تاريخ الإضافة : 26.11.2009 23:20

الأمل.. والتيه

يحيى ولد مصطفى
«كان البرد شديدا.. ولا كساء والجوع شديدا ولا خبز.. والمكان في غاية الضيق ولا مأوى، وسلك الأخوة والغربة يجمع "سعيدا" وإخوانه.. كما تجمعهم الحجرة وقلة ذات اليد إلا أن "طبقة واحدة تصنع الفرق"..
وتمر الأيام ويزداد البرد قوة وضراوة والفقر شدة وشراسة..
وضمير "سعيد" يلكزه ويكلمه.. والتردد يأكل عليه الوقت والعمر.. ولكن للصبر حدود...
في نفس الوقت ظل سعيد يعكف على أعمال هي مقدار طاقته ينفق فيها وقته وجهده، وينفق باقي أعصابه وقواه العقلية في الألم والأسى على نفسه حين جعلته في مثل هذا الموقف الذي لم يتعود على مثله من قبل رغم طول تاريخه مع مسيرة الفقر..
كان يصنع الشاي مرة وبينما توسط في صناعته -الخدمة الوحيدة التي يستطيع أن يقدمها- وجد أن السُّكَر قد نفد.. فمد يده اليمنى خُفية إلى جيبه تلمس علّ درهما أو بقايا شيء كان ثمة يوما ما تصدم يده إلا أن يده لم تلمس إلا رقة الحاجز بين جيبه وعظامه التي كاد النحول يبرزها من فوق جلده..
بلغ الألم به أي مبلغ وخرج عن إخوانه ميمما الوحدة.. –التي ليس لها مكان سوى تلك الغرفة التي لا تزيد على متر ونصف والمليئة بحقائب الفقراء- علّها تمُن عليه برحمة حين يعطي نفسه الدرس اليومي من العتاب، ويجرعها كأس التعنيف الذي طالما تجرعته منذ وطأت قدماه المغرب...
بات ليلته يتململ في الفراش وبعد الفجر نام علّ النوم يسعفه برؤيا فيها شيء يتأوله على أنه الفرج القريب..
استيقظ في الزوال و"زنبيل" ما زال في مكانه لم يحصل فيه سكر..؟؟
قرر الخروج من الدار وذهنه مشتت من شدة الجوع ولا يدري إلى أين.. فكر في أن يجلس في إحدى المقاهي لعل أن يقضي بعض الوقت، ولن المقاهي لا تقبل الجلوس من غير المشترين..
حاول أن يجد مكتبة يقضي فيها على فراغه ويغيب فيها مع خير جليس عن بعض همومه إلا أن المكتبة تحتاج إلى دراهم للذهاب والعودة في الباص –دراهم قليلة لا تزيد على سبع دراهم وهي بوسع كل إنسان توفيرها إلا "سعيد"-...
بعد رحلة التيه في شوارع الرباط الطويلة.. عاد مساء بإعياء أشد وجوع وعطش..
لم ينفرج شيء من كربته.. دخل المطبع ليأخذ كوب ماء يبل به أمعائه التي تبست من طول ما لم تعهد شيئا.. أدار مفتاح الحنفية بيمينه، ونظر في المرآة أمامه وجهَه الشاحب وشفتيه المتكسرتين.. أشاح بوجهه ذات اليمين خشية أن يرى في نومه كابوسا يذكره بهذا الوجه.. فكانت الصدمة...
لم يتمالك أن سقط على الأرض غاب عن الكون للحظات.. دار في نفسه ألف سؤال وسؤال.. ضاقت عليه الدنيا كما لم تضق عليه من قبل.. نسي الجوع والعطش والسهر والتعب.. نسي كل شيء إلا مشكلته وكيف يتخلص منها..
ماذا حدث؟؟؟
"ظن الشباب أن "سعيدا" سينتبه لنفسه ويقيس إخوانه بها وسينفق عليهم كما ينفقون عليه إلا أن: "لّ ماه فليد ما تكلع العزة"...
أخيرا خرج القوم عن صمتهم وإن كان الحياء منعهم من الكلام تشاوروا طرحوا كل الاحتمالات وأخيرا: اتفقوا على أن الدفع الأحادي سيؤدي بالجميع إلى الهاوية.."
لم يتذكر إلا تلك الأحرف وكيف رسمت تلك اللائحة وكيف علقت "لائحة الخدمة" تحامل من جديد وحاول أن يقف ليعيد النظر إلى الورقة فلا يجد ما فيها تغيرا هي لا ئحة الخدمة واسمه هو أول اسم فيها...
إنها الصدمة.. هؤلاء الجياع الطلبة الذين طالما خدموه على فقرهم وقلة ذات أيديهم الآن يطلبون منه أن يخدمهم حق طبيعي لهم ولكن من أين يحصل على نفقات خدمة 30 شخصا من لم يستطع تحصيل 3 دراهم لشراء السكر؟؟ رباه ما الخطب؟ يطلب الإعفاء من الخدمة؟؟ بأي مبرر يمكن أن يقابل إحسانهم عليه بطلب الإعفاء من خدمتهم؟؟؟ يصرح لهم بفقره وقلة جدته؟؟ ذلك ما يمنعه منه الحياء وأنه يعلم أن منهم من يكونون مثله؟؟؟ يقوم بسلفة عند أحدهم.. لو كان عند أحدهم شيء لما طلبوا منه الخدمة وحاله يغني عن سؤاله؟؟؟؟؟؟
بعد لأي خرج من المطبخ وهذه الأفكار تدور في رأسه نظر الجالسين بعينيه المغرورقتين في رأسه.. نظر الوجوه كلها فإذا كل وجه ورائه مأساة وكل عين ورائها قصة ربما آلم من قصته وأنكى.. أجال عينه في الحجرة الضيقة المليئة بالطلاب المثقفين.. فوجد أن شيئا لم يتغير بعد البارحة لا أثر للعشاء ولا للفطور ولا للغداء.. بل كل العيون ترنوا إليه باعتباره المنقذ الأوحد والأمل الأخير...»
إنها قصة شاب موريتاني منحته موريتانيا للمغرب وسلمه الإهمال لقضائه المحتوم هو الآن في المستشفى لا والي له ولا معيل يعيش على ما تجود به أيدي المعدمين وما تمنحه أكف إخوانه المتكلسة من البرد..
ليست هذه مأساة فرد وإنما هي مأساة خيرة شباب البلد المعروف بتقديره للعلم والعلماء...
الشاب الآن ينتظر مصيره ولعل آخر واثنين وبقية إخوانهم يتبعونه إن لم تتداركهم رحمة الله وفضله.

الجاليات

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026