تاريخ الإضافة : 19.12.2009 18:22

على هامش الاختطاف

محمد الامين ولد لمات*

محمد الامين ولد لمات*

لقد صدمت كثيرا حين قرأت على احد الموقع الالكترونية في شتاء العام 2008 نبأ يتصدر قائمة العناوين الرئيسية لهذا الموقع يفيد أن فرنسا تحذر رعاياها من السفر إلى
موريتانيا في حين أن موريتانيا ظلت إلى حدود يوم أمس القريب وجهة مفضلة لدى السياح الفرنسيين خصوصا والأوروبيين عموما ، يتوافدون عليها باستمرار ويرتاحون لها أكثر من ارتياحهم لأي بلد آخر.

ولا أدل على ذلك من أن السياح حاملي الجنسية الفرنسية يمثلون أكبر نسبة من مجموع الوافدين إلى موريتانيا سنويا.

هذا التحذير جاء إثر العملية الإرهابية البشعة والنكراء التي أودت بحياة أربعة سياح
فرنسيين وجرح آخر قرب مدينة آلاك على يد مجموعة مسلحين تأكد آنذاك أنهم موريتانيي الجنسية وأنهم ينتمون إلى الجماعة السلفية بحسب اعترافهم.

وكنت قد قلت في نفسي آنذاك أن هذا الأمر سيخل إخلالا كبيرا بأمن الدولة وسلامتها إذ أن عملية إجرامية من هذا الحجم حين يتم تنفيذها في وسط التراب الوطني وفي مجال مأهول سكانيا دون أن تكون هناك ملاحقة حقيقية للضالعين لحظة تسللهم ومتابعتهم للضحايا ¬ خصوصا أن هذه المتابعة تمت على طول الطريق فيما بين نواكشوط وآلاك (
المعروف بطريق الأمل)!!! على الرغم من كثرة نقاط المراقبة بهذا المحور الطرقي (
البوليس، الدرك، الجمارك) - هي في الحقيقة أمور تجعل الوضع مخيفا جدا وينذر بان ما
تم حينها من عمليات إجرامية داخل ترابنا الوطني سيتضاعف كثيرا على النقاط الحدودية
التي اقتضت طبيعتها الجغرافية إضافة الى ضعف إمكانيات الدولة أن تظل صعبة التامين.

هذا التنبؤ كان من بين ما أفضى إليه أن تم مؤخرا - أي قبل ثلاثة أسابيع من الآن- اختطاف ثلاثة رعايا اسبان كانوا في طريقهم ما بين عاصمتينا السياسية والاقتصادية وعلى يد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي هذه المرة علما بان هؤلاء كانوا ضمن قافلة جاءت لتقديم إعانات إنسانية ببلادنا التي تعتبر من أكثر البلدان الإفريقية حاجة إلى مثل هذا النوع من المساعدات.

ورغم ما أثارته هذه العملية من استعداد في صفوف الأجهزة الأمنية استشعارا
بخطورة الوضع فان ذلك لم يمنع خلايا الإرهاب من مواصلة أنشطتها مما نجم عنه يوم أمس اختطاف ايطالي وبوركينابية كانا يستغلان باصا على طول الطريق الرابط فيما بين مدينة لعيون جنوب شرق البلاد ومدينة كوبني الحدودية.

هذه الأحدث المأساوية تذكرنا بل و تذكر العالم من حولنا بعملية ألاك السالفة الذكر مع
العلم أن هذه الأخيرة كانت قد حدثت في عهد نعت بالعجز والدونية والفشل مما جعله يتلاشى وينهار بسهولة أمام عهد الجنرالات، عهد الأمن، والتغيير، ومحاربة الفساد فهل يكون هذا وجه الشبه بين العهدين؟

