تاريخ الإضافة : 17.11.2009 14:01
رجال ناضلوا.. وثبتوا!! عبد القادر ناجي مصطفى
عرفت الرفيق المناضل والثوري المتوقد متأخرا، حين جمعتنا ظروف سياسية مطلع التسعينيات من القرن الماضي. كان الرجل يومئذ قوي البنية، أنيقا في تواضع، لطيفا في حركاته، متلطفا في عباراته، غاضا من صوته؛ يصغي إلى محدثيه بعناية فائقة، متشبعا ببراءة الطفولة، مع أنه ابن السابعة والأربعين، يعني أنه في أشده العقلي والبدني. لم أكن أعرف عنه شيئا، سوى أنه ضابط بعثي سابق؛ فصل بقرار تعسفي من الجيش الوطني في عهد الرئيس السابق محمد خونه ولد هيداله.. شيئا فشيئا، تعمقت صلتي بهذا الرجل، وشيئا فشيئا أدركت أن قلبه ينفتح لي، لا أدري لأي سبب، إلا أنني كنت أسعد بلقائه، وببراءته وعفة نفسه.. لم أكن فضوليا أكثر من المحسوب في تلك الفترة لأسأله عن أي شيء.
وذات يوم، دعاني إلى منزله، الكائن في لكصر(حي بالعاصمة انواكشوط)، لأتناول معه الغداء مع رفاق آخرين؛ ولاحظت أن عبد القادر يبحث عن شيء ما في أعماقنا.. كنت حذرا ومحاذرا في كلامي مخافة الوقوع في خطئ، أو يهوي بي لساني في زلة بحضرة شخص يأسرني بأخلاقه وطيبة سريرته.
وتمر الأيام بحلوها ومرها، ويجمعني وإياه موقف، ما كنت أدري أسبابه ولا أنا محيط بعواقبه؛ هو موقف الدفاع عن الرفيق الأستاذ المرحوم خطري ولد الطالب جدو في مواجهة حملات التشويه التي سعت من ورائها جهات سياسية متنفذة في نظام ولد الطايع لتنال من أعلى قامات النضال القومي وخصوصا البعثي منه في البلاد. تجذرت علاقتي بالرفيق عبد القادر عبر الرفيق المرحوم خطري ولد الطالب جدو، وأدركت أن عبد القادر يبحث عن الصدق والمحبة؛ يبحث عن الإخلاص والمبدأ... أنه يريد من يأخذ عنه هذه القيم السامية، وهو إلى الآن يسعى لإيجاد ضالته دون كلل.
مرت السنون والعقود، وتبدلت أحوال الناس، وانحلت عزائم وانعقدت أخرى؛ وبقي الرفيق عبد القادر ناجي كالجبل الأشم، لا يكترث بالعواصف ولا الأعاصير، حتى وإن أخذ منه المرض صحته، وتكالبت عليه قوى الظلم مستفردة به في ساحة مكشوفة، حيث لا نصير ولا ظهير!
ولطالما عنفتني نفسي: لماذا لا أكتب عن هذا الرجل الشريف، الكريم الأصيل، قبل أن يخطفه الموت دون العرفان له بالجميل!.. لماذا ينتظر الناس لوعة الموت حتى يكتبوا عن محامد الشرفاء!؟
لذا قررت أن أكتب عن هذا الرجل ليشكل المنصة التي أطل منها على استحضار واستذكار المعاني والقيم الرفيعة التي تحلى بها جيل كامل من البعثيين، منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا. فعبد القادر ناجي مصطفى - بحجم سيرة حياته الحافلة بالصدق والبراءة والتضحيات- كان ومازال سراجا وهاجا يمزق سجف الظلام ويكسر حلق اليأس أمام أجيال من الشباب المغمور بحب أمته، المطحون بواقع الاستبداد والحرمان. لقد عاش عبد القادر ناجي مصطفى الأمة العربية في وجدانه، بهمومها ومصائبها، بآلامها وآمالها، بأفراحها وأتراحها؛ لا يفرط بأي حق من حقوقها، ولا ينثني أمام أي إغراء مادي أو معنوي، أو انتفاع شخصي؛ فكان بحق صورة حية لحركة حزب البعث الثورية، التي أغناها في بلاد شنقيط بصموده وعفته وتضحياته. لقد كان بوسع عبد القادر ناجي أن يكون اليوم في أعلى قمة الطبقة المترفة في قطره، وهو ابن ناجي مصطفى أحد أقدم الإداريين في البلاد والصديق الشخصي لأول رئيس لها، وهو سليل دوحة شريفة ووازنة تاريخيا في مجتمعها، وكيف لا وهو من جيل الضباط الثاني في موريتانيا؛ وتقلد وظائف عسكرية وإدارية، ولكن عبد القادر من معدن آخر من الرجال، يتطلع إلا بناء مستقبل حضاري لائق بشعبه، وليس لبناء بيت من طين وحجارة!
إنه بعثي حقيقي من أولائك الذين قال فيهم القائد المؤسس:" ... كان هناك دائما لدى البعثيين الحقيقيين شيء ثمين في الشعور والفكر ذلك أن بينهم وبين الأمة عهدا يربط حياتهم كلها لهم طريق ينبع من وجدانهم ولا يمكن أن يتراجعوا عنه أو يحيدوا. كل مغريات الدنيا لا تكفي ولا تغني عن حياة المبدأ؛ هذا الطريق هو أيضا طريق الشعب ولا يمكن أن يسير البعثيون في طريق والشعب في طريق أخرى.. أما المستحيل في نظرهم وما يعادل الكفر فهو أن يقفوا ضد الشعب... خير لهم أن يكونوا مظلومين لا ظالمين. هذا هو الخط التاريخي، الخط الأصيل، الخط الأخلاقي، خط الوحدة العربية، خط النضال الشعبي،... مهما كان النضال شاقا وطويلا...". هكذا كان خط عبد القادر ناجي مصطفى، المناضل الصلب، والكاتب السياسي الملتزم، والمدافع المخلص عن المظلومين والمضطهدين على أساس الرابطة القومية ذات المضمون الإنساني الثوري.
التقيت عبد القادر ناجي، عندما عزمت على الكتابة عنه في 25 فبراير 2009 بالمقر المركزي لحزب الصواب، وأخبرته بهذا المشروع، الذي استجاب له؛ فطلبت منه أن يلتزم معي على منهجية تسهل هذه المهمة علي وعلى القارئ، فوافق أن قسم حياته إلى أربع محطات:
أولا: عبد القادر في فترة الشباب
ثانيا: عبد القادر في المشرق العربي
ثالثا: عبد القادر ضابطا في الجيش الموريتاني
رابعا: عبد القادر بعد الحياة العسكرية
أولا: هو عبد القادر ناجي مصطفى، لأبيه ناجي مصطفى، ولأمه فاطمة منت بيديه، ولد في 10 أكتوبر 1944 خلافا لميلاده في الوثائق الرسمية(1949).
