تاريخ الإضافة : 03.01.2010 12:53
ما بعد زيارة رجال الأعمال المعتقلين: مشاعر وانطباعات
كتب عبد الفتاح ولد اعبيدن المدير الناشر ورئيس تحرير يومية "الأقصى"
ساحة مفتوحة أمام السجن المدني المركزي، سيارات كثيرة متبعثرة، ومئات الأشخاص، يقف أغلبهم تحت أشعة الشمس الحارقة في إنتظار الإذن بزيارة أقاربهم أو معارفهم أحيانا، خصوصا رجال الأعمال الثلاثة المعتقلين، عبدو، إشريف، محمد، فهم أصحاب الوجهة المفضلة بالنسبة للسواد الأعظم من الزوار، الذين بلغ عددهم الآلاف خلال أيام قلائل، حيث يتجمهر أيام الأحد والثلاثاء الكثير من المواطنين من مختلف المشارب، قصد الزيارة، ولكن المفجع المؤلم يقابلك عندما تتجاوز الأبواب الحديدية، وتقابل المعنيين، قريبا من زنزاناتهم المركونة في مكان ضيق، سيئ التهوية، يشكو نازلوه من الروائح والباعوض!!!...
معنوياتهم مرتفعة حسب ما يقول زوارهم، لكنني رغم عدم نفي ذلك، أقول إن مرارة الظلم، تترك آثارا يصعب التغلب عليها بسهولة.
إنها الإهانة البالغة!!!....
إهانة المعتقلين أنفسهم، ورسالة إهانة لذويهم سائرهم، رسالة تمييز وظلم وطغيان، رسالة إهانة لجهتهم، لأن هذا البلد قريب عهد بالمفاهيم العشائرية الصرفة ومضارب الخيام وغياب مفهوم الدولة، والجو العام لا يسمح بالتأويل الرسمي للحدث، لأن المستهدفين من مجموعة أسرية واحدة، بينما يوشح ولد عبد العزيز أقاربه في الرئاسة والوزارات، ويؤسس للبنوك لنفسه، تحت إسم بعض أقاربه.
إنها معطيات على الأرض لا تسمح بتأطير سجن هؤلاء في سياق عام طبيعي.
كما أن سجنهم يعتبر إهانة للقانون، فلماذا يسجنون في الوقت الذي يملكون عناوين إقتصادية، تتحمل المسؤولية القانونية، بإعتبارها شخصيات معنوية، غير محدودة الصلاحية.
فأموال أهل عبد الله، في هذا المعنى تعنى "سيكاب"، والجزء المتعلق بأهل نويكظ يعني البنك الوطني لموريتانيا، ولكلا المؤسستين ذمة مستقلة عن إشريف ومحمد، والأولى إحالة الملف إلى جهة قضائية تجارية إن لزمت إحالته إلى القضاء، بعد إستنفاذ جهود التفاوض بين البنك المركزي والجهات المعنية.
وإهانة أيضا للفاعلين الإقتصاديين عندما تتجاهل مكانتهم في حياة الناس والمجتمع والدولة، ويزجون في السجون دون مبرر مقنع، فمحاولة الترويج لمنطق التحامل على الأشخاص لأنهم يملكون، بعيد عن العدالة وقيمها المنصفة، وذلك ضمن تكرار محافظ البنك المركزي لدعاية الحاكم الحالي حول قصة "المساواة"، بين الفقراء والأغنياء في المتابعة والتجريم والعقاب.
رموز إقتصاد وطن بأسره مغبرة أقدامهم في بناء متهالك، قريب عهد بالترميم، يتنفسون أشنع الروائح، ويبيتون تحت رحمة الحشرات والأجواء الملوثة.
يا ولد عبد العزيز هذا الوضع المزري الذي ألقيت فيه هؤلاء الرجال الثلاثة، ولد حالة إحتقان عميقة يصعب إستساغتها أو نسيانها، ولا أظن المسرحية تمر دون إنعكاسات ونتائج يحسب لها حسابها الواسع.
ومن باشر هذا الظلم لا يستغرب أن يطالب رجال الأعمال المسجونين بمئات المليارات من الأوقية، تعويضا عن خسائرهم المعنوية والصحية الجمة، الناجمة عن هذه الورطة المتواصلة.
ومن حق هؤلاء المعتدى على حريتهم والمعرض مصالحهم للتأثر البالغ المتصاعد أن يطرحوا هذا الملف أمام القضاء المحلي والعالمي-إن أرادوا-قصد استرجاع هيبتهم المهدورة ومصالحهم التي عصفت بها الزنزانات ومصادرة الحرية، والتي تأتي عادة على الأخصر واليابس، من صحة السجين وسائر ما يتصل به من مكاسب!!!...
