تاريخ الإضافة : 30.12.2009 12:02
الهجرة إلى آنكولا.. وركوب بحر الموت
محمد محمود ولد الشيخ أحمد "دحمود"
dahmood82@hotmail.fr
1ـ الظاهرة المنسية
2ـ صورة من الداخل
3ـ عمق الماساة
ظواهر كثيرة منتشرة في حاضر وواقع الشعب الموريتاني ظلت مجهولة لدي الكثيرين، ومسكوتا عنها ـ عن غير قصد ربما ـ من طرف القلة الشاهدة .. لكن ظاهرة "الهجرة إلى إفريقيا" أخذت في الأشهر السابقة منحى آخر يستدعي ـ على الأقل ـ كشف بعض إشارات التعجب والاستفهام التي يثيرها يشكل مخيف منذ عدة أشهر…
أسئلة كثيرة تواردت علي وأنا أشاهد باستمرار عشرات الشباب الذين ياتون على ظهر مراكب سخيفة حاملين أرواحهم على أكفهم كما في الأزمنة السحيقة. ما الذي يفر منه هؤلاء ؟ ماذا فعل هؤلاء لتقفل بوجوههم ابواب "الوطن" حيث تتخلى عنهم "ارواحهم" وتنزع ببطء شديد عائمين في عمق الاحزان والبحار..؟.
ما الهدف الذي يستحق أن يشحن المرء في سبيله حياته لأكثر من تسعين ساعة، كقطهة قماش صغيرة وتافهة، على ظهر قارب صيد متهالك تاركا مصيره يتقاذفه ثلاثي لا يرحم :
ـ القراصنة المهربون.
ـ وجنود البحرية الآنكولية.
ـ وأمواج الأطلسي التي هي أرحم الثلاثة…؟
بعد صلاة المغرب اتصل أحد العرب المقيمين هنا بزميل له كان لمحض الصدفة يجلس معنا في آن.. قال إن شقيقه الأصغر الذي أبحر منذ أربعة أيام في قارب صيد متجها الى العاصمة الآنكولية "لوندا" قد نزل للتو من قارب الصيد الذي كان يقله.....
وطلب منه أن يتجه قي الوقت ذاته إلى شاطئ البحر الذي لا يبعد كثيرا عن منزله.. قص الأخ القصة ببساطة المألوف على جلسائه.. استبشر الكل بسلامة "الشاب"، لكن محمد لديه تجربة سابقة في الموضوع، لذلك نصحه بأن أن يتوخى الحذر، لأن القارب قد يكون متابعا من قبل المخابرات الآنكولية الذين يلقون القبض على كل من له علاقة بعصابات التهريب.
رد عليه بأن مكانة الوافد الجديد منه تقتضي أن يغامر بحياته في سبيل أن ينقذه من هذا الوضع المأساوي.
هو طفل صغير تتقاذفه أمواج البحر منذ أربعة أيام في قارب صيد تختطفه عصابات التهريب المطاردة من قبل المخابرات العسكرية "ألا ش يعطيه الله" يقول أحد الجالسين .
أجابه آخر بأن الوضع فعلا صعب، لكن ما يخفف من وطأة "المأساة" أن كثيرا من الشباب أخذ
هذه الطريق ووصل في النهاية.
أشعل الزميل النار في سيارته وبعد حوالي ثلاث ساعات دخل يحمل شيئا من الحليب والعصير وأشياء أخرى كالتي يأتي بها الناس هنا عندما يأتيهم ضيف مهم.. "الضيف" كان يمشي ببطء مقوسا ظهره .. بعد انتهاء السلام عليه التفت إلى أحد الجالسين متسائلا عن حكم شرعي..
نازلة فقهية: أنا منذ أربعة أيام لم أصل صلاة واحدة ، وبدا كأنه يعتذر للجالسين،
...أنا كنت جالسا على حالة واحدة طول الوقت ليس لدي ماء ولا صعيد...
سألت الضيف هل من الممكن أن يعود مستقبلا من نفس الطريق أجاب: بالطبع لا.. وبدى كأنه يريد أن يقول أشياء كثيرة ولا يستطيع أن يقولها خوفا من أن تلاحقه تلك القصة بقية حياته استلقى الضيف على ظهره في صمت مريع وبدا كأن الجميع يرحمه ويعطف عليه، مثل أي شخص نجا للتو من موت محقق في حادث سير مريع.
في الصباح بدأ يستعيد بعضا من نشاطه النفسي ، وبدأ أيضا يسترجع بعضا من تفاصيل تلك الرحلة الغامضة.. القارب صغير ومتهالك ، كان يحمل ثمانية وعشرين شخصا أربعة منهم موريتانيون من ولايات "النعمة" و"اترارزة" و"لعصابة" والبقية من دول جنوب الصحراء .