تلقى تعليمه الأساسي في مدينة اعيون العتروس، والإعدادية في كيهدي وأطار 1966؛ كان ذكيا ومتفوقا بحيث كان يحصل على الجائزة الأولى دائما.. لاحظ والده ذكاءه وحيويته، فأحاطه برعاية خاصة، حيث حرص على أناقته وتدليله. وعندما كان عبد القادر في المرحلة الإعدادية في أطار، كان والده مديرا في وزارة الدفاع الوطني، فانتهز عبد القادر الفرصة في الانخراط في العمل الشبابي، حيث أسس ناديا شبابيا ثقافيا في أطار، في منزل أهل همدي، وحين اكتشف الجمهور العام في المدينة حيوية هذا الشاب وشجاعته وعدم ركونه للملذات والدعة، اتصل به ولأول مرة محمد ولد اشدو، المتخرج من تونس والعامل في أطار بصفة كاتب صبط. حصل الاتصال الساعة الثانية بعد الظهر في مباني الإعدادية وقال له:" عبد القادر اعرف انك عربي وأن الاستعمار يحاول طمس هويتك"، وأخبره أن مظاهرة ستجري في أطار وروصو، وطلب منه أن يشارك مع شباب أطار في هذه المظاهرة. في هذه اللحظة دب في مفاصل عبد القادر، الشاب اليافع، الحس القومي، ولأنه كان متميزا في الدراسة وعارفا بالموسيقى ومتقنا للرياضة، ومحببا إلى أقرانه، اشتعل عبد القادر داخليا وتدفق حيوية ونشاطا فاتصل بأصدقائه في النادي الذين أقنعهم بالانخراط في العمل الاحتجاجي، ليتم اختياره بعد ذلك عنصر الربط بين المعلمين والتلاميذ، ولأنه كان يمقت العنصرية شكل عنصر استقطاب واجتذاب لكافة التلاميذ من مختلف القوميات الوطنية.. فلقد كان عبد القادر محل إعجاب لدى افال شبرنو، الذي عرف عبد القادر في إعدادية أطار، وقبل ذلك في إعدادية كيهيدي.
لقد ولد عبد القادر مولعا بالسياسة، حيث كان معجبا بقادة التحرر في العالم وخاصة الأفارقة، لأنه كان ينفعل انفعالا شديدا بالثورات والتمرد. تمكن عبد القادر بفضل جرأته ونشاطه أن يكون القائد والمحرك الفعلي لتلك المظاهرات، وحمل شعاراتها المطالبة بالتعريب وتأميم ميفرما. ورغم أنه كان حدثا صغيرا، فقد ألزم الشباب المتظاهرين بتجنب إتلاف أي شيء من الممتلكات العامة، ولكنه كان يحرضهم على إتلاف الكتب الفرنسية في مكتبة الإعدادية، كما أنه قام بصحبة المرحوم سميدع بإشعار التجار بضرورة إغلاق محلاتهم حين تبدأ المظاهرة. ولما بدأت المظاهرة التف حولها الشعب، وهو اليوم يحتفظ بذكريات طيبة لأسرة أهل همدي التي آزرت حركة الشباب في أطار، وكذلك عن الفنان ابادو، الذي خاف أولا من المظاهرات، لكنه حين سمع شعارات العروبة لم يتمالك حتى وقف ينشد لها!
وما زال عبد القادر يتذكر أنه كان يغيظ رواسب الاستعمار الفرنسي في البلاد؛ فذات يوم دخل عليهم أستاذهم الفرنسي في مادة التاريخ، وقال لهم" اليوم عندنا درس هام جدا، وعليكم تركيز انتباهكم، آمرا بوضع الأقلام، اليوم عندنا موضوع حول عبد القادر الجزائري، وحذا ري ليس عبد القادر ناجي". كان الأستاذ يقول هذا الكلام بنبرة جدية، فرد عليه عبد القادر الشاب:" صحيح ليس عبد القادر ناجي، ولكن عبد القادر الجزائري ابن عمي، وسترى العواقب...". فسكت الأستاذ الفرنسي.
كان عبد القادر حين أخبره محمدن ولد اشدو أنه عربي، وأن له هوية يعمل الاستعمار على طمسها، قد التقى بمجموعة منتقاة من خيرة أصدقائه لينقل إليهم لحظة ميلاد الوعي القومي في أوصاله.
في سنة 1966، التحق عبد القادر بوالده، الذي كان واليا في اكجوجت، ومكث معه أياما قليلة، حيث كان يريد السفر إلى نواكشوط.. لكن تصادف أن الرئيس الأسبق المرحوم المختار ولد داداه- وكان صديقا شخصيا حميما لوالد عبد القادر- كان في زيارة لمدينة انواذيبو؛ ومر بطائرته في اكجوجت لي يمضي راحة مع صديقه ناجي مصطفى، الذي قال لعبد القادر" هل ما زلت ترغب في السفر إلى نواكشوط؟"، فرد عبد القادر إيه، حيث سافر في طائرة الرئيس وبقي الرئيس نفسه في أكجوجت.. ويتذكر عبد القادر أنه حين وصل في طائرة الرئيس إلى نواكشوط، كانت السلطات جميعا في المطار لاستقبال السيد الرئيس، ولكنها تفاجأت أن الرئيس لم يأت في الطائرة، وعندما ذهب عبد القادر إلى منزل إقامته داهمته الشرطة وسألته" أين تركت الرئيس؟"، فرد عليهم" تركته مع والدي في اكجوجت"!!.
وذات مساء في نواكشوط، قرب مدينة"R" عند الغروب، التقى به محمد يحظيه ولد ابريد الليل في ذلك المكان وهو يومئذ مليء بالأشجار والأعشاب. لم يكن يعرفه ولكنه سمع من والده الإعجاب به وبمحمد سعيد ولد حسين الملقب الداه.
في هذا اللقاء أبدى عبد القادر حماسا كبيرا للسفر إلى دولة عربية، مع أنه كان يجهل تماما اللغة العربية؛ عندها أخبره ولد ابريد الليل أن يهيأ نفسه للسفر دون أن يحدد له الوجهة.
تهيأ عبد القادر ولم يجد يحظيه أو أحدا من عنده، غير أن والده فطن أنه منشغل نفسيا بموضوع ما، فقال له: " لما أنت مهتم.. أنا أعمل لإيجاد منحة دراسية لك في بلجيكا"، خصوصا وأن عبد القادر قد اجتاز بامتياز اختبارا في الهندسة على يد أستاذ فرنسي.
