسه أقدم أبناء المرابطين في هذه البلاد النائية هاجر إلى إفريقيا شهر سبتمبر من سنة 1980م . كانت بداياته الأولي مع تلك الرحلة الأبدية من العاصمة الإفوارية "ساحل العاج" وراتب شهري في حدود ثمانية آلف من "الأوقية".

أكثر من ربع قرن من الزمن تنقل خلالها بين تسع دول إفريقية بدءا من جمهورية "مالي" التي تحد "لخيام" كما يحلو له أن يعبر.. وحتى جمهورية "آنكولا" التي يعيش فيها الآن منذ سنة وشهر.

تعلم عدة لهجات محلية، في عدد من الدول الإفريقية. بالإضافة إلى "أحكام نفسه" من الفرنسية والبرتغالية.
مازال إلى الآن يتمسك ببعض العادات والتقاليد الموريتانية.. التي تجاوزها المشتمع الموريتاني.. لديه مخزون متكامل من الذكريات.. عندما تستمع إليه يتحدث عن موريتانيا .. وعن لجانها العسكرية التي كانت ـ وربما مازالت ـ تتعاقب على الحكم هناك. ومسائل أخرى في مجال الاجتماع والسياسة.. يخيل إليك أنك تستمع لشريط يختزن ذاكرة شاب موريتاني في بداية الثمينات.

كل هذا يجعله ـ في نظري ـ الأكثر قدرة على وصف واقع المهاجرين الموريتانيين إلى إفريقيا رغم نسيانه للكثير من الأساليب البلاغية التي قرأها في "محضرته" لذلك أسعفته ببعض الأسئلة علها تساعده في تبليغ رسالته التي يحرص على أدائها بكل إخلاص وجدية.

أول سؤال طرحته عليه كان يدور حول الأسباب التي أدت به إلى الهجرة إلى إفريقيا أول مرة منذ ثلاثين سنة من الآن:

أجابني ببساطة شديدة أنه بينما كان يدرس صحبة ابن عم له في إحدى المحاظر حتى سمع أن أحد "أقرانه" قدم للتو من "ساحل العاج" وأنه اشترى أربعين رأسا من البقر. "من ذلك الوقت قررت أن أترك المحظرة" إلى الأبد. وأن أسافر إلى ساحل العاج .
وهكذا منذ ذلك اليوم ورحلة "الأربعين بقرة" مستمرة لتخترق حاجز الثلاثين سنة حتى الآن. وليس هناك مؤشرات قوية على أنها ستقف عند حاجز الأربعين سنة.

لكنني اكتشفت فيما بعد حديث عفوي معه. أنه في الواقع لم يكن يعرف بالتحديد ما ذا يريد عندما تعمق في أدغال هذه القارة السمراء لأول مرة ـ كما هو الحال بالنسبة للكثيرين هنا ـ لذلك ظل مصيره يتهادي بين دولة وأخرى مثل مركب ورقي مهمل في جدول صغير.
بدأ يشرح لي باستفاضة شديدة تفاصيل رحلته الغامضة تلك. تفاصيل مثيرة جدا تجعلك ترق لحاله.. ترق لهذا الرجل الذي ظل يعيش وسط الضياع والتشتت.. لأكثر من ربع قرن من الزمن.

لم يكن يقدر أنه سيجلس في إفريقيا أكثر من سنة واحدة .
لكن غياب الرؤية وغموض الطموح جعله ينتقل من "ساحل العاج" إلى "غينيا بساو" ومن غينيا إلى "الكنكو" ومنها إلى "السينغال" و"زامبيا". وجمهورية "وسط إفريقيا" و"بنين" و"الغابون"...

ثم عاد إلى موريتانيا لمدة أشهر ليواصل الرحلة بعد ذلك، أسباب كثيرة أدت به إلى الانتقال من دولة إلى أخرى. فمرة بسبب الحروب الأهلية الطاحنة, ومرة أخرى بسبب الكساد.. وثالثة بسبب البحث عن مكان أفضل للتجارة.

