تاريخ الإضافة : 20.12.2009 11:51

الديمقراطية.. بين تأبيد الأمل وغسيل التاريخ

بقلم الدكتور الشيخ أحمد الجيلاني

محاضر في الاجتماع و الأنثروبولوجيا النفسية



البطاقة الأولــــى:

يمكن التمييز بين الأمل والأمنية من زاوية توقع إمكانية التحقق؛ فالأمل أمنية قابلة للتحقق في المدى القريب، أمنية واقعية يمكن السيطرة على وسائل تحققها بما يتناسب مع الإمكانيات المتاحة، على عكس الأماني البعيدة المنال التي لا يتوقع تحقيقها، بما يتناسب مع الإمكانيات المتاحة في الزمن القريب، ولا يمكن السيطرة على وسائل تحقيقها .

لكن هذه القاعدة تعرضت للشلل المؤبد خلال الحقب التاريخية في موريتانيا على النحو التالي:

1- قامت دعاية انفصال موريتانيا ككيان مستقل عن باقي الأقاليم المحيطة، على أمل التنمية والرفاهية، فأنتجت وضعا متدنيا في قائمة الدول العشر الأكثر فقرا والأولى بالرعاية الدولية .

2- قامت الدعاية الحزبية ( لحزب الشعب الواحد )،على أمل القضاء على التناقضات الإثنية، فأنتجت الصدامات العنصرية في الستينيات والثمانينات، وعمقت الشروخ الاجتماعية والفئوية والجهوية.

3- قامت الدعاية في حرب الصحراء الغربية ،على أمل السيطرة على كافة الأراضي الوطنية وتوحيدها، فأنتجت الانفصال الكامل لإقليم الصحراء الغربية، والتوتر في أقاليم أخرى من القطر الأصلي.

4- قامت دعاية الانقلابيين على قادة حرب الصحراء، على إنقاذ كرامة البلد من ضربات "البوليزاريو" التي طالت القصر الرئاسي، وتوقيف نهب الثروات، فأنتجت برجوازية طفيلية، ليست على صلة بالمعرفة بدرجة تمكنها من وضع الخيارات الرشيدة، وكانت البدائل التي تستطيع تقديمها أشبة ما تكون بالأحاجي والألغاز.

وهكذا دخل البلد في سلسة من الانقلابات أو أشباه الانقلابات، أقيم كل منها على الأمل نفسه أو فروع منه، حتى ظهرت تخريجات جديدة للأمل، يصعب قياسها إجرائيا، عبارة عن لعبة سحرية تخطف الألباب، إنها "الديمقراطية" حيث يسهل من خلالها تجاوز "الدال" الذي يشير إلى الشيء المادي أو الفكري، إلي "المدلول"، المآرب، أو الصور التي يشكلها المجتمع عن ذاته ويتمني أن يكون عليها.

وهكذا تحجب تلك الأسطورة الحديثة – كما سماها الأنثروبولوجي النفسي (رولون بارت) - صورة الواقع المتفجر، لتنتج التأييد ضد أخطار وهمية أخرى، مازال الإنسان الموريتاني يفتقر إلى الذكاء والشجاعة والاستقلال الشخصي لمواجهتها كقوى مستبدة تعمل على تسليمه بها وإذعانه لها، مصداقا لمسلمة (أريك فروم ) القائلة بأن المجتمعات الآيلة للانهيار هي الأكثر تشبثا بتخيلاتها وأوهامها التي راكمتها عبر إحباطاتها، فتتذرع بمزيد من تأبيد الأمل إلى إتاحة الفرص لمزيد من غسيل التاريخ، في صيغ هي أقرب إلى الوسواس القهري أو التعويضي منها إلى تحقيق الأمل .




--------------------------------------------------------------------------------



البطاقة الثانية:

كثيرا ما تنطلي الحيل اللغوية علي الفهم و الإدراك، وتصيب من يهاود فهمها بالإعياء، وتعرضه للنعوت بعدم المسايرة وبالانزعاج و الشذوذ وحتى التفاهة .