غير أن عبد القادر طلب من والده أن يصدر له جواز سفر، فحصل له ذلك ليقرر عبد القادر السفر مع ناقل لبناني إلى دكار. في دكار نزل عبد القادر في بيت بكار ولد احمدو، سفير موريتانيا في السينغال، وهو رجل تربطه علاقات أسرية قوية مع أسرة عبد القادر، ليتوجه إلى الجامعة حيث مكث بها أسبوعا تقريبا، دون أن يغادر الحي الجامعي خوفا من المخابرات.. كان عبد القادر في ذلك ينتظر الحصول على تذكرة سفر إلى سوريا، حسب ما أبلغته به عناصر موريتانية في جامعة دكار. وفي الأخير حصل على تذكرة مع خمسة موريتانيين، من بينهم الشيخ ولد عبد الجليل، وهو اليوم أستاذ متقاعد، وآخر يدعى اخليهنه، الذي عمل لاحقا في الوكالة الموريتانية للصحافة.
ثانيا: عبد القادر في المشرق العربي
تفجر الوعي القومي في دواخل عبد القادر، ذلك الشاب الممتلئ حياة وعنفوانا وقوة بدنية، فسافر إلى سوريا مهد العروبة والإسلام ومنبع الحضارات البشرية.. كان يغادر وطنه، حيث الاستعمار ما زال جاثما بثقافته وشخوصه، وحيث القطرية المقيتة تتجذر في النظام التربوي الذي تركه الاحتلال الفرنسي؛ فكان يسعى إلى الارتواء من ثقافة الوحدة والترفع عن التعاطي القطري، وإلى الأهداف الكبرى للأمة العربية التي تستحق التضحية العظيمة، تعطي لشاب حيوي متوقد مثله معنى الحياة.
حط عبد القادر ناجي مصطفى في مطار دمشق العروبة والإسلام، ووطأت قدماه لأول مرة ثرى الشام، فوقع بصره قبل أي شيئ على شعار" أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"، حفر هذا الشعار على واجهة المطار، حيث سلم عبد القادر جواز سفره للسلطات المعنية، ليستلم الجواز وقد كتبت عليه باللون الأحمر عبارة" يرجى مراجعة إدارة الأمن خلال 15 يوما".. ولأن عبد القادر لا يجيد يومئذ اللغة العربية، فقد ترجمها له أصدقاؤه لأنها جلبت انتباهه، كونها مكتوبة بالون الأحمر، مستفيدا من الثقافة الإدارية لوالده الذي علمه من قبل أن أي وثيقة إدارية مكتوبة باللون الأحمر أو تتضمن مقطعا بهذا اللون، فإنه يعني الخطورة وتركيز الانتباه.. ولما ألم عبد القادر بمعنى هذه العبارة أقسم لأصدقائه أنه لن يراجع إدارة الأمن، لأنه لا يقبل تصنيفه في خانة الأجانب في سوريا، خصوصا وأنه قرأ على واجهة المطار شعار الوحدة.
مضت المهلة المسموح بها لمراجعة إدارة الأمن ولم يراجعها عبد القادر، فأمسكته الشرطة على ضفة نهر بردى المداعب لدمشق، حيث قيدته واقتادته إلى القضاء، لكنه كان واثقا من نفسه ومن مضمون ذلك الشعار، وإذن فهو موقن بالانتصار في معركته القضائية.. فتحت المحاكمة وجلس عبد القادر إلى جانب الأجانب المتهمين بانتهاك القانون، ولما ناداه القاضي يطلب اسمه ومن أي بلد، أجابه" أنا من موريتانيا"، فرد عليه القاضي" هل تعرف أنك خالفت قوانين البلد" فقال عبد القادر بثقة مطلقة" أنا لست أجنبيا، أنا عربي ومن دولة عربية، وأنا في دولة عربية، وقرأت على واجهة مطار دمشق أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"، ويتذكر عبد القادر أنه ما إن أكمل رده على القاضي حتى رن عليهم الجرس، وإذا رجل يطلب من القاضي إيقاف محاكمة عبد القادر، لأن الحكومة السورية التي أنهت لتوها اجتماعا، أصدرت فيه قرارا يعتبر الموريتانيين عربا وهم ليسوا معنيين بتطبيق القانون المتعلق بالأجانب!
خرج عبد القادر منتصرا في أول معاركه القومية ضد القطرية، غير أنه أصيب بمرض اللوزتين، حيث انتفخت رقبته، وأبعدته السلطات الصحية إلى ناحية خارج دمشق تحوطا؛ فكان رفيقه لاحقا الداه ولد حسين خير معين، فكان يعالج عبد القادر ويناوله الطعام حتى استعاد صحته التي توعكت بسبب اختلاف المناخ بين الشام والصحراء في موريتانيا. لذا، انخرط في الحياة بصورة عادية كأنه في وطنه دون تمييز، حيث دخل دورة تعليمية للرفع من مستواه في اللغة العربية؛ ولأنه كان حريصا على إتقان هذه اللغة- التي غربه عنها الاستعمار الثقافي الفرنسي- فقد فضل أن يبدأ بأدنى مستوى، أي مع الأطفال!.
تعلم عبد القادر لغته في سوريا، لكنه بعد سنة، شد انتباه السوريين الذين أعجبوا به أيما إعجاب، فعملوا كل جهدهم ليقنعوه إلى الانتماء لحزب البعث، لكنه امتنع، كونه في تلك الفترة مناهضا للحزبية، مع أنه متشبع بالعروبة وقارئا نهما للفكر القومي، دون انتماء حزبي.
قبل ثورة البعث في 17 يوليو 1968 في العراق بثلاثة أشهر، رحل عبد القادر من دمشق إلى بغداد بدافع الاستزادة من الوعي الحضاري والثقافي حصرا ؛ لأنه كان مقتنعا أن الحزبية هي التي أفسدت الأمة العربية. في بغداد ، تعرف عبد القادر على رجل عراقي يدعى خالد اتشيرشيل ، الذي كان مدير القسم الداخلي للطلبة العرب . وكما فعل السوريون من قبل، بذل هذا العراقي جهودا مضنية لإقناع عبد القادر بالانتماء لحزب البعث، لكنه فشل في ذلك بسبب إصرار هذا الشنقيطي العنيد على موقفه.. غير أن العراقيين نظرا لإعجابهم الجنوني بحيوية عبد القادر وجرأته وشجاعته لم يقنطوا ؛فعاودوا المحاولة من جديد، وبصورة مكثفة ، حيث في النهاية استجاب عبد القادر بشرط أن يلتزموا له ألا يتنازل الحزب، تحت أي ظرف، عن أي شبر من الأرض العربية ؛فقبل العراقيون، بطبيعة الحال..