تعاقبت عليه أجيال عديدة واستطاع أن يتعرف عن قرب على أنواع بشرية كثيرة من فئات عمرية مختلفة، ومن أركان أو "قرون" موريتانيا الأربع كما يقول هو، يعتبر أن الدول الإفريقية كلها سواء وإن اختلفت لهاجتها..
سألته عن الفرق بين إفريقيا الان وبين إفريقيا كما زارها أول مرة قبل أكثر من ربع قرن من الزمن . أجاب بأن إفريقا هي إفريقيا.. الآن وقبل ثلاثين سنة كما عرفها ، وستبقي كذلك إلى الأبد . حسب تجربته الطويلة.


أنا أعترف مسبقا بالعجز عن نقل صورة المعاناة الحقيقية التي يعكسها حديث عارض مع محمد ـ على الأقل كما يريدها هو ـ لكن جانبا آخر من الصورة "المأساة" ينعكس بشكل اكثر وضوحا عندما نكتشف أن محمدا ليس إلا واحدا من مئآة "الجنود المجهولين" الذين ما زالوا إلى الآن يتسللون بالعشرات إلى إفريقيا وبطرق تبدو للاسف غير مريحة.
أخشى ما أخشاه أنا وهو وغيرنا.. أن تتكرر قصته المؤلمة مع العشرات من الشباب الذين يتوافدون إلى هذه البلاد النائية بشكل يومي..

ليس هناك فارق كبير بين محمد وبين كثير من هؤلاء.. الفرق الوحيد الذي يمكن العثور عليه بعد عناء في البحث والسؤال.. هو تحول "الطموح" من "قطيع من البقر" إلى سيارة تافهة.. هكذا يخيل إلي يا للسخرية..

عندما تتحدث مع أحد الشباب الذين وصلوا إلى هنا لسبب غامض . ومنحتهم العناية الإلهية فرصة أن يكونوا عمالا من درجة أولى، يتسكعون في هذه الأزقة البائسة.. وتسأله عن أحلامه وطموحاته سوف يتأكد لديك ما أقول. سوف تجد أن كلما يطمح إليه هؤلاء هو أن يقف الواحد منهم أمام سيارة "من آخر صيحة" كما يقولون هنا. ثم يفتح الباب ويركب لينطلق بسرعة عالية متخيلا أن العالم كله ينظر إليه ، في الوقت الذي لا يراه أحد.

المضحك والمبكي في آن: أن الواحد منهم يعيش عدة سنوات مسحوقا في هذه البلاد الرذيلة. وعندما يعود إلى موريتانيا تجده مصرا على لعب دور "البرجوازي" المثقف والمتعلم مع أنه لم يجلس على مقاعد الدراسة طول حياته.

وفي بعض الأحيان للاسف ينجح في لعب هذا الدور بسبب الزمن الرديء الذي يمر هناك.. ولا تنطلي هذه الحيلة الخرافية على المجتمع فقط بل تنطلي عليه هو أيضا .. فيقضي بقية عمره معذبا بسبب هذا الانفصام الساخر...

وليس القصد ـ بالطبع ـ من حديث كهذا إضفاء نوع من السوداوية القاتمة على المشهد بشكل يجدي خوف الناس هنا من أنفسهم أكثر مما يجدي نفعا لآخرين ، كما أنه بالأحرى ليس المقصود تحميل المسؤولية لأناس دفعهم الفقر والاضطهاد إلى الفرار من و"طـــــن"
اسمه موريتانيا..

ذلك المكان الذي يحسون فيه بالاغتراب أكثر مما يحسون به في أي مكان آخر في العالم بسبب أجوائه الملوثة التي يسودها التمييز والمحسوبية والبطالة والعطالة والفقر وانتهاك الحقوق، والحرمان من أبسط الخدمات الصحية والتعليمية . ورداءة الأجواء السياسية وسهولة الإلغاء والمصادرة تجاه كل من ليس له قريب مسيطر أو صديق نافذ.

الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026