إن بلادنا ظلت منذ الآونة الأخيرة مسرحا للعديد من العمليات الإجرامية التي من أبرزها
عملية لمغيطي التي راح ضحيتها من راح وما كدنا ننسى وقع هذه الفاجعة الأليمة حتى
أيقظتنا حادثة القلاوية في شمال آدرار والتي راح ضحيتها 3 جنود وتم الاستيلاء على
مقدرات مالية وعتادية لا أريد ذكر تفاصلها إلى جانب ذكر الأرواح ، ولم تكن هذه الأخيرة
آخر حلقات المسلسل العدواني الإجرامي بل جاءت عملية تورين المؤلمة لتقول لنا أن دقات ناقوس الخطر لا تزال متواصلة وان الحدود الموريتانية الشمالية لم تشبع بعد تأمينا وهنا قد يتساءل البعض عن ما هي الأسباب التي جعلت ثكناتنا العسكرية في كل من لمغيطي والقلاوية وتورين تكون دائما لقمة سائغة لكل هؤلاء الإرهابيين؟

الجواب هو أن جنودنا يتسمون بالاستماتة في سبيل الدفاع عن الوطن فهم يمتازون بالصبروالشجاعة والإقدام وقد برهن التاريخ على ذلك في أكثر من مناسبة، ولكن للأسف يفتقدون إلى العتاد والتموين فما هو موضوع تحت أيديهم من سلاح وذخيرة وسيارات ومأوى ومأكل ومشرب لا يسمح لهم كما وكيفا بان يواجهوا أي غاز مهما كان نوعه.

هكذا يبدو واضحا للعيان أن مسالة حماية التراب الوطني على الرغم من كونها أولوية يعرفها الصغير والكبير والجاهل والمثقف لم تحظ لحد الساعة بالعناية اللازمة ولم تكن موضوع اهتمام لا من قبل السلطات العليا في البلد ولا من قبل المؤسسات العسكرية بوصفها الإطار المباشر والمسؤول عن هذه الحماية أي انه بصفة أوضح لم توفر لها الإجراءات الضرورية من عتاد وتمويل وتجهيز. فحين نعلم أن من سلموا من جنودنا في بلدة القلاوية تذرعوا عند شرح الظروف التي وقعت فيها الحادثة بكون ما هو متوفر لديهم من سيارات في حالة خسر لا يمكن استغلاله ما لم يتم دفعه (البوس بالحسانية) الأمر الذي لا يخدم الجنود في حالة السلم من باب أحرى في حالة الحرب والعدوان.

ساعتها نرجع اللوم إلى أنفسنا وإلى أننا لم نستفد من أخطاء الماضي ولم نضع
لها أي حسبان.

لقد آن الأوان لأن تأخذ الجهات المعنية مسؤوليتها تجاه حماية وأمن وطننا وأن تواجه بجد وحزم كل من يريد أن يجعل من هذا الوطن الغالي وكرا ومرتعا خصبا للإرهاب، كما آن الأوان لكي نبرهن لهؤلاء وغيرهم على أن موريتانيا قادرة على حماية حوزتها الترابية، وأنها ستستفيد كثيرا بل وتأخذ درسا من عمليات لمغيطي والقلاوية وتورين من قتل السياح الفرنسيين على أرضها كسابقة في التاريخ،ومن اختطاف الرعايا الاسبان مؤخرا وأن الأخطاء سوف لن تتكرر، وأن سمعتها الطيبة وشعبها المسالم والمسلم مئة بالمائة حقائق لا تزال حاضرة بقوة وستتعزز يوما بعد يوم.

إن الدوافع التي جعلتني أعد العدة لكتابة هذا المقال المتواضع كثيرة ومتعددة لعل أهمها
ما تم التعرض له في السطور السابقة منه إلا أنني سأغتنم الفرصة هنا للتطرق ولو بشكل مقتضب لقضية إلغاء سباق رالي باريس- دكار 2008 ذلكم الإلغاء الذي أطرته- حسب رأيي- سلسلة الجرائم التي نفذت مؤخرا على ارض الوطن مما يعني أن وقعها وخطرها لم يتوقف عند حدودنا الوطنية بل كان سببا مباشرا في إلغاء حدث رياضي عالمي وسنوي كبير عهد منذ زمن أن يستغل الأراضي الموريتانية نظرا لمجموعة من الاعتبارات منها:

- كون الموقع الجغرافي لموريتانيا يمثل حلقة وصل ومنفذا أساسيا على السينغال وبالتالي فان هذا الموقع يحتم على السباق أن يمر عبر أراضيه.

