تاريخ الإضافة : 15.12.2009 18:30

مكافحة الفساد وسياسة المفسدين

سيدي محمد ولد محمد

سيدي محمد ولد محمد

الفساد: المصطلح التائه، والوصفة الجاهزة، مطية الطامحين للسلطة والسيف المسلط على المعارضين لها... يحاربه المفسدون، ويتفنن في إصلاحه المصلحون... مفسدون بالأمس مصلحون باليوم، في غياب تام لمعايير ثابتة تميز المفسدين من المصلحين..

في أتون هذه الحرب الوهمية بين إفساد إصلاح وإصلاح فساد، تدخل بلادنا اليوم في مرحلة جديدة من المد والجزر، بين من يشكك في نوايا السلطات القائمة ويصف سياستها بالانتقائية وبمحاولة تصفية الحسابات مع خصومها السياسيين، ومنافسيها الاقتصاديين. ومن يدافع عن هذه السياسة بوصفها وفاء من السلطات القائمة بالوعود الإنتخابية ابان الحملة الرئاسية الماضية.ومحاولة لوقف المفسدين عند حدهم.

ولست معنيا في هذا الصدد بتغليب جهة على أخرى بقدر ما أنا مهتم بتوضيح بعض القضايا الأساسية المتعلقة بمكافحة الفساد، وبالسياسة المطلوبة لمواجهة المفسدين حتى لا تبقى مكافحة الفساد شعارا اجوف، يحمله كل طامح للسلطة، وحتى لا تساء إدارة هذا الملف فتأتي بنتائج عكسية.
لذلك يجب أن يعيد ساستنا النظر مليا في مفهوم السياسة بوصفها أولا:
رسما للخطط والبرامج الكفيلة بالتسيير والتبير الحسن،

وبوصفها ثانيا:فن تحقيق الممكن في إطار المتاح والمعقول، وفي إطار الواقع الموضوعي، ويكتسب ذلك من خلال الدراسات الموضوعية للمجتمع قصد إصلاحه وترتيب أولوياته.
خاصة وأن مجتمعنا يتميز بتعدد أعراقه وألوانه، وقبائله، ما يعطيه ميزة خاصة وثرائا عز وجوده؛ إن استخدم ذلك الثراء وذلك التنوع في ما يخدم التنمية والتعايش المشترك، والتكامل في شتى المجالات.
وقد أوضحت قضية رجال الأعمال الأخيرة وماصاحبها من إجرآت والطريقة التي عولجت بها، ضرورة تناول هذا النوع من القضايا بسياسة حكيمة تخدم حاضر ومستقبل الدولة، وتنصف المظلوم وتأخذ على يد الظالم.

لا يماري أحد في تعرض ثروة هذا البلد لكثير من النهب والسلب المنظم، كما أن أي مواطن موريتاني يتطلع للحظة التي يعلو فيها صوت الحق وترد فيها المظالم، وتعاد فيها الحقوق وتسترجع الثروات، غير أن الخلاف الحقيقي يكمن في الطريقة التي يجب أن تسلك في هذا الصدد، كيف، ومتى؟. ومن ين يملك القدرة لذلك..

لا شك في أن الحقبة الماضية شهدت الكثير من الفساد المالي و الأخلاقي شارك فيه أغلب إن لم نقل كل الموجودين في السلطة اليوم، ووجود بعضهم في صدارة المحاربين للفساد، وحديثهم عن المفسدين وتباكيهم على الثروات المنهوبة إبان الأحكام الفارطة أمر يبعث على السخرية حقا، ويشي بمؤشر غير مطمئن، على نتائج الجهود التي تقوم بها السلطات لمعالجة ظاهرة الفساد، فمن سيصدق أن الذين عاثوا في الأرض فسادا ، وأهلكوا الحرث والنسل، واستباحوا كل مقدرات هذا البلد، من سيصدق أنهم سيفتحون ملفات الفساد بشفافية ونزاهة، وبعيدا عن الانتقائية، والمحسوبية، ذلك ضرب من الوهم ومس من الجنون.