ولكن حين يتعلق الأمر بوقفة تأمل بعيدا عن اعتمال اعتباطية الطبيعة في أسطورة ديمقراطية الجياع، ألا يستحق الأمر درجة من العناء في تأمل التصنيف، مابين (ديمقراطية الأميين الجياع، و ديكتاتورية المذعنين بالإشباع )؟

إذا سلمنا جدلا بنموذجية النظام الديمقراطي في حكم الشعوب، أولا يحتاج ذلك النظام البديع – كآخر ما توصلت إليه الأمم المتطورة في أسلوب الحكم – إلي بنية اجتماعية وثقافية... قادرة على استيعابه و تمثله؟ ومن ضرورة إعداد المجتمع و تأهيله معرفيا و اقتصاديا .. إلي حد تحريره من حاجياته الأولية الملحة، أو اضطراب ديمومته الوجودية، على مستوى الشعور بالأمن الغذائي الذي يتيح له فرصة الارتقاء في سلم الحضارة الإنسانية، وإمكانية تعلم التمييز بين الخيارات القائمة على أسس ومعايير أولية معشرية مسايرة، كأسلوب وحيد للتعبير عن الذات، وبين الخيارات الرشيدة النابعة من ثقافة معرفية، تعتمد المنهج و التجربة، بعيدا عن اللحظة الانفعالية و الشحن الوجداني، واعتبار" الديمقراطية غير الهادفة" ترفا لا قيمة له؟

من ينقذ المجتمع من "عصابة" أو مظهر عدم تناسب النضج و الزمن؟ أو حين تحول "النرجسية " الجماعية أو الخوف المرضي من تهديد المحيط الخارجي دون تحديد الحجم الحقيقي، والتعويض عن ذلك بتوسيع مجال ردود فعله بالانغلاق على الذات و عدم الاكتراث بالآخرين، و محاولة القفز على المراحل، من مجتمع ما قبل الدولة إلى مجتمع ما بعد الحداثة، التي تضفي علي أشباه الأميين: مفكرين، و على تجار الشنط المتنقلين: رجال أعمال، وعلى محال المضاربات و المسروقات: " بورصة "، و على رقصات الفلكلور: برامج انتخابية... و حين يصدق المجتمع أوهامه بأنه يعادل (ألمانيا) ... ألا يحتاج ذلك إلى إصلاحيات جماعية لإعادته إلى أهليته من خلال آلية "الاستبصار" لتمكينه من التمييز بين المفاهيم و النماذج المختلفة من قبيل:-

- حرية التعبير السياسي، و الأمية السياسية؟

- حرية التعبير السياسي، وفرصة التغيير السياسي ؟

- حرية الانتخاب والاختيار ، وفرص التأثير في القرار؟

ومن ثم يمثل حاجة أيضا إلى تصنيف الديمقراطيات حسب المجالات التي تخاض ضمنها، فتكون مثلا:-

- حيث تسود المعرفة والرفاهية، هذا يساوي ديمقراطية المرفهين،

- حيث تسود الاحتكارية = ديمقراطية المضاربين،

- حيث يسود الجهل = ديمقراطية الأميين،

- حيث يسود التضليل = ديمقراطية سوء الاختيار،

- حيث يسود الفقر= ديمقراطية الجياع،

- حيث تندر فرص العمل = ديمقراطية فرص التعبير عن الذات للعاطلين عن العمل،

- حيث يكون الرهان على المساعدات الأجنبية = ديمقراطية الإدرار،

- حيث يكون التركيز على الشكليات في أسلوب الحكم = ديمقراطية التمظهر الزائف،

- وحيث يكون التاريخ حالكا وغارقا في التورط = ديمقراطية غسيل التاريخ والمال...



الجاليات

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026