انتمى عبد القادر ناجي مصطفى لحزب البعث العربي الاشتراكي في بغداد 1968 ، وكان يتصل به شخص تونسي يدعى سميدع ،مدير مكتب المغرب العربي في الحزب، ليجد نفسه لاحقا في أول خلية تنظيمية للحزب ضمت معه ،ضمن آخرين عرب، بابا الغوث؛ وكانت الاجتماعات تجري في حي كرادة مريم ، ببغداد..
أسس عبد القادر في العراق أول رابطة للطلبة الموريتانيين المتدربين في العراق؛ وهي الرابطة التي خلفه فيها رفيقه المرحوم خطري ولد الطالب جدو ، بعدما التحق عبد القادر بالكلية العسكرية في سنة 1973 ، ليتخرج منها ضابطا في سلاح المدرعات بعد ثلاث سنوات ، أي في 1975.. لقد تصادف أن هذه السنة هي التي اندلعت فيها حرب الصحراء الغربية، التي اشتركت فيها موريتانيا..
كان عبد القادر حزينا لنشوب هذه الحرب بين الأشقاء ، إلا أنه مع ذلك اعتقد أن الواجب الوطني يملي عليه الدفاع عن بلده. لذا، قام بتحرير رسالة خطية إلى الرئيس المرحوم المختار ولد داداه ، وهو كما سبق صديق حميم لوالده، يطلب فيها السماح له بالالتحاق بالجيش الموريتاني للدفاع عن الوطن..
قبل الرئيس المرحوم هذا الطلب ، لكن بعضا من المعاونين المدنيين والعسكريين اعترض عليه، من ضمنهم معاوية ولد سيدي احمد الطايع ( رئيس لاحقا)، وملاي ولد بو اخريص بحجة أن عبد القادر بعثي، وهو أول من نظم مظاهرة في أطار من أجل التأميم ، وعليه لا يمكن قبول بعثي يجاهر ببعثيته في صفوف الجيش الوطني. في المقابل، دافع عن انتسابه للجيش ، على الأقل في الظاهر، كل من دحان ولد أحمد محمود و محمد خونا ولد هيداله. لم يكترث المرحوم المختار باعتراض معاونيه، وأمر بإرسال تذكرة سفر لعبد القادر ، معبرا عن قبول طلبه، لكن حزب البعث سبق مجيء التذكر ة من موريتانيا وتحمل سفر عبد القادر إلى وطنه. لم يكن عبد القادر ،في حقيقة الأمر،يخشى من رفض طلبه بسبب علاقة أبيه المكينة مع الرئيس ، ولكن بعد قدومه أصر على إدخال رفيقه محمد سعيد ولد الحسين في الجيش، الذي سبقه للتخرج من الكلية العسكرية في سوريا، ومنعته قيادة الجيش الموريتاني من دخول القوات المسلحة الوطنية.. لقد كانت العناصر الافرنكوفونية في الجيش تواجه بحزم دخول العناصر المناصرة للتعريب ؛ فكانت المعركة محتدمة ، وعندما تضطر هذه العناصر الافرانكوفونية لقبول دخول العناصر العروبية تعمد إلى ركنهم في أسلاك الشرطة والأسلاك شبه العسكرية. دخل عبد القادر الجيش الموريتاني 1975، حيث عمل في مجال الدبابات ؛ وهو مجال تخصصه العسكري ، فبادر إلى تكوين مجاميع الدروع لأول مرة في القوات المسلحة الوطنية ، مما اقتضى منه السفر إلى المملكة المغربية لمواكبة هذا التكوين . وكما في المشرق العربي،نال عبد القادر ناجي إعجاب العسكريين المغاربة.. وذات مرة، قال له قائد الجيش المغربي في الجنوب، ويدعى عبد القادر بوشتا:" أنت ضيف خاص لسيدنا (يعني الملك الحسن الثاني) ... وأنا مستعد للسفر بك الليلة إلى مدينة الدار البيضاء ،حيث أنت في انتظار شيك أبيض تحط فيه المبلغ الذي تريد "، وكان الضابط المغربي يرتجف أثناء ذلك من الخوف أن يرفض عبد القادر ناجي نهائيا هذه المكرمة الملكية؛ عندها قبل عبد القادر الذهاب مبدئيا إلى الدار البيضاء ، حيث أدخله الضابط المغربي في محل تجاري ضخم، قائلا له" خذ ما تريد" .. فقام عبد القادر ، بدافع المجاملة والتأدب ، بأخذ بانطالون وبدلة رياضية !!.
وهنا، كاد الضابط المغربي أن يقع على الأرض من فرط الدهشة، قائلا:" كيف تأخذ هذا فقط من مكرمة الملك - بانطالون؟! فرد عليه عبد القدر "أنا ذاهب غدا إلى وطني!
عاد عبد القادر ناجي مصطفى إلى موريتانيا ، وتوجه مباشرة إلى ساحة المعركة؛ حيث شارك في العديد من العمليات العسكرية؛ فقاد معركة تورين، ومعركة ازويرات ،التي أصيب فيها بجراح في خاصرته، وكان اعلي ولد محمد فال مكلفا في هذه المعركة بحماية دبابة عبد القادر..
ظل عبد القادر في الخطوط الأمامية لساحة العمليات القتالية حتى وضعت الحرب أوزارها؛ وهو ما يزال يتذكر أنه أخفى جراحه لبعض الوقت عن رفاقه في السلاح، كونه يشعر بآلام أشد وقعا في نفسه جراء الحرب بين الأشقاء.
كان عبد القادر محبوبا من الجنود الذين خدموا معه، لأنه لم يقبل أبدا أن يخون أمانة الجيش أو يستخدم مؤن الجنود في بنائه ذاتيا في شراء النعم وتشييد القصور!!.
لم يكن عبد القادر ناجي عسكريا فنيا عاديا، بل كان حاملا لأحلام أمة، لا تغيب عنه رسالتها الحضارية.. وذات يوم، لاحظ أن شركة اسنيم ، في تلك الفترة، تستخدم سيارات للألعاب تحمل النجمة السداسية ، فسارع إلى الوالي، وهو يومئذ ماموني ولد المختار ليبلغه ذلك ، طالبا منه رفع هذه النجمة، كما اتصل بالممثل الإداري للشركة ، وهو فرنسي، لذات الغرض، معربا له أن هذه النجمة تجرح بعمق مشاعر الشعب الموريتاني.. لم يضيع عبد القادر الوقت، بل إنه بادر إلى فتح أول قسم للتعليم باللغة العربية في الجيش الموريتاني، لصالح أفراد الجيش على مستوى مختلف الأسلحة.. ويرجع تجسيد فكرة هذا القسم، الذي طال ما دعا إليه عبد القادر، إلي ذلك اليوم حين كان نازلا من سلم قيادة الأركان 1979، فشاهده معاوية ولد سيدي احمد الطايع (رئيس أركان يومها).. كانت الساعة تشير إلى حدود 12 زوالا، فناداه" يا عبد القادر! كم يمكنك أن تحصل عليه من الأفراد الراغبين في التعليم بالعربية، إذا فتحنا لك قسما بهذه اللغة!". فرد عليه عبد القادر" على مائة رجل"، فاندهش معاوية من العدد، مبديا استعداده لفتح القسم، لكنه أردف قائلا" القسم سيفتح دون مساعدة".