يجب أن تبتعد السلطات الحاكمة إن كانت جادة حقا في إدارة هذا الملف عن كل المفسدين السابقين، وتقطع الشك باليقين، وتفتح ملفات الفساد بشكل عادل وشفاف لا يستثني أحدا مهما كانت علاقته بالنظام حتى لا يبقى للمشككين في النوايا الحقيقية أي مستند يلجؤون إليه. كما يتوجب عليها دراسة كل خطوة في هذا الصدد، واستحضار كافة الظروف المحيطة بهذا الملف، وما يمكن أن يترتب عليه.

نعم من الضروري أن تفتح ملفات الفساد ولكن تفتح كلها، ملفات البنك المركزي، ملفاة الخزينة العامة ملفات اسنيم، ملفات التنمية الريفية، ملفات الجيش، فما المانع من تناول كل هذه الملفات، إذا كان المعيار الوحيد هو الفساد، ألم يستشري الفساد المالي و الأخلاقي في كافة مناحي ومناكب الدولة؟ ابتداء من أدنى مصلحة فيها إلى أعلى هرم في السلطة..؟

إن اعتقال ثلاثة من أكبر رجال الاعمال دفعة واحدة ينتمون لنفس المجموعة القبلية، ويحسبون على معسكر المعارضة، وترك كثير من المفسدين الآخرين-رجال أعمال و موظفين حكوميين- أمر يبعث على الريبة، ويحيل إلى استفهامات كثيرة،؟ ورغم اعتراف المعنيين ضمنيا بالتهم الموجهة اليهم واستعدادهم لقضاء الديون المستحقة عليهم، إلا ان نفاذ بقية المجرمين من العقاب، أمر في غاية الخطورة يجب أن يتدارك قبل فوات الأوان.

يجب ان تشمل مكافحة الفساد كل من ساهم من قريب أو بعيد في وصول البلاد الى هذه المرحلة وخاصة، أشباه المثقفين، وادعياء الثقافة، ممن استمرؤو التطبيل والتزمير لكل وافد جديد، لا يهمهم أكان صادقا ام كاذبا، مصلحا او مفسدا، المهم ان يقيم بالقصر الرمادي ولو للحظة، هؤلاء هم المفسدون حقا، وهم أولى قبل غير بالتصفية والابعاد، فمادامت حناجرهم موقوفة تلمع كل سياسة رسمية، وتتلقف كل كلمة يتلفظ بها رئيس أووزير، وتجعل منها قرآنا يتلى، تقام حولها الندواة، وتحلل مضامينها، وإيحاءاتها، ومادامت أقلامهم مأجورة لا تميز بين فساد أو اصلاح، فلن يستنى لأحد الوقوف على أي حقيقة، وقد تكاثروا في الآونة الأخيرة في كل وسائل الإعلام الرسمي تكاثر الفطر، وبدؤو في تمجيد النظام الراشد الجديد، متناسين انهم هم انفسهم من كان يروج للأنظمة السابقة.

وللأمانة فقد أبان النظام الحاكم في الآونة الأخيرعن كثير من القراراة المهمة في حربه المعلنة على الفساد، خصوصا الإقالات والتحقيقات التي قيم بها سبيلا إلى تكريس مزيد من العدالة والشفافية، غير أن ما ينقص ذلك الجهد وذلك التوجه، هو مزيد من الروية، والابتعاد عن السياسات الارتجالية، والانتقائية، حتى تأتي تلك الحملة أكلها و حتي لا تقصر يد العدالة عن مفسدين حقيقيين لا يحول بينهم والسجن إلا قربهم من مركز القرار، ومكانتهم في سلم السلطة الحالي، غير أن عليهم أن لا ينزلوا من ذلك السلم إلى الأبد، وإلا فمكانهم محجوز في جنب أصدقائهم، ويوما ما ستطالهم يد العدالة ...العدالة الحقيقية... عدالة الشعب وشهادة التاريخ... وحينها فقط يحارب الفساد وتتعرى سياسة المفسدين...

المناخ

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026