تاريخ الإضافة : 07.12.2009 14:07

جامعة نواكشوط: مظهر آخر من مظاهر الأزمة الأخلاقية

د. أحمد سالم ولد اباه
تكتسب المؤسسات الجامعية عراقتها وتحافظ على سمعتها في العادة بإحدى طريقتين ، مسطرة قانونية محترمة وقابلة للتطبيق تسهر عليها جهة مؤمنة برسالة الجامعة ومركزيتها في خلق حراك علمي وبحثي لفائدة التنمية ، أو من خلال تقاليد أكاديمية متوارثة تؤصل العمل في الحقل الجامعي، وتزيد المنتسبين ثقة بمؤسستهم، غير أن جامعة نواكشوط خلت من الصفتين معا، ولم تحدد أهدافها عند إنشائها فأصبح كل فرد يؤمها معلما أو متعلما يحدد هدفه انطلاقا من معطيات شخصية، مما أدى إلى تشتت الجهود وارتجال المواقف، فبدل أن تكون الجامعة مكانا لصنع القرار، وإنتاج المعرفة الموثوق بها، وتنمية القدرات البحثية، أصبحت انعكاسا لما يدور داخل المجتمع، فانقادت لكل تلك التجاذبات خلال عمرها القصير، فكانت مثالا واضحا للأزمة الأخلاقية، ونموذجا للفساد، وقد ارتأينا تسليط الضوء على هذا المظهر من خلال ثلاثة محاور أساسية :
أ – المادة مقياسا للمعنويات : عند ما كنا نمارس التدريس بجامعة نواكشوط دون مقابل مادي يذكر ، بل لضرورة تحصيل الخبرة التي يلهج بها لسان كل من تقابله في أروقة الإدارة ، الخبرة التي توضع عقبة كأداء أمام كل المستجدين على الساحة طلبا للعمل، ثم إن تحصيل الخبرة كان يتفق مع رغبة رؤساء الأقسام والعمداء حين كان ما يعوض عنها زهيدا بالنسبة إليهم، ومع ذلك فقد كنا معشر المتعاونين مرضى بكل حتى نحصل على بغيتنا، لكن الأمر الذي تصطك منه المسامع أن الأساتذة المحترمين ومن بينهم من درسنا بالجامعة أصبحوا يتهافتون على الساعات الإضافية بسبب زيادة التعويض المخصص لها من 500 أوقية إلى 3000 أوقية للساعة ، هنا تمتلك الحيرة عقل المراقب المحايد ويتساءل هل جاء الأستاذ إلى الجامعة للأخذ أم للعطاء، وهل يستطيع من تتبع همته مبالغ موجهة إلى فئة المتعاونين الأقل حظا، ومن يكدس الساعات الإضافية على توقيته الرسمي المحدد بالقانون والعرف رغبة في زيادة المردود المادي لشخصه على حساب الكيف المقدم إلى الطلاب المساكين أن يكون مصدرا لمعرفة ذات بال .
لقد كان القانون المنظم للتعليم العالي منصفا في هذا المجال، حيث حدد التوقيت المقرر على كل أستاذ حسب مؤهله العلمي، واعتبر لزاما عليه التقيد بنوع من التحضير لتحسين المردودية، وللتفرغ للبحث الضروري لكل أستاذ جامعي حق، خاصة أن أغلب الأساتذة إما معار لجهة أو معين لإدارة مؤسسة، فهل من المقبول أن يخفف عنا القانون ثم نسعى لتكديس المواد علينا طمعا في زيادة العائد المادي مهما كانت النتائج سلبية على الناحية الأخلاقية والعلمية للجامعة الفتية ؟
ب – التخندق خلف لوبيات المصالح الضيقة : تعتبر دمقرطة التعليم العالي في موريتانيا خطوة إيجابية لكن في زمان غير زماننا ، وأشخاص غير الماثلين أمامنا، الجاثمين على صدورنا، حيث استخدمت مجموعة قليلة من المنتسبين للحقل الجامعي هذه الدمقرطة لتكون سلاحا بيدها ضد مصلحة الجامعة، إذ أن عميدا منتخبا لايرى لأحد عليه فضلا فقد انتخب لفترة محددة ، ثم إن هذا الانتخاب يؤدي بالفعل إلى أن المجموعة التي أوصلت العميد أو رئيس القسم أو حتى رئيس الجامعة إلى منصبه الانتخابي، تنتظر المكافأة وقمع المجموعة الأخرى وهو ما يحدث بشكل علني وسافر اليوم .
ج – لماذا لانسد احتياج الجامعة ؟
كثيرا ما تعوض المؤسسات الجامعية عن النقص في هيئة تدريسها بمتعاونين يسدون النقص في انتظار استكمال دراساتهم، أو بحوثهم، أو حتى إجراءات التحاقهم بالجامعة ، وتستغل المؤسسة في هذه الحالة حماس المتعاون وقدرته، وتعوضه تعويضا يليق بمهمته وجهده ، ومن المتعارف عليه أن المردودية النسبية علميا وعمليا للمتعاون في أي جامعة أكثر من مردودية الأستاذ المكتتب، وبالتالي يكون تعويضه تبعا لذلك، وقد حدى ذلك بالجامعات الأميركية إلى رفض اكتتاب الأساتذة الدائمين مطلقا، لكن الآية انعكست في جامعتنا كما تنعكس فيها أغلب الآيات .
يكفي أن نعلم أن نظام L M D المطبق حديثا كان من المفترض أن يزيد احتياج الجامعة إلى أكثر من 300 أستاذ جامعي، ما بين مؤهل، ومحاضر، ومساعد، غير أنه وبجرة قلم في لحظة تفاوض بين النقابة الموقرة والوزارة الوصية، تم الاتفاق على زيادة مستحقات الأساتذة الرسميين مقابل قيامهم بتدريس المتبقي عن جداولهم المقررة عليهم، وبقي الأساتذة المتعاونون بدون توقيت للتدريس لأن النقابة تدافع عن الأساتذة المنضوين في سلك الوظيفة العمومية فقط ، أما المتعاون في عرف هؤلاء فليس أستاذا جامعيا، رغم أن أغلب المتعاونين أقرب لأن تطلق عليهم تلك الصفة انطلاقا من واقع شهاداتهم وممارساتهم، من أغلب من تطلق عليه بالفعل الآن ، أما حين تعلن الجامعة أو الوزارة الوصية عن اكتتاب نادر مر بأنواع الروتين الإداري فحدث ولا حرج .
ونظرا لكل ذلك وانطلاقا منه فإن الجامعة تحتاج بالفعل إلى وقفة صادقة وصارمة تؤمل من رئيس عودنا على مثلها ، تحتاج ضخ دماء جديدة كما هو احتياج أغلب المصالح الحكومية بهذه البلاد ، دماء تقف دون ضخها مجموعة من المنتسبين إلى الجامعة، المفسدين عن سابق إصرار وترصد،
لاتريد دخول الجامعة إلا لمتسور بذل مجهودا وأعطى عهوده والتزماته ألايخل بالنظام الموضوع سلفا لصالح مجموعة الضغظ المتغلبة .

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026