وإذا كان الحاكم الحالي لهذه الدولة "السائبة" قد نفذ ما يريد من عقاب عميق في حق بعض خصوم الحملة الرئاسية المنصرمة، فإن للمعنيين وغيرهم حق الرد على طريقتهم الخاصة، وإن إنسجمت هذه الطريقة مع قيم الدين والقوانين الدولية العادلة، فإنها قد لا تقل قوة وتماسكا عن مستوى الفعل الأصلي، المبني على القهر والإنتقائية والإستهداف المكشوف، متميزة عن ذلك الأسلوب البعيد عن الحق والحكمة.
مما قد يدخل البلد في مرحلة من عدم الثقة والترقب، لها ما بعدها.
وفي هذا المقام يحسن التذكير، بأن الدول قد تقوم على الكفر ولا يمكن أن تستقيم وتستقر على الظلم، وعندما يتعمد ظلم رجال الأعمال تمييزا أو إشفاء للغليل أو بهدف الإضرار لصالح مخططات أخرى، لبناء قطاع خاص صديق ومتحالف مع النظام السياسي المهيمن، وعندما يصر البعض على إستمرار مصادرة حرية الزميل حنفي ولد إدهاه رغم إنتهاء محكوميته وشروعه في إضراب مفتوح عن الطعام، فإن هذا يعني التبني الرسمي لسياسة الظلم وعقاب المخالفين فحسب، وهو أمر لا يبشر بالرخاء أو نزع فتيل التوتر، والمتوسع تدريجيا مع دوام التمسك بعروة هذا الظلم الصريح المؤلم.
ويبقى السؤال المحير إلى متى هذا التصعيد الغامض العنيف؟!، هل يمكن تسيير دولة بمحض الغضب على الخصوم وتصفية الحسابات العلنية دون ساتر أو غطاء؟.
إنه الضياع نحو المجهول، وهو واقع يستدعي تحرك الرشداء-بسرعة وقوة-إن وجدوا، عسى أن نخرج من هذه المآزق المخيفة، التي توشك إن لم تتراجع ويحسم شبحها المنذر بالخطر-أن تزعزع هذا الوطن المهزوز أصلا.
وإن أصر حكام موريتانيا على قيادة السفينة بمنهج بوليسي وإستثنائي شمولي موغل في إقصاء الآخر، حتى لو كان تاجرا، بعيدا عن الميدان السياسي والإعلامي، المعني بمنابر التعبير المتنوع، بحجة أنه مواطن حر عبر ولو مرة واحدة عن منحى إنتخابي مناف لتوجه السلطة، فهذا يعني بإختصار أن الديمقراطية والحرية والقوانين والدساتير مجرد أمنية مفقودة بعيدة عن حقيقة ما نعيش عمليا.
ساحة مفتوحة أمام السجن المدني المركزي، سيارات كثيرة متبعثرة، ومئات الأشخاص، يقف أغلبهم تحت أشعة الشمس الحارقة في إنتظار الإذن بزيارة أقاربهم أو معارفهم أحيانا، خصوصا رجال الأعمال الثلاثة المعتقلين، عبدو، إشريف، محمد، فهم أصحاب الوجهة المفضلة بالنسبة للسواد الأعظم من الزوار، الذين بلغ عددهم الآلاف خلال أيام قلائل، حيث يتجمهر أيام الأحد والثلاثاء الكثير من المواطنين من مختلف المشارب، قصد الزيارة، ولكن المفجع المؤلم يقابلك عندما تتجاوز الأبواب الحديدية، وتقابل المعنيين، قريبا من زنزاناتهم المركونة في مكان ضيق، سيئ التهوية، يشكو نازلوه من الروائح والباعوض!!!...
معنوياتهم مرتفعة حسب ما يقول زوارهم، لكنني رغم عدم نفي ذلك، أقول إن مرارة الظلم، تترك آثارا يصعب التغلب عليها بسهولة.
إنها الإهانة البالغة!!!....
إهانة المعتقلين أنفسهم، ورسالة إهانة لذويهم سائرهم، رسالة تمييز وظلم وطغيان، رسالة إهانة لجهتهم، لأن هذا البلد قريب عهد بالمفاهيم العشائرية الصرفة ومضارب الخيام وغياب مفهوم الدولة، والجو العام لا يسمح بالتأويل الرسمي للحدث، لأن المستهدفين من مجموعة أسرية واحدة، بينما يوشح ولد عبد العزيز أقاربه في الرئاسة والوزارات، ويؤسس للبنوك لنفسه، تحت إسم بعض أقاربه.
إنها معطيات على الأرض لا تسمح بتأطير سجن هؤلاء في سياق عام طبيعي.
كما أن سجنهم يعتبر إهانة للقانون، فلماذا يسجنون في الوقت الذي يملكون عناوين إقتصادية، تتحمل المسؤولية القانونية، بإعتبارها شخصيات معنوية، غير محدودة الصلاحية.