لم يتوقف الزمن، ولم يتوقف عبد القادر عن أفكاره ومشاريعه، ففتح القسم بالعربية للجنود الموريتانيين، وكان بحق فتحا مبينا.
وذات مرة، ضاق رئيس القسم الفرنسي، وهو ضابط فرنسي يدعى "لنكيه"، بالقسم العربي في الجيش وغضب من عبد القادر لأنه استطاع أن يحقق فكرته، قائلا" أنت تريد فتح قسم بالعربية داخل الجيش، وهناك أناس لا يعرفون العربية"، وكان يقصد الإخوة الزنوج، فرد عليه عبد القادر" هذا لا يخصك، وعليك أن تعرف دورك، أنت مجرد مستشار ولا دخل لك في شؤوننا". عندها، اتصل الرائد الفرنسي بالرائد المرحوم احمد ولد عبد الله، وكان عين للتو مديرا للمدرسة العسكرية في أطار، قائلا" إنني أتعرض لمشاكل من طرف الملازم عبد القادر ناجي"، فرد عليه احمد ولد عبد الله" سألتحق بكما"، وعندما قدم إليهما جمعهما واستمع لكيليهما، وقال للرائد الفرنسي" أنت رئيس القسم الفرنسي وعبد القادر رئيس القسم العربي، وليست لك عليه أي سلطة، و إذا كنت لا تقبل ذلك فسأقطع لك تذكرة سفر هذا اليوم لتعود إلى بلدك، بل إن المرحوم احمد ولد عبد الله قد دفع 250 ألف أوقية لشراء مستلزمات القسم العربي، حيث اشترى عبد القادر بها بعض الكتب التاريخية، لأن الكتب العسكرية ليست موجودة في المكتبة الوطنية، ولأن عبد القادر سبق له أن اقتنى بعض هذه الكتب من العراق.
وعند ما كان الضابط الفرنسي أمام واقع قسم عربي للجنود الموريتانيين، قال لعبد القادر" أنا اليوم عرفت أنك لست موريتانيا!" فقال عبد القادر"كيف؟" فرد عليه الفرنسي" لأنك لا تتعب، فأنت تحضر التعبئة في القسم الفرنسي ثم تقوم مباشرة بالتعبئة في القسم العربي!".. كان عبد القادر يفعل ذلك خشية أن يحصل انفصام في التكوين بين المجموعات المكونة بالفرنسية والمجموعات المكونة بالعربية، مع أنه كان يخص المعربين بخبرته العسكرية التي اكتسبها من المشرق.
ويتذكر عبد القادر أن أول درس يقدم بالعربية للجنود الموريتانيين جرى طبعه في إعدادية أطار، التي يديرها في ذلك الوقت إسلمو ولد محمد فال( هو اليوم سفيرا).. لم يدخر عبد القادر أي جهد لتطوير مناخ الانسجام والمحبة بين العسكريين الموريتانيين ، عربا وزنوجا، ولم يحصل يوما أن انتقص من حق أي جندي ، عربي أو زنجي، بل كان يعامل الجميع على قدم المساواة..
كان عبد القادر ، بفضل حيويته وقربه من قلوب الجنود، محل خوف من القيادات العسكرية العليا؛ وهو يتذكر أنه أثناء محاولة 16 مارس 1980 ، أبلغ أحمدو ولد عبد الله معاوية ، قائد الأركان، أنه مستعد لإرسال الضابط عبد القادر ناجي إلى انواكشوط لمساعدة القيادة، فرد عليه معاوية بعبارة " إلا عبد القادر"! ..
وكان المرحوم ، قائد الأركان السابق يال عبد الله، قد سجل في الدفتر العسكري لعبد القادر العبارة التالية" ضابط حيوي ،نشط ، ولكن يتوجب مراقبته عن كثب".. وعندما كان عبد القادر ناجي مصطفى حاكما في (شوم) ، كان يوزع بولصات الوقود على الفقراء ويمنعها عن الأغنياء، وحين كان الحاكم العسكري والمدني لـ(بير أم أكرين) ، أرسلت إليه السلطات العليا (في عهد محمد خونا ولد هيداله) المعتقل عبد الله ولد اسماعيل ( وزير سابق ورجل أعمال حاليا) لقضاء عقوبة السجن هناك، مع رسالة خاصة من السلطات الأمنية تطلب فيها ممارسة القسوة في حق هذا المعتقل، فما كان من عبد القادر إلا أن أسكن ولد اسماعيل في منزله الخاص ، وأنعم عليه بكل ما في استطاعته ، حتى كان لا يسقيه إلا بماء بالنشاب المعدني!! وتقاسم معه مأكله وملبسه.
وهنا لا يترك عبد القادر الفرصة تمر دون أن يشيد بوفاء عبد الله ولد اسماعيل بعد ذلك، في وقت تنكر له فيه كثيرون ، بل إنهم يهربون اليوم من وجهه!!
ولأن عبد القادر بعثي ، متشبع بحب الشعب، ويريد أن يعيش من أجله ، فإنه لا تفارقه صورة تلك المرأة الفقيرة التي جاءته يوما تطلب صطلا من الماء، وهو الحاكم المدني والعسكري!، لتسقي شياهها ، فأثر حالها في نفسه وتأمل مليا في موضوعها ، وفي النهاية قرر أن ينشئ خزانا من لبلاستيك أطلق عليه "بحيرة فلسطين"!، واضعا هذا الخزان تحت تصرف المواطنين لسقي قطعان المعز في مدينة بير أم اكرين!!.. وفي هذا السياق، وهو أيضا الحاكم المدني والعسكري، أقدم رجل من البولساريو على سرقة قطيع من الإبل ، فأمر عبد القادر رجال الدرك بالبحث عنه ، حيث نجحوا في الإمساك بالرجل ، ليأتوا به إلى عبد القادر ، الذي لاحظ أن الرجل متعب جدا ومنهار نفسيا ، فأمر أحد معاونيه أن يذهب بالرجل إلى منزله، أي عبد القادر، لكي يستحم ويشرب الشاي ويستريح ، وأن يعطيه من أجود ثيابه المركونة في خزانة الملابس، وبعد ذلك يعيده إليه. نفذ المعاون التعليم ، وأجلس الرجل أمام عبد القادر في مكتبه ، حيث خاطبه، قائلا" لماذا ترتكب هذا الخطأ ، الذي يشوه صورة حركة البوليساريو التي تنتمي إليها... وهذه الحرب الدائرة هي بين الأشقاء سواء في موريتانيا أو المغرب أو الجزائر... وأنا لا أمانع في زيارة أي فرد من البوليساريو لأقاربه في أم اكرين، بشرط ألا يدخل بالسلاح". فما كان من الرجل إلا أن أجهش بالبكاء أمام هذه التوجيهات!.
