تاريخ الإضافة : 28.02.2008 15:21

حول التجربة الشعرية الموريتانية الحديثة

الوقوف على تجليات الحركة الشعرية ، الموريتانية الحديثة بكامل أطيافها ومدى تطورها ، أمر قد يتعذر لأن أغلب الشعراء الموريتانيين لم ينشروا إنتاجهم ، إلا أن هذا لا يمنعنا من مساءلة الموجود.
إن المنشور من هذا الشعر وما نجده في الصحف وما يذاع في الإذاعة والتلفزيون يكشف أن حركة الإبداع الشعري حركة ضعيفة بطيئة لم تترسخ بعد في تقديم نفسها ، وذلك في نظرنا لا يكون إلا بمساءلة الأبعاد الكبرى للإنسان الموريتاني.
إن أغلب هذه النصوص هو تكرار واستنساخ لا أكثر لتجارب الآخرين ، مع أن هناك محاولات قليلة جريئة لكنها لا تعبر إلا عن أصحابها ، وليست حساسية فنية مستجدة ، ثم إنها تعاني من التهميش والخنق من قبل المؤسسة الثقافية ، الأمر الذي يعكس بعمق مسألة تخلف التجربة الشعرية الموريتانية الحديثة ، والتي تعود في نظرنا إلى أمور كثيرة من بينها:
أن الدولة ليست لها استراتيجية فاعلة في الشأن الثقافي ، ويتمثل ذلك جليا في غياب دور النشر وعدم تشجيع المبدعين وعدم دعم رابطة الأدباء الموريتانيين وعدم وجود صحافة أدبية حقيقية
ينضاف إلى المسألة عامل سوسيوثقافي مرتبط بتخلف الذائقة الأدبية الموريتانية التي لا تزال قديمة ، ولم تخرج من الأطر الأدبية القديمة ، والدليل على ذلك أن اللغة الإبداعية لدى شعرائنا في أغلبها لغة قديمة لا تلائم عصرنا الحالي ، والظاهرة تتكرس بعمق في منتدياتنا الأدبية ، وكمثال على ذلك النصوص الكثيرة التي تقدم في برنامج (خيمة الشعر) الذي تبثه التلفزة الوطنية ، إذ نجد أن أكثر هذه النصوص عبارة عن أنظام وأراجيز ونصوص على غرار القديم واستعادة وتكرار له.
إن التخندق للماضي والعيش فيه والتمسك به أمور كثيرة حاضرة في حياتنا وتظهر بشكل جلي في اللغة والعادات والتقاليد ، وهيمنة الثقافة المتحجرة وهي قضايا تعود إلى التخلف ، ولا نريد هنا أن نناقش هذا التخلف ، ولكننا نرى في الأمر ونحن نتحدث عن التجربة الشعرية الموريتانية الحديثة أن التخلف هو العتبة الأولي والأخيرة في إشكالياتنا الثقافية ، وهو واقعي وليس زائفا أو مفترضا ، وعلينا محاولة فهمه وتجاوزه ومساءلته.
إن الحديث عن التجديد أو الحداثة في شعرنا الموريتاني لا بد أن يطال القضايا الكبرى التي ترتبط بمشروع الحداثة نفسه ، وهو مشروع ما زال متعثرا على جميع الأصعدة ، من هنا فإننا نرى أن التجديد أو التحديث الذي نراه في أغلب النصوص الشعرية ليس إلا إعادة لإشكاليات الآخر وقضاياه ، وبالتالي فإننا نلحظ أن هذه النصوص ترتمي في التقليد الفج للشرق العربي أو المغرب العربي ، ولا نعني هنا أن الركام الثقافي والتجربة الإنسانية مسألة ليست مهمة بل العكس ، إذ أن الاستفادة من الثقافات والتشبع منها قضية مهمة ، لكن ينبغي ألا يبقي شعراؤنا يعيشون على التقليد الفج لتجارب Ø
�لآخرين ، وبالتالي يصبح إبداعنا تقليدا للسياب أو أبو القاسم الشابي أو نزار.
الأمر الذي يفسر في نظرنا سر تخلف التجربة الشعرية ، إذ فشلنا حتى الساعة في تقديم شاعر واحد إلى العالم ، وما ذلك إلا لأننا ما زلنا نكرر الآخرين ولم نحاول أن نبدع بملامحنا ، بشخصيتنا وروحنا ، الأمر الذي معه تنتفي روح الخصوصية والجدة وتغدو التجربة الإبداعية استنساخا وحضورا سيئا للذات.
إن الشعر الموريتاني الحديث كما رأيناه أو على الأقل ما عرفنا منه لا يزال كباقي الأطر المعرفية الأخرى في حياتنا لم يتأسس بعد على أرضية صلبة ، وإن كانت هناك محاولات قليلة لا بأس بها ، إلا أن الملمح العام هو أن مؤسستنا الأدبية لم تخرج بعد بشكل قوي نتاجا متميزا ، وذلك عائد في نظرنا إلى أن الذاكرة الأدبية الموريتانية لم تتخلص من الشوائب الكثيرة الموروثة من الماضي ، ولا زالت تكرس أنماط القديم ، ولم تستطع أن تطور الأدب كثيرا ، وما تعثر السرد والفنون الأدبية الأخرى كالمسرح إلا نتيجة طبيعية لهذا المعطى الذي سيبقي سائدا لفترة طويلة مادامت المشاريع الح
داثية لم تتأسس ، وما دامت عقلية التغيير والتجاوز لم تترسخ.
إن معنى الأدبية الموريتانية يكشف بعمق عن روح قديمة صرفة ، إذ لو تأملنا الشعر الموريتاني القديم لوجدنا روح القديم طاغية ومهينة عليه ، وهو نموذج ما زال سائدا في شعرنا ، وذلك لأن الأطر الأدبية عندنا لا تزال مغلقة وتدور في الماضي مما يستدعى منا المساءلة والتغيير الجذري والترويض القوي للذائقة الأدبية ، لكي نفتح آفاقا أخرى واسعة للأسئلة ، وبذلك نتجه
نحو القصيدة نحو الرواية ، نحو المسرح ، نحو الإبداع الأصيل.

المناخ

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026