الأسبوع الماضي مات أحد الشباب في أحد قوارب الصيد تلك، لم يستطع المهربون أن يعودوا به من حيث أتوا،, خوفا من ملاحقة السلطات .. كانوا من قبل كلما مات عليهم أحد الشباب أتوا به إلى أحد المساجد في في جمهورية "الكنكو" ورموه في آخر ليل.. الآن لم يعد ذلك ممكنا لأن أئمة المساجد هددوا المهربين بالملاحقة . الخيار الوحيد الذي أصبح متاحا أمام المهربين هو أن يتخلصوا من تلك الجثث في عرض البحر..
عندما تفتح موضوع كهذا هنا سيحدث معك الجميع فيه ، كل شخص سوف يأتيك بقصة أخرى، ومأساة غير التي حدثك بها الآخر,, سوف يكون أيضا محدثك عايش تلك القصة بكل تفاصيله المؤلمة، والحزينة..
المأساة مستمرة لحد الساعة هناك العشرات من الشباب يقضون أشهرا عديدة في انتظار أن يحالفهم "الحظ" في أن يوافق القراصنة الأفارقة على الاتصال بأحدهم في وقت متأخر من الليل ليضربوا له موعدا عند أحد البارات التي تقع على شاطئ البحر ليبقى جالسا بين السكارى يحمل كوبا ما، في انتظار ذلك العبور الغامض نحو المجهول كما يقول احد الناجين.
المشكلة التي تبدو ـ بنظري ـ جديرة بالدراسة والتأمل هي الأسباب التي أدت بهؤلاء الشباب الصغار إلى شحن أرواحهم بهذه الصورة المرعبة ليصلوا في النهاية إلى هذه البلاد التعيسة.. ما الذي يفر منه هؤلاء..؟ ما الذي دعاهم إلى الهجرة بهذه الطريقة، وفي هذه السن المبكرة قبل أن يعقموا أجسادهم وعقولهم بما يكفي من الحقن والأقراص المضاد للأمراض الفتاكة والمنتشرة هنا بشكل مخيف.. لا أقصد تلك الأمراض "الفيروسية" الكثيرة التي تشتهر بها إفريقيا فحسب، وإنما أقصد كذلك الأمراض الفكرية والعقدية التي تعتبر أخطر بكثير من أمراض السيدا، والملاريا، والكوليرا، وغيرها من الأسماء المقززة.
وإذا كانت دول العالم بأسره، والمنظمات الدولية ، وشرائك صناعة الأدوية ما زالت عاجزة عن إيجاد التطعيمات والأدوية التي تفيد في مكافحة هذه الأمراض.. فإن الأمراض الفكرية والعقدية ليست بحاجة إلى مختبرات كالتي نشاهدها في التقارير التلفزيونية عندما يشيع خبر اختراع دواء جديد.. كلما نحتاجه لمكافحة تلك الأمراض التي تظهر أعراضها على السلوك أكثر من ظهرها على الجسم هو أن نقضي على هجرة الأطفال إلى إفريقيا.. لكن أحدا لن يدرك حقيقة
ما أقول إلا عندما يرى انعكاس تلك الظاهرة على المجتمع بأسره أفرادا وجماعات.. ما الذي يريده هؤلاء .. ؟ لا أحد يعلم حتى الساعة .. لكنني ـ بحكم التجربة ـ متأكد من أنهم عندما يصلون أحياء إلى هذه البلاد سوف يجدون أنهم افتقدوا كل شيئ سوى التعاسة ..
سوف يجدون أنهم قطعوا آلف "الكيلومترات" وسافروا من أقصى شمال القارة الإفريقية إلى أقصى جنوبها، ورغم ذلك ستبقى معالم التعاسة ماثلة أمام أعينهم لم تفارقهم للحظة واحدة .
عندما تأتي إلى "آنكولا" سوف تستغرب أنك لم تفتقد أشياء كثيرة ألفتها في بلاد "السيبة" لم تفقد الشمس القاسية، ولا الشرطي البئيس الذي ينظر إلى محفظة النقود أكثر مما ينظر إلى أوراق السيارة.. كما لم تفقد منظر طوابير البؤساء التي تمتد بلا نهاية أمام الإدارات والمخابز وحتى دورات المياه.
سترى سائقان يتحدثان في موضوع سخيف يعطلان حركة المرور.. وفي الطرف الآخر من الشارع حمار يجر عربة ، ومن بعيد منظر سيدة بحزام قصير على ظهرها طفل نائم، وعلى رأسها طبق مليئ بخبز رديئ .
