تاريخ الإضافة : 20.02.2008 14:56

ألف مبروك لحزب السلطة

أوفى ولد عبد الله ولد أوفى
awvaabdl@yahoo.fr

هكذا وبعد مخاض عسير، تخللته مصاعب ولادية متعددة ، ولد الإبن المدلل للسلطة الموريتانية الجديدة ، حزب" عادل" بقراءة ورش ابن السلطة، و"عودة" بقراءة حفص ابن المعارضة، ولد إذا الحزب الذي يعتبر الوريث الشرعي الوحيد لميراث جده حزب السلطة ما قبل الثالث من أغسطس ، ملك الأحزاب: المنتصر بأمر الله .
لا يمكن لأي من أفراد الشعب الموريتاني إذا إلا أن يفرح لهذا الحدث الذي يمكن أن يعتبر بحق حدث السنة بل حدث القرن بأسره ، ولا يعنينا شيء من تلك المعارضة وأقوالها ، فقد كافانا الله شرها إذ لم تحضر مراسيم الاحتفال هذه ، فهي الآن غرقى في تمحيص جزئيات قانونها المنظم لها الذي لم تستطع بعد أن تتفق على صياغته بما يرضي كل مكوناتها ، بعكس الأغلبية التي حزمت أمرها واتفقت على أدق تفاصيل قانونها: قانون السلطة ، قانون البقاء للأقوي والأصلح.
هكذا ولد إذا حزب السلطة واستكمل كل هياكله ، وإن كانت هناك خلافات بين بعض برلمانييه قد أعقبت هذا الميلاد المجيد، بدعوى التهميش والإقصاء، لكن تلك نزاعات أسرية بالمفهوم الحزبي وكثيرا ما تقع في مجتمعنا ، فأهل أي مولود جديد يريدون دوما أن يكون اسم ابنهم وعقيقته تحت إمرتهم ، وكذلك أخواله يريدون أن يشاركوا في عقيقة ابن بنتهم ، فتحدث بعض الخلافات ، لكن سرعان ما تنتهي بعد انتهاء العقيقة مباشرة ، المهم أن الحزب تشكل فألف مبروك لمهندسي ومنظري حزب السلطة ، وألف مبروك لرئيسه ، وألف مبروك للأمين العام الجديد ونوابه وكل هياكله.
وبعد أن فرغنا من واجب التهاني والتبريكات لميلاد الحزب الجديد ، دعونا نكن أكثر واقعية وصراحة من تلك المجاملات التي لا تقدم ولا تؤخر ، ولا تساهم لا في بناء الوطن ، ولا في تقدمه وازدهاره ، دعونا نطرح بعض الأسئلة التي يمكن أن تساعدنا في معرفة بعض الأمور التي استعصت على أفهامنا بخصوص حزب السلطة وما المغزى من نشأته ، لعل أبرز تلك الأسئلة وأكثرها طرحا من لدن كل الفعاليات السياسية والحزبية هو: هل فعلا ستعود البلاد إلى المربع الأول دولة الحزب الواحد ؟ ومن الرابح من كل ذلك ؟ ،أعتقد أن كل الدلائل والمؤشرات الأولية ، تشير وبوضوح شديد أننا نسير بخطى حثيثة نحو احتكار السلطة والنفوذ والمناصب لأعضاء الحزب الجديد دون غيرهم ، وذلك ما بدأت بالفعل بوادره تطفو على السطح ، ممثلة في الدعوة من بعض أطر حزب السلطة إلى إعادة تشكيل الحكومة وتوابعها وفق أجندة الحزب الجديد .
والذي يجب أن لا يغيب عن أذهان هؤلاء الأطر وغيرهم، أن احتكار السلطة والنفوذ والمناصب المهمة لشريحة معينة وأفراد معينين منضوين تحت لواء الحزب ، لا يمكن أن يجلب لهذه البلاد إلا الاحتقان والسخط والتذمر ، وذلك ما نحن في غنى عنه خصوصا في الفترة الحالية التي تمر البلاد فيها بمرحلة شديدة الدقة والحساسية ، والتي تملي علينا جميعا أن نكون أكثر تماسكا وقوة ، وأبعد ما نكون عن التجاذبات والاتهامات المتبادلة بين الأغلبية والمعارضة .
ولعل السبب الأساس في توجس الخيفة من العودة لحزب ما قبل الثالث من أغسطس ـ والاعتقاد بأن الحزب الجديد ليس سوى امتداد لعصر حزب الضعف والانحطاط والمحسوبية والقبلية وغياب مفهوم الدولة ـ هو ظهور الغالبية العظمى من رموز الفترة الاستثنائية في الواجهة الأمامية ليافطة الحزب الجديد ، رغم يقيننا أن التوبة تجب ما قبلها وأن الإنسان يمكن أن يمر بفترة يوصف بها بشتى الأوصاف السيئة ، لكن سرعان ما يعيد حساباته ويرجع عن أفعاله ويقر بذنوبه ، عندها تصح توبته ولا أحد يمكن أن يلومه على ما أقترف في الأيام الخالية .
لكن هل هذه التوبة مقبولة بميزان الشريعة السياسية ، وهل لها معنى في العرف السياسي ؟ لا أظن أن أي سياسي يمكن أن ينأى بنفسه عن ماضيه السياسي بكل إيجابياته وسلبياته ، أو أن يقنع الناس بأن العلة وراء انتهاجه شعار الفساد ، كانت بسبب ضغوط أملتها ضروريات الحقبة ، وفرضتها الإرادة السياسية لرئيس الدولة أنذاك ، وليس العيب فيه هو ، وأن الكل في الهوى سوى ، وألا أحد أفضل من أحد ، وأن تلك أمة قد خلت ونحن أبناء اليوم ، ولا نسأل عما فعل الأقدمون .
لكن ما يمكن للحزب أن يقنع به الرأي العام اليوم هو المحافظة على واجهته من أن تتشوه برموز ليست سمعتهم بالحسنة ، وألا يجعل من التجربة الماضية لحزب السلطة المثل الأعلى له .
وأظن أن الحزب الجديد بعد أن هدأت عواصف الانتقاد ، وبعد أن غيض ماء اتهامات المعارضة له ، والتشكيك في الدوافع وراء إنشائه ، وبعد ما استكمل كل هياكله ، يجب عليه بعد كل هذا ، أن يعيد حساباته بكل دقة وواقعية وحكمة ، إذا كان يرغب فعلا في أن يدحض كل الاتهامات والتشكيكات التي واكبت نشأته وأعقبت ميلاده ، ويجب ألا يغفل عن حقيقة مهمة ، وهي أن العين عليه وعلى أطره ، وأن أي خرق للمبادئ والأهداف التي تسعى الجمهورية الثالثة في موريتانيا إلى تحقيقها وعلى رأسها مكافحة الفساد ، وسوء التسيير والمحسوبية والقبلية ، وتسخير موارد الدولة في خدمة الحزب ، والسعي في توظيف الحزب والسلطات الإدارية من أجل تزوير الانتخابات وابتزاز شتى المكونات القبلية وتخويف ساكنة المدن والقرى ، وشراء ذممهم لإنجاح مرشحيه داخلها ، كلها أمور لم تعد ممكنة في عصر فضاء الانفتاح السياسي وحرية التعبير ، وأن الكل سيهب هبة واحدة من أجل المحافظة على المكتسبات وإعادة الأمور إلى نصابها ، في حالة ما إذا عادت ديمة لعادتها القديمة .

المناخ

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026