ونحن إذ لا نستطيع أن نحصر هذه المواقف الإنسانية والوطنية والقومية، فإننا نقدم بعض النماذج الضاربة في الطيبة وكرم المحتد.. مرة تقاضى عبد القادر مرتباته متأخرة لمدة ستة أشهر ، فعمل على توزيعها على الجنود التابعين له بغية الرفع من معنوياتهم، وهم يومئذ مرابطون على الثغور1980 في مدينة ازويرات!.. وحين لاحظ سوء الوضعية التي كان يعيشها طبيبان فلسطينيان يعملان 1976 في هذه المدينة ، سارع عبد القادر إلى الاتصال بالوالي ، ماموني ولد المختار، ليبلغه بذلك، فعمد الوالي فورا إلى الاتصال بالمسؤول الإداري لشركة اسنيم من أجل تحسين وضعية هذين العربيين.
وقبل أن يصطاد طابور فرنسا هذا البطل الزاهد في الدنيا ومغرياتها ، ويفصلوه من الجيش الوطني 1984 ، كان عبد القادر قد حصل على وسام الشرف من الجيش الوطني لما أبداه من شجاعة في سوح القتال، وكان قد سبق مكر الماكرين ، ليكون أول من رسم هذا التقليد في البروتوكول الوطني :" تقيم الحليب والتمر للرئيس الزائر"!
قي 1984، اعتقل عبد القادر ناجي مصطفى في ظل نظام الرئيس محمد خونا ولد هيداله، بتهمة الانتماء لحزب البعث العربي الاشتراكي . وعندما جرى اعتقاله، قال له المحققون: " يقال إنك بعثي ؟" ، فرد عليهم " أنا منذ قدومي من المشرق وأنا أسمع أني بعثي وأن ولد هيداله من البوليساريو".. رفع المحققون التقرير إلى ولد هيداله ، الذي رد" هذا بعثي وأبعدوه –عني- تحت الإقامة الجبرية مع والده في قرية العزلات" (ولاية لبراكنة). ولما وصل عبد القادر إلى قريته طلب من الوالي أن يسمح له بتأسيس تعاونية زراعية ، أطلق عليها "الوحدة" .. ظل عبد القادر تحت الإقامة الجبرية إلى أن استفاد من العفو العام ، مع مجيء الرئيس السابق معاوية ولد سيدي احمد الطايع.
رابعا: عبد القادر بعد الجيش..
واصل عبد القادر ناجي مصطفى نضاله من أجل الشعب الموريتاني ، ومن أجل الأمة العربية وقضاياها الكبرى ؛ حيث نشط في كافة المناسبات ، مدافعا عن الشعب، كما لم يترك أي مناسبة قومية إلا وكان حاضرا فيها ؛ وهو اليوم رئيس جمعية الدفاع عن اللغة العربية ، لغة القرآن ولغة أهل هذه البلاد ،عربا وزنوجا، لأنهم جميعهم مسلمون. وهو يتذكر أنه حين دخل على الوزير الأول السابق محمد الأمين ولد الكيك ليطلعه على أهداف الجمعية، قال ولد الكيك لمستشاره" هذه هي الوطنية ، هذا شخص يأتي ليطلعنا على نشاط وطني لا يطلب عليه أي مقابل مادي".
كما تعاطفت معه في هذا المجال الوزيرة السابقة السنية منت سيدي هيبة، التي أعربت عن افتخارها بهكذا رجل مدافع عن القضايا الكبرى.
حرص عبد القادر على طيب العلاقة مع الإخوة الزنوج، لأنه يعتقد أن البعثي الحقيقي لا يمكن أن يكون عنصريا، لكنه لا يقبل الضعف، ذلك لأن العنصرية تتنافى مع المثل الإنسانية لحزب البعث، غير أن البعثيين تعرضوا لحملات تشويه رهيبة على أيدي الشيوعيين والشعوبيين عموما في هذه البلاد، وغيرها. ويثق عبد القادر أن أصدقاءه من الزنوج، الذين خبروه عن قرب، يعرفون هذه الحقيقة، من أمثال بابكر موسى وكي مختار، الرئيس السابق للمحكمة العسكرية المشتركة. وفي أثناء أحداث 1989، أمسك عبد القادر ناجي بذراع كي مختار داخل المحكمة قائلا له" هذه أحداث من صنع الحكام(معاوية وعبدو جوف) أما الشعبان فأخوان"؛ وهو إذ يقول ذلك إنما يعرف أنه تحت رصد الجواسيس!.. غير أن عبد القادر لا يخفي خوفه من أن يقع بعض الإخوة الزنوج في خطيئة المطالبة بالانفصال والمشاريع الانفصالية المدمرة. أما بالنسبة لشريحة الحراطين، فهو يعتبر أن البعثيين هم أول من تحرك، والأولى بتحرير هذه الفئة من أغلال العبودية والتخلف الاقتصادي والاجتماعي.
يتذكر أنه سبق أن وجه رسالة مفتوحة في الإعلام إلى السيد مسعود ولد بولخير(رئيس الجمعية الوطنية حاليا) يناشده فيها بالتحرر من العقد، وأن يواصل نضاله مع المتحررين، وفي مقدمتهم البعثيون.
مرارات تجد طريقها للتعبير عنها.