سترى أشخاصا يتحدثون ـ كما ياكلون ـ بشكل جماعي وفي وقت واحد... سترى اشياء كثيرة تركتها وراءك في بلاد العبوسة.
dahmood82@hotmail.fr
1ـ الظاهرة المنسية
2ـ صورة من الداخل
3ـ عمق الماساة
ظواهر كثيرة منتشرة في حاضر وواقع الشعب الموريتاني ظلت مجهولة لدي الكثيرين، ومسكوتا عنها ـ عن غير قصد ربما ـ من طرف القلة الشاهدة .. لكن ظاهرة "الهجرة إلى إفريقيا" أخذت في الأشهر السابقة منحى آخر يستدعي ـ على الأقل ـ كشف بعض إشارات التعجب والاستفهام التي يثيرها يشكل مخيف منذ عدة أشهر…
أسئلة كثيرة تواردت علي وأنا أشاهد باستمرار عشرات الشباب الذين ياتون على ظهر مراكب سخيفة حاملين أرواحهم على أكفهم كما في الأزمنة السحيقة. ما الذي يفر منه هؤلاء ؟ ماذا فعل هؤلاء لتقفل بوجوههم ابواب "الوطن" حيث تتخلى عنهم "ارواحهم" وتنزع ببطء شديد عائمين في عمق الاحزان والبحار..؟.
ما الهدف الذي يستحق أن يشحن المرء في سبيله حياته لأكثر من تسعين ساعة، كقطهة قماش صغيرة وتافهة، على ظهر قارب صيد متهالك تاركا مصيره يتقاذفه ثلاثي لا يرحم :
ـ القراصنة المهربون.
ـ وجنود البحرية الآنكولية.
ـ وأمواج الأطلسي التي هي أرحم الثلاثة…؟
بعد صلاة المغرب اتصل أحد العرب المقيمين هنا بزميل له كان لمحض الصدفة يجلس معنا في آن.. قال إن شقيقه الأصغر الذي أبحر منذ أربعة أيام في قارب صيد متجها الى العاصمة الآنكولية "لوندا" قد نزل للتو من قارب الصيد الذي كان يقله.....
وطلب منه أن يتجه قي الوقت ذاته إلى شاطئ البحر الذي لا يبعد كثيرا عن منزله.. قص الأخ القصة ببساطة المألوف على جلسائه.. استبشر الكل بسلامة "الشاب"، لكن محمد لديه تجربة سابقة في الموضوع، لذلك نصحه بأن أن يتوخى الحذر، لأن القارب قد يكون متابعا من قبل المخابرات الآنكولية الذين يلقون القبض على كل من له علاقة بعصابات التهريب.
رد عليه بأن مكانة الوافد الجديد منه تقتضي أن يغامر بحياته في سبيل أن ينقذه من هذا الوضع المأساوي.
هو طفل صغير تتقاذفه أمواج البحر منذ أربعة أيام في قارب صيد تختطفه عصابات التهريب المطاردة من قبل المخابرات العسكرية "ألا ش يعطيه الله" يقول أحد الجالسين .
أجابه آخر بأن الوضع فعلا صعب، لكن ما يخفف من وطأة "المأساة" أن كثيرا من الشباب أخذ
هذه الطريق ووصل في النهاية.
أشعل الزميل النار في سيارته وبعد حوالي ثلاث ساعات دخل يحمل شيئا من الحليب والعصير وأشياء أخرى كالتي يأتي بها الناس هنا عندما يأتيهم ضيف مهم.. "الضيف" كان يمشي ببطء مقوسا ظهره .. بعد انتهاء السلام عليه التفت إلى أحد الجالسين متسائلا عن حكم شرعي..
نازلة فقهية: أنا منذ أربعة أيام لم أصل صلاة واحدة ، وبدا كأنه يعتذر للجالسين،
...أنا كنت جالسا على حالة واحدة طول الوقت ليس لدي ماء ولا صعيد...
سألت الضيف هل من الممكن أن يعود مستقبلا من نفس الطريق أجاب: بالطبع لا.. وبدى كأنه يريد أن يقول أشياء كثيرة ولا يستطيع أن يقولها خوفا من أن تلاحقه تلك القصة بقية حياته استلقى الضيف على ظهره في صمت مريع وبدا كأن الجميع يرحمه ويعطف عليه، مثل أي شخص نجا للتو من موت محقق في حادث سير مريع.
في الصباح بدأ يستعيد بعضا من نشاطه النفسي ، وبدأ أيضا يسترجع بعضا من تفاصيل تلك الرحلة الغامضة.. القارب صغير ومتهالك ، كان يحمل ثمانية وعشرين شخصا أربعة منهم موريتانيون من ولايات "النعمة" و"اترارزة" و"لعصابة" والبقية من دول جنوب الصحراء .