- كون الشعب الموريتاني شعبا طيبا ومسالما ولا يكن عداء لأي كان.

- كون الصحاري الموريتانية توفر أرضية فريدة من نوعها وصالحة للسباق وهي نقطة أساسية لإنجاح الحدث وإعطائه مزيدا من الفعالية وفرص التنافس.

إن إلغاء سباق رالي باريس - داكار الذي آثار اهتمام جل وسائل الإعلام وكثر الحديث عن
أسباب إلغائه يجمع العديد وقتها على أن الدوافع الأساسية وراءه كانت بسبب المخاوف المتأتية من الأراضي الموريتانية المحتضنة قبل أسابيع من التاريخ الذي كان من
المقرر أن ينطلق فيه هذا السباق وضعا متأزما لا يمكن التجرع على اقتحامه. وهو أمر عكس وللأسف صورة غير مرضية عن بلدنا الذي ظل عبر العصور يشهد له القاصي والداني بملايين السلم والأمن والكرم ... فعلى الرغم من كون الأمر قد لا يستفحل لدرجة إثارة مخاوف مستمرة إذ قد تتمكن الدولة عبر أجهزتها الأمنية مستقبلا من القضاء على جميع أشكال التطرف ثم إعادة الأمور إلى نصابها من جديد فان الصورة التي ارتسمت في ذهن الأجنبي قد لا يكون من السهل تخلصه منها، الشيء الذي ستكون له انعكاسات سلبية بطبيعة الحال على سمعة الوطن من جهة، وعلى تقدمه الاقتصادي والتنموي من جهة أخرى.

فإذا نظرنا بعين الحقيقة إلى حجم المكاسب التي كانت تنعكس على الحكومة والشعب الموريتانيين اثر مرور سباق رالي عبر أراضها نجد أنها فوائد كبيرة جدا وسيبقى مكانها شاغرا بدون شك. فموريتانيا كانت تحتضن سنويا ما يصل أو يقارب 10 محطات للتوقف في هذا السباق، وخلال هذا التوقف تكون هناك استفادات مادية مهمة، إذ تستفيد مطارات الدولة، تستفيد البنوك، تستفيد الفنادق، يستفيد أصحاب النزل والاقامات السياحية ،كما يستفيد أصحاب الحرف و الصناعات التقليدية...الخ.

لكن أوكد أن الوضع لا يزال قابلا للتدارك، فسباق رالي حدث سنوي لم يكن يستغرق على أرضنا أكثر من أيام قليلة وبالتالي فانه قد يكون قليل الأهمية - رغم ذكرنا لها وتأكيدنا على وجودها- مقارنة مع أهمية البعثات الخيرية التي نحن بحاجة إليها وكذلك مع أهمية السياح الذين يتوافدون على بلدنا من كل حدب وصوب، إذ يساعدنا في ذلك أن بلدنا حباه الله بتنوع طبيعي جميل( أودية - جبال- رمال- بحر...الخ، كما حباه إلى حدود يوم أمس ،كما أشرت في البداية بالأمن، والثقة، وكرم الضيافة وهو أشياء تفتقدها دول و بلدان أخرى، مما جعلنا نبيع سنويا هذا المنتوج لعشرات السياح ونجني منه عملات صعبة دون أن يكلفنا ذلك تكاليف تذكر لكن إذا لم نبذل قصارى جهودنا لإعادة الاعتبار إلى وطننا والدفاع عن وحدته، وأمنه وتصفيته من كل أشكال وأنواع التطرف والتعريف به كلما سنحت الفرصة ... فان ذلك كله سيفلت من قبضة أيادينا وستفضي بنا الأمور إلى تطورات لا نعرف كيف وأين ستنتهي.

* باحث في قضايا تاهيل المجالات
الريفية وتدبير الموارد سلك الدكتوراه

الرياضة

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026