يحس المرء بغصة كبيرة في حق هذا المناضل المظلوم من وطنه، حين يعبر عن انغماس الموريتانيين في الملذات والهرولة وراء سراب الدنيا على حساب المعاني الكبيرة، والقيم الإنسانية. كما يسحب عبد القادر نفسا طويلا قادما من أعماق تجربة ما تزال متواصلة بعذابها وآلامها، عندما يقول" إن العهد والوفاء غائبين في النخبة الموريتانية، التي تنكر له كثير منها، ومن ضمنهم شخصيات محسوبة على البعث..." فأنا مريض- يقول عبد القادر- وأخذ مني المرض كل مأخذ، ولا أحد يتذكر أن لي عليه دين وحق!".. ويستثني عبد القادر الأستاذ المرحوم خطري ولد الطالب جدو من لائحة المتنكرين؛ ومن ضمن ما يؤلمه أكثر هو أن بعض أقرب أقاربه إليه يخشون منه، كأنه كائن غريب أو معدي، ويعتقد أن هؤلاء يخشون من الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي هذا السياق، فإنه يتذكر أنه عقب احتلال أمريكا للعراق، كان في لقاء بدار الشباب القديمة، وطلب من المدير الناشر لأسبوعية "لاتربين" محمد فال ولد عمير أن يجري معه مقابلة، غير أن ولد عمير اعتذر قائلا" لا استطيع لأن رادارات أمريكا اليوم مركزة عليك".. وكان بجانبه أحمد بابه مسكه ، الذي ابتعد عنه مباشرة بعد حديث ولد عمير!!.. مع ذلك لا يخفي عبد القادر افتخاره بأنه لم يزر دولة أجنبية ؛ وهو يبدي أسفه على مروره اضطراريا بفرنسا في طريقه إلى المشرق العربي، لأنها دولة استعمارية!
واليوم لا يعلم الناس أن هذا الرجل الذي أقعده المرض والظلم من ذوي الأرحام والرفاق هو عبد القادر الذي لم يتخل عن عفته وعزة نفسه وطهارة دخيلته؛ وهو عبد القادر ناجي مصطفى الذي يرجع الفضل إلى والده في تأسيس أول نواة للجيش الموريتاني، بطلب من الرئيس المرحوم المختار ولد داداه؛ فقد شكل ناجي مصطفى من مجموعة من المعلمين الشباب من مدينة كيهيدي هذه النواة، وهم:
المرحوم الشيخ ولد بيدي، المصطفى ولد ولاتي، المرحوم احمد ولد عبد الله، فياه ولد معيوف ومعاوية ولد سيد احمد الطايع.
ولا يعلم الكثير من الموريتانيين أن ناجي مصطفى هو الذي أشاد ذات يوم، أمام ولده عبد القادر في كيهيدي، بمؤسس مدارس الفلاح لاحقا المرحوم الحاج محمود با صاحب اليد الطولى في حفظ وتعليم اللغة العربية والعلوم الشرعية في بلادنا وبلدان غرب افريقيا.
وتدور الأيام ويسافر مؤسس مدارس الفلاح للعراق، سعيا لتمويل مشروع هذه المدارس.. في تلك الفترة كان عبد القادر في بغداد، فجاءه مؤسس مدارس الفلاح في الصباح الباكر، وكان عبد القادر في القسم الداخلي للطلاب، وطلب منه أن يساعده في الحصول على تمويل مشروع هذه المدارس من القيادة العراقية، لأن القيادة القومية أبلغته بضرورة تزكية مشروعه من عبد القادر.. عندها تذكر عبد القادر الرجل الذي أثنى عليه والده قبل ذلك بزمن بعيد ووصفه بالمجاهد العظيم، فوافق على الذهاب به إلى القيادة القومية لحزب البعث، مزكيا لهذا المشروع الشريف النبيل، الذي يسعى صاحبه لتدريس القرآن وعلوم اللغة العربية، حيث وافقت القيادة القومية على تمويل هذا المشروع دون تطفيف، ولم يسع عبد القادر لأخذ أي فلس من هذه المبالغ الطائلة. ويتذكر عبد القادر أنه طيلة وجوده في العراق كان يعطي ألأولوية في المنح الدراسية للإخوة الزنوج، إكراما لهم على دورهم الريادي في خدمة اللغة العربية والعلوم الإسلامية.. كما أنه يغيب عن الكثيرين أن عبد القادر- وهو البعثي المخلص الملتزم- اعترض على دخول الجيش العراقي للكويت، وجاهر بهذا الاعتراض في فندق مرحبا بانواكشوط أمام الإعلاميين العراقيين الذين وفدوا 1990 إلى موريتانيا لاستطلاع أراء الشعب الموريتاني، حيث تعجب منه العراقون قائلين" عجبا أنت الوحيد من بين المستطلعين آراءهم، الذي اعترض على استرجاع العراق لجزء من أرضه" لكن عبد القادر وقف إلى جانب العراق في مواجهته للجيوش الأجنبية 1991.
شخصيات قومية التقاها:
حصل أول لقاء له بالرئيس المرحوم احمد حسن البكر بمناسبة تخرجه من الكلية العسكرية بالعراق، وكان الرئيس شديد الإعجاب به وأصر أن يلقي كلمة الطلبة العرب المتخرجين من الكلية، حيث نقل عبد القادر من سرير المستشفى إلى الحفل، لأنه كان مريضا في هذه الأثناء. كما اجتمع مع الشهيد طه ياسين رمضان وحضر مواسم أشرف عليها شهيد الحجر الأكبر الرئيس المرحوم صدام حسين والمجاهد عزت ابراهيم.
عناصر بعثية نالت ثقته:
- المرحوم الأستاذ خطري ولد الطالب جدو لإخلاصه وأخلاقه وإنسانيته
- المرحوم محمدن ولد النحوي لنزاهته وإخلاصه
- محمد يحظيه ولد الطلبه لشدة ذكائه وقوة حافظته وإخلاصه قبل أن يتأثر بالحادث الذي ألم به.
كما يشيد بالخدمة التي قدمها الرئيس السابق المصطفى ولد الولاتي لوطنه.
ويتمنى عبد القادر على البعثيين أن يثبتوا على مبادئهم ونشر رسالتهم والإخلاص في سبيل هذه المبادئ الإنسانية العظيمة والاستمرار على خطها، كما يطلب منهم تقدير تضحيات رفاقهم.
هذا هو عبد القادر ناجي مصطفى ، الذي استطاب أن يدفع حياته ثمنا لنشر أفكاره ومبادئه، التي فضلها على مباهج الحياة ،وهو الابن المدلل لأقدم إداري في البلاد، والصديق الشخصي لأول رئيس فيها.. هذا هو عبد القادر الذي استدعاه الرئيس السابق معاوية ليقول له" عبد القادر أنت ابن ناجي مصطفى الذي بفضله دخلت الجيش وأريد أن أجازيه من خلالك" فرد عليه عبد القادر " المهم أن تدافع عن هوية هذه البلاد ولغتها الرائعة وان توزع ثروة البلاد وخيراتها بالعدل على المواطنين!".. هذا هو عبد القادر الذي استدعاه احد المديرين السابقين لمفوضية الأمن الغذائي ليعطيه حمولة شاحنة من الأرز ، فقال له عبد القادر " هذه أقوات الشعب الموريتاني وأنا لا أبيعها...!!".