الأسبوع الماضي مات أحد الشباب في أحد قوارب الصيد تلك، لم يستطع المهربون أن يعودوا به من حيث أتوا،, خوفا من ملاحقة السلطات .. كانوا من قبل كلما مات عليهم أحد الشباب أتوا به إلى أحد المساجد في في جمهورية "الكنكو" ورموه في آخر ليل.. الآن لم يعد ذلك ممكنا لأن أئمة المساجد هددوا المهربين بالملاحقة . الخيار الوحيد الذي أصبح متاحا أمام المهربين هو أن يتخلصوا من تلك الجثث في عرض البحر..
عندما تفتح موضوع كهذا هنا سيحدث معك الجميع فيه ، كل شخص سوف يأتيك بقصة أخرى، ومأساة غير التي حدثك بها الآخر,, سوف يكون أيضا محدثك عايش تلك القصة بكل تفاصيله المؤلمة، والحزينة..
المأساة مستمرة لحد الساعة هناك العشرات من الشباب يقضون أشهرا عديدة في انتظار أن يحالفهم "الحظ" في أن يوافق القراصنة الأفارقة على الاتصال بأحدهم في وقت متأخر من الليل ليضربوا له موعدا عند أحد البارات التي تقع على شاطئ البحر ليبقى جالسا بين السكارى يحمل كوبا ما، في انتظار ذلك العبور الغامض نحو المجهول كما يقول احد الناجين.
المشكلة التي تبدو ـ بنظري ـ جديرة بالدراسة والتأمل هي الأسباب التي أدت بهؤلاء الشباب الصغار إلى شحن أرواحهم بهذه الصورة المرعبة ليصلوا في النهاية إلى هذه البلاد التعيسة.. ما الذي يفر منه هؤلاء..؟ ما الذي دعاهم إلى الهجرة بهذه الطريقة، وفي هذه السن المبكرة قبل أن يعقموا أجسادهم وعقولهم بما يكفي من الحقن والأقراص المضاد للأمراض الفتاكة والمنتشرة هنا بشكل مخيف.. لا أقصد تلك الأمراض "الفيروسية" الكثيرة التي تشتهر بها إفريقيا فحسب، وإنما أقصد كذلك الأمراض الفكرية والعقدية التي تعتبر أخطر بكثير من أمراض السيدا، والملاريا، والكوليرا، وغيرها من الأسماء المقززة.
وإذا كانت دول العالم بأسره، والمنظمات الدولية ، وشرائك صناعة الأدوية ما زالت عاجزة عن إيجاد التطعيمات والأدوية التي تفيد في مكافحة هذه الأمراض.. فإن الأمراض الفكرية والعقدية ليست بحاجة إلى مختبرات كالتي نشاهدها في التقارير التلفزيونية عندما يشيع خبر اختراع دواء جديد.. كلما نحتاجه لمكافحة تلك الأمراض التي تظهر أعراضها على السلوك أكثر من ظهرها على الجسم هو أن نقضي على هجرة الأطفال إلى إفريقيا.. لكن أحدا لن يدرك حقيقة
ما أقول إلا عندما يرى انعكاس تلك الظاهرة على المجتمع بأسره أفرادا وجماعات.. ما الذي يريده هؤلاء .. ؟ لا أحد يعلم حتى الساعة .. لكنني ـ بحكم التجربة ـ متأكد من أنهم عندما يصلون أحياء إلى هذه البلاد سوف يجدون أنهم افتقدوا كل شيئ سوى التعاسة ..
سوف يجدون أنهم قطعوا آلف "الكيلومترات" وسافروا من أقصى شمال القارة الإفريقية إلى أقصى جنوبها، ورغم ذلك ستبقى معالم التعاسة ماثلة أمام أعينهم لم تفارقهم للحظة واحدة .
عندما تأتي إلى "آنكولا" سوف تستغرب أنك لم تفتقد أشياء كثيرة ألفتها في بلاد "السيبة" لم تفقد الشمس القاسية، ولا الشرطي البئيس الذي ينظر إلى محفظة النقود أكثر مما ينظر إلى أوراق السيارة.. كما لم تفقد منظر طوابير البؤساء التي تمتد بلا نهاية أمام الإدارات والمخابز وحتى دورات المياه.
سترى سائقان يتحدثان في موضوع سخيف يعطلان حركة المرور.. وفي الطرف الآخر من الشارع حمار يجر عربة ، ومن بعيد منظر سيدة بحزام قصير على ظهرها طفل نائم، وعلى رأسها طبق مليئ بخبز رديئ .
سترى أشخاصا يتحدثون ـ كما ياكلون ـ بشكل جماعي وفي وقت واحد... سترى اشياء كثيرة تركتها وراءك في بلاد العبوسة.







