تاريخ الإضافة : 07.01.2010 13:46
الثنائية السياسية تعمي عن الحقيقة!
مأساوي جدا ما تعيشه طبقتنا السياسية من ضبابية في الرؤية، وسطحية في اتخاذ القرار، وفشل مستمر في الخطط والأهداف، مأساوية جدا تلك القدسية المطلقة التي نعطيها، نحن الموريتانيون، للثنائية السياسية، التي لا تلد سوى الحدة في المواقف، والاشتباك في الشوارع، وخلق أزمات تعرض الوحدة الوطنية لهزات لا يدري أصحاب المواقف متى لا يُقدر على التحكم في "ريختيرها"، مأساوية جدا تلك الثنائية السياسية البغيضة،التي بسطت نفوذها على كل شيء في موريتانيا، فالسؤال الموجه لكل أحد هو: هل أنت من المعارضة أو الأغلبية؟
وإن أجاب بنفي واحدة فهو – قطعا – من الثانية! دون أن يدري السائل أن لهذا الشخص الحق في أن لا يعجبه نهج المعارضة ولا الأغلبية، وأن له رأيا خاصا به لا ينتمي لـ"قيد" الثنائية الأنانية، وقد كنت ذلك الشخص، في ما يعرف بأزمة رجال الأعمال، فلا ولد عبد العزيز وُفق في إدارة أولى محطات محاربته للفساد، ولا المعارضة – بكل صراحة- كانت على مستوى المسئولية، وإنما انجرت إلى مواقفها الراديكالية؛ التي تتعامل مع كل فعل يقوم به النظام الحاكم على أنه فعلٌ خطأُ محض، وضرر قاتل، وهذا الموقف باعتقادي لم يكن صوابا وأول من يعرف عدم صوابيته هو المعارضة نفسها، فإنها كانت، قبل سقوط ولد الطائع، تُجمع على فساد المعتقلين – وإن كنت أرى أن المبالغة طغت على طرفي المعارضة والموالاة – وكيف أن أكلهم وعبثهم بالمال العام قد أنخر جسم الدولة الضعيف أصلا، وجعلها هيكل عظم؛ لا مزعة لحم فيه، وكلنا يتذكر المقال الذي كتبه زعيم المعارضة السيد أحمد ولد داداه قبل سقوط ولد الطائع بأسابيع قليلة، والذي عنونه بـ( موريتانيا: من الليبرالية إلى الليبرالية المتوحشة)، وحمل فيه رجال الأعمال مسئولية نهك الاقتصاد الوطني، ولعل السيد أحمد ولد داداه طبق على رجال الأعمال برنامجه الانتخابي 2003م الذي تعهد فيه – إن نجح- بمسامحة ولد الطائع وزمرته، من الجرائم الاقتصادية والسياسية، ومن تجليات عدم المسئولية، التي تحلت بها بعض القوى السياسية، لعبها على وتر حساس وخطير، له سلبيات مباشرة وسريعة على السلم الاجتماعي الوطني، وذلك حين صورت تلك القوى المسألة على أنها تصفية حسابات بين قبيلتين؛ هما الأغنى والأكثر تأثيرا في الساحتين السياسية والاقتصادية، ومن يريد الاطلاع على حجم ما خلفته تلك الدعاية الرخيصة، فما عليه سوى التفرج ساعة واحدة على عبارات الشتم والقذف، والتحزب، بين المجموعتين، ومن شايع كلاًّ منهما، على صفحات "الفيس بوك"، من قبيل ( نحن بنو فلان مع أولاد بسبع..) و (نحن بنو فلان مع اسماسيد..)، وكادت أن تشتعل حرب بسوس، لولا أن في البلد عقلاء وحكماء مثل الشيخ محمد الحسن ولد الددو، حفظه الله، حيث أدرك الخطر، وتحمل المسئولية، وبدأ وساطة جادة بين الطرفين، أهم ما يميزها حسن النية، وتغليب المصلحة العامة، فوفقه الله لحل مشكل كاد أن يكون عطر منشم بين مَن يُظن أنهم الحريصون على وحدة البلد، والمؤتمنون عليه، ليظفر بالأجر، وحسن السمعة مَن لم يرخص حزبا سياسيا، ومن لم يدعي أنه المخلص من الويلات والجحيم، بينما فشل السياسيون في إيجاد الحل، ليقضوا بذلك على سبب وجودهم، فالمعارضة إذن لم يحالفها الصواب في إدارتها لهذه الأزمة، كما أن ولد عبد العزيز لم يُوفق في طريقة التعامل مع هذا الملف الحساس، إذ كيف يعقل أن يُسجن ثلاث شخصيات من قبيلة واحدة، في مجتمع مازال بدويا حتى النخاع؟.
على كل حال، الحمد لله على ما أعطى من العافية، وعلى انفراج هذه الأزمة، وكنت أحسبها لا تُفرج، وهي درس يستفيد منها أي نظام يحكم البلاد أن عليه التعامل مع المجتمع من منظور الدولة، لكن دون أن يمس الكيان الاجتماعي، كالقبيلة والجهة، فهو ما زال يانعا في قلوب الناس، وتستفيد منها المعارضة أن خيار الثنائية السياسية ليس دائما هو الأنجح والأنجع، وأنها قد تتفق مع النظام في مسألة أو مسألتين، دون أن يؤثر ذلك على شعبيتها، وحتى – أيضا – لا تقع في نفس الخطأ، إذا ما دار الزمان، وتقلبت الأحوال، واتهم نظام جديد، الرئيس الحالي، فهل سنراها تبرؤه أيضا وتدافع عنه، رغم ما تقوله الآن عنه؟ وما أحسن قول النبي صلى الله عليه وسلم (أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما)، وهي أيضا درس يستفيد منها المجتمع أن أهل النوايا الحسنة ما زالوا موجودين، وأنهم – عكس ما يُروج- ليسوا مغفلين؛ بل مفاوضين ناجحين، ووسطاء مؤثرين، فعلينا أن نرجع لقيمنا التي تجعل من العلماء والحكماء حكَما نرجع إليه في قضايانا، مهما تشعبت أو كثُر الأطراف فيها، أولئك العلماء والحكماء الذين لا ينظرون إلا إلى المصالح العامة، ولا يأسرهم التاريخ القريب، لأن حال كلٍّ منهم يُنشد قول المقنع الكندي:
ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم مَن يحمل الحقدا.







