تاريخ الإضافة : 17.11.2009 14:30

إشكالية التمويل البلدي بين ضعف التحصيل وزبونية العمد

د/ عبدي ولد محمد فال / أمين عام بلدية الرياض

يشكل التمويل البلدي الركن المكين لقيام اللامركزية الإدارية باعتبارها الضمانة الحقيقية الاستقلال وتنفيذ القرار المحلي بعيدا عن ضغوط سلطة الإشراف، لذلك حرصت كل التشريعات المتعلقة باللامركزية الإدارية على النص قانونا على الاستقلال المالي للوحدات المحلية، وانسجاما مع هذه القاعدة أكد المشرع الموريتاني عبر الأمر القانوني رقم 87/289 على استقلال البلدية ماليا وتم تدعيم ذلك بترسانة من النصوص القانونية الضابطة والمنظمة لمحاسبة وميزانية البلدية، وقد تمت ترجمة وتفصيل هذا الاستقلال المالي من خلال إصدار الأمر القانوني 04/94 الذي وضح أهم المصادر الجبائية لتمويل الميزانية البلدية وتجسدت هذه المصادر في مجموعة من الضرائب والرسوم التي يوجه عائدها إلى صندوق البلدية.

ورغم إقرارنا بهشاشة الجباية البلدية، وعدم قدرتها على تحقيق الاستقلال المالي للبلديات، إلا أن هناك معوقات أخرى ينبغي الكشف عنها ودراستها والعمل على الحد منها ومن أهم هذه المعوقات معوقين أثنين أساسين هما:

1- ضعف تحصيل الجباية البلدية:
نعى بالتحصيل هنا العمليات التي يقوم بها الوكلاء البلديون المكلفون باستخلاص الديون البلدية المقررة ضمن التشريعات المحلية والمحددة بواسطة مداولات المجلس البلدي بهدف تمويل الميزانية البلدية التي هي عبارة عن تلخيص لما تنوى البلدية القيام به من إنجازات خلال سنة مالية كاملة.

وقد أبرزت التجربة في ميدان التحصيل أنه يتميز بمجموعة من السمات السيئة من أهمها:
- غياب إدارة جباية مقننة
- غياب الكفاءة والتراهة لدى جل المحصلين البلديين
- ضعف الوسائل المستخدمة في سبيل التحصيل

فبالنسبة لغياب إدارة جبائية مقننة: يمكن القول أن تبعية الوكيل البلدي المكلف بالتحصيل لرئاستين (رئاسة العمدة ورئاسة المحصل البلدي التابع لوزارة المالية ) تجعل متابعة ومراقبة التحصيل مخلخلة وتنقصها الفعالية وخاصة أن المحصل البلدي يقوم بمهمتي التحصيل لصالح الدولة والتحصيل لصالح البلدية والكفتان غير متساويتين، إذ من البديهي أن جل انشغالات المحصل ستنصب على تحصيل جباية الدولة، حيث هاجس الخوف والخشية من الإقالة، أما نصيب البلدية من اهتمام المحصل سيكون بقدر حيوية رئيس البلدية ودرجة العلاقة مع المحصل.

من هنا تجب إعادة النظر في موضوع وضعية الوكيل البلدي المكلف بالتحصيل وصياغة العلاقة بينه وبين العمدة وبينه وبين المحصل البلدي.

أما عن غياب الكفاءة والتراهة في جل الوكلاء المكلفين بالتحصيل: فحدث ولا حرج فهؤلاء ليست لديهم مستويات تعليمية تناسب المهام المسندة إليهم وقليلا ما يستفيدون من تكوين حيث البلدية لا تعير أي اهتمام لموضوع التكوين، فيتم اختيار هؤلاء على أساس الولاء الحزبي أو السياسي أو القبلي ، ولا يمكن أن نتصور التراهة ممن ذكرنا ملامحه آنفا، فهو يعلم أنه قد لا يمكث كثيرا وبالتالي عليه أن يسابق الزمن لجمع ما يمكن أن يجمعه من مال في ظل حماية فلان أو فلان هنا يكون منهج تحصيل الجباية البلدية واضحا للغاية، أترك لك نصف الضريبة وتعطيني النصف الآخر ولن أسلمك وصلا حتى لا يظهر أثر للجريمة إذن الغش ولاحتيال والتواطؤ سلوك عادي ومعتاد بالنسبة لجل وكلاء التحصيل.

بخصوص ضعف الوسائل المستخدمة في سبيل التحصيل: نجد أن البلديات وهذه سمة عامة لا تهتم بتوفير الوسائل الضرورية لتفعيل التحصيل البلدي، مثلا غياب وسائل النقل، مما يجعل المحصل يتعب ويتكاسل بسبب شساعة المناطق لتي يراد التحصيل فيها وبالتالي يبقى جزء مهم من الديون البلدية لم يصل إليها المحصل، ونصح السادة العمدة بشراء دراجات لوكلاء التحصيل الأمر الذي سيسهل الرقابة على الوكلاء المعنيين بالدومين البلدي وعمليات البناء التي يعود دخلها للبلدية.

كما أن غياب أجهزة الحاسوب يؤثر على ضبط وتنظيم التحصيل وعليه فإن اقتناء أجهزة الحاسوب سيمكن البلديات من تحسين مراقبة التحصيل.

2- زبونية العمدة
نعني بزبونية العمد مجموعة العلاقات التي تربط العمدة بغيره من الناس سواء كانوا مواطنين عاديين أم منتخبين أم فاعلين سياسيين أم رجال أعمال، بشرط أن تكون هذه العلاقات يتم توظيفها على حساب المصلحة العامة ومن أجل تحقيق أغراض شخصية أو حزبية أو جهوية ... والملاحظ أن العمدة يبدأ حملته لانتخابية فور تنصيبه رئيسا للبلدية، من خلال التماهي مع بعض المطالب التي تنافي المصلحة العامة والتغاضي عن بعض القضايا التي هي من صميم مهام العمدة الذي هو رئيس مؤسسة عامة وجهاز تنفيذ الإدارة عامة ينبغي أن يستفيد من خدماتها جميع المواطنين بالتساوي وأن تسعى إلى كل ما يحقق التنمية البلدية، وفي هذا الإطار نجد الكثير من رؤساء البلديات يتغاضى عمدا بل يعمل على عدم تحصيل الضرائب والرسوم البلدية لأنه يرى أن أخذ الضريبة من المواطنين سيجعل هذا الأخير يعزف عن التصويت له في الانتخابات القادمة، بل يرى أن عدم أخذ الضريبة من المواطنين خدمة يقدمها هو للمواطنين سيجد ثمنها يوم الاقتراع المقبل.

هذا سلوك مختلف ورؤية قاصرة لا يحق لصاحبها أن يتولى إدارة الشأن العام المحلي، فالمواطن يريد المشاريع التنموية يريد الشوارع يريد الماء يريد الكهرباء، يريد التعليم يريد مشاريع تحد من البطالة وهذه هي وظائف البلدية وهذه مهامها، أما التقاضي عن 200 أوقية فهذا تفكير مختل وخرق للقانون وانعدام الإحساس بالمواطنة.

الجاليات

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026