فأموال أهل عبد الله، في هذا المعنى تعنى "سيكاب"، والجزء المتعلق بأهل نويكظ يعني البنك الوطني لموريتانيا، ولكلا المؤسستين ذمة مستقلة عن إشريف ومحمد، والأولى إحالة الملف إلى جهة قضائية تجارية إن لزمت إحالته إلى القضاء، بعد إستنفاذ جهود التفاوض بين البنك المركزي والجهات المعنية.
وإهانة أيضا للفاعلين الإقتصاديين عندما تتجاهل مكانتهم في حياة الناس والمجتمع والدولة، ويزجون في السجون دون مبرر مقنع، فمحاولة الترويج لمنطق التحامل على الأشخاص لأنهم يملكون، بعيد عن العدالة وقيمها المنصفة، وذلك ضمن تكرار محافظ البنك المركزي لدعاية الحاكم الحالي حول قصة "المساواة"، بين الفقراء والأغنياء في المتابعة والتجريم والعقاب.
رموز إقتصاد وطن بأسره مغبرة أقدامهم في بناء متهالك، قريب عهد بالترميم، يتنفسون أشنع الروائح، ويبيتون تحت رحمة الحشرات والأجواء الملوثة.
يا ولد عبد العزيز هذا الوضع المزري الذي ألقيت فيه هؤلاء الرجال الثلاثة، ولد حالة إحتقان عميقة يصعب إستساغتها أو نسيانها، ولا أظن المسرحية تمر دون إنعكاسات ونتائج يحسب لها حسابها الواسع.
ومن باشر هذا الظلم لا يستغرب أن يطالب رجال الأعمال المسجونين بمئات المليارات من الأوقية، تعويضا عن خسائرهم المعنوية والصحية الجمة، الناجمة عن هذه الورطة المتواصلة.
ومن حق هؤلاء المعتدى على حريتهم والمعرض مصالحهم للتأثر البالغ المتصاعد أن يطرحوا هذا الملف أمام القضاء المحلي والعالمي-إن أرادوا-قصد استرجاع هيبتهم المهدورة ومصالحهم التي عصفت بها الزنزانات ومصادرة الحرية، والتي تأتي عادة على الأخصر واليابس، من صحة السجين وسائر ما يتصل به من مكاسب!!!...
وإذا كان الحاكم الحالي لهذه الدولة "السائبة" قد نفذ ما يريد من عقاب عميق في حق بعض خصوم الحملة الرئاسية المنصرمة، فإن للمعنيين وغيرهم حق الرد على طريقتهم الخاصة، وإن إنسجمت هذه الطريقة مع قيم الدين والقوانين الدولية العادلة، فإنها قد لا تقل قوة وتماسكا عن مستوى الفعل الأصلي، المبني على القهر والإنتقائية والإستهداف المكشوف، متميزة عن ذلك الأسلوب البعيد عن الحق والحكمة.
مما قد يدخل البلد في مرحلة من عدم الثقة والترقب، لها ما بعدها.
وفي هذا المقام يحسن التذكير، بأن الدول قد تقوم على الكفر ولا يمكن أن تستقيم وتستقر على الظلم، وعندما يتعمد ظلم رجال الأعمال تمييزا أو إشفاء للغليل أو بهدف الإضرار لصالح مخططات أخرى، لبناء قطاع خاص صديق ومتحالف مع النظام السياسي المهيمن، وعندما يصر البعض على إستمرار مصادرة حرية الزميل حنفي ولد إدهاه رغم إنتهاء محكوميته وشروعه في إضراب مفتوح عن الطعام، فإن هذا يعني التبني الرسمي لسياسة الظلم وعقاب المخالفين فحسب، وهو أمر لا يبشر بالرخاء أو نزع فتيل التوتر، والمتوسع تدريجيا مع دوام التمسك بعروة هذا الظلم الصريح المؤلم.
ويبقى السؤال المحير إلى متى هذا التصعيد الغامض العنيف؟!، هل يمكن تسيير دولة بمحض الغضب على الخصوم وتصفية الحسابات العلنية دون ساتر أو غطاء؟.
إنه الضياع نحو المجهول، وهو واقع يستدعي تحرك الرشداء-بسرعة وقوة-إن وجدوا، عسى أن نخرج من هذه المآزق المخيفة، التي توشك إن لم تتراجع ويحسم شبحها المنذر بالخطر-أن تزعزع هذا الوطن المهزوز أصلا.
وإن أصر حكام موريتانيا على قيادة السفينة بمنهج بوليسي وإستثنائي شمولي موغل في إقصاء الآخر، حتى لو كان تاجرا، بعيدا عن الميدان السياسي والإعلامي، المعني بمنابر التعبير المتنوع، بحجة أنه مواطن حر عبر ولو مرة واحدة عن منحى إنتخابي مناف لتوجه السلطة، فهذا يعني بإختصار أن الديمقراطية والحرية والقوانين والدساتير مجرد أمنية مفقودة بعيدة عن حقيقة ما نعيش عمليا.