إن عبد القادر هو أحد أفراد الصفوة، وقليل ما هم، الذين بقوا نظيفين في هذه البلاد، لم يتلطخوا بالمال الحرام ، ولم يهبطوا إلى قاع المذلة ، بل فضل مواصلة معركة الشرف في سبيل هذا الشعب وقضاياه العادلة.، وأعطى النموذج والمثال للبناة الحقيقيين والمصلحين الوطنيين ، الذين أبعدوا بقصد طيلة العقود الماضية عن مواقع القرار، وحرم الشعب والوطن من كفاءتهم وإخلاصهم ..
واليوم إذ ينساه وطن دافع عن ثغوره في أيام الملمات ، وإذ يتنكر له رجال عرفوا صدقه وخبروا نبله ، يبقى عبد القادر ناجي مصطفى الرجل المناضل الثابت أحق الناس ، في هذا الوطن، بالوفاء والخلود، وسينصفه التاريخ ... !!.
-----------------------
ملاحظة : كل المعلومات الواردة هنا ، دونت بمراجعة من عبد القادر ناجي مصطفى، وهو حي الآن يمشي بين الناس.
وذات يوم، دعاني إلى منزله، الكائن في لكصر(حي بالعاصمة انواكشوط)، لأتناول معه الغداء مع رفاق آخرين؛ ولاحظت أن عبد القادر يبحث عن شيء ما في أعماقنا.. كنت حذرا ومحاذرا في كلامي مخافة الوقوع في خطئ، أو يهوي بي لساني في زلة بحضرة شخص يأسرني بأخلاقه وطيبة سريرته.
وتمر الأيام بحلوها ومرها، ويجمعني وإياه موقف، ما كنت أدري أسبابه ولا أنا محيط بعواقبه؛ هو موقف الدفاع عن الرفيق الأستاذ المرحوم خطري ولد الطالب جدو في مواجهة حملات التشويه التي سعت من ورائها جهات سياسية متنفذة في نظام ولد الطايع لتنال من أعلى قامات النضال القومي وخصوصا البعثي منه في البلاد. تجذرت علاقتي بالرفيق عبد القادر عبر الرفيق المرحوم خطري ولد الطالب جدو، وأدركت أن عبد القادر يبحث عن الصدق والمحبة؛ يبحث عن الإخلاص والمبدأ... أنه يريد من يأخذ عنه هذه القيم السامية، وهو إلى الآن يسعى لإيجاد ضالته دون كلل.
مرت السنون والعقود، وتبدلت أحوال الناس، وانحلت عزائم وانعقدت أخرى؛ وبقي الرفيق عبد القادر ناجي كالجبل الأشم، لا يكترث بالعواصف ولا الأعاصير، حتى وإن أخذ منه المرض صحته، وتكالبت عليه قوى الظلم مستفردة به في ساحة مكشوفة، حيث لا نصير ولا ظهير!
ولطالما عنفتني نفسي: لماذا لا أكتب عن هذا الرجل الشريف، الكريم الأصيل، قبل أن يخطفه الموت دون العرفان له بالجميل!.. لماذا ينتظر الناس لوعة الموت حتى يكتبوا عن محامد الشرفاء!؟
لذا قررت أن أكتب عن هذا الرجل ليشكل المنصة التي أطل منها على استحضار واستذكار المعاني والقيم الرفيعة التي تحلى بها جيل كامل من البعثيين، منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا. فعبد القادر ناجي مصطفى - بحجم سيرة حياته الحافلة بالصدق والبراءة والتضحيات- كان ومازال سراجا وهاجا يمزق سجف الظلام ويكسر حلق اليأس أمام أجيال من الشباب المغمور بحب أمته، المطحون بواقع الاستبداد والحرمان. لقد عاش عبد القادر ناجي مصطفى الأمة العربية في وجدانه، بهمومها ومصائبها، بآلامها وآمالها، بأفراحها وأتراحها؛ لا يفرط بأي حق من حقوقها، ولا ينثني أمام أي إغراء مادي أو معنوي، أو انتفاع شخصي؛ فكان بحق صورة حية لحركة حزب البعث الثورية، التي أغناها في بلاد شنقيط بصموده وعفته وتضحياته. لقد كان بوسع عبد القادر ناجي أن يكون اليوم في أعلى قمة الطبقة المترفة في قطره، وهو ابن ناجي مصطفى أحد أقدم الإداريين في البلاد والصديق الشخصي لأول رئيس لها، وهو سليل دوحة شريفة ووازنة تاريخيا في مجتمعها، وكيف لا وهو من جيل الضباط الثاني في موريتانيا؛ وتقلد وظائف عسكرية وإدارية، ولكن عبد القادر من معدن آخر من الرجال، يتطلع إلا بناء مستقبل حضاري لائق بشعبه، وليس لبناء بيت من طين وحجارة!
إنه بعثي حقيقي من أولائك الذين قال فيهم القائد المؤسس:" ... كان هناك دائما لدى البعثيين الحقيقيين شيء ثمين في الشعور والفكر ذلك أن بينهم وبين الأمة عهدا يربط حياتهم كلها لهم طريق ينبع من وجدانهم ولا يمكن أن يتراجعوا عنه أو يحيدوا. كل مغريات الدنيا لا تكفي ولا تغني عن حياة المبدأ؛ هذا الطريق هو أيضا طريق الشعب ولا يمكن أن يسير البعثيون في طريق والشعب في طريق أخرى.. أما المستحيل في نظرهم وما يعادل الكفر فهو أن يقفوا ضد الشعب... خير لهم أن يكونوا مظلومين لا ظالمين. هذا هو الخط التاريخي، الخط الأصيل، الخط الأخلاقي، خط الوحدة العربية، خط النضال الشعبي،... مهما كان النضال شاقا وطويلا...". هكذا كان خط عبد القادر ناجي مصطفى، المناضل الصلب، والكاتب السياسي الملتزم، والمدافع المخلص عن المظلومين والمضطهدين على أساس الرابطة القومية ذات المضمون الإنساني الثوري.
التقيت عبد القادر ناجي، عندما عزمت على الكتابة عنه في 25 فبراير 2009 بالمقر المركزي لحزب الصواب، وأخبرته بهذا المشروع، الذي استجاب له؛ فطلبت منه أن يلتزم معي على منهجية تسهل هذه المهمة علي وعلى القارئ، فوافق أن قسم حياته إلى أربع محطات:
أولا: عبد القادر في فترة الشباب
ثانيا: عبد القادر في المشرق العربي
ثالثا: عبد القادر ضابطا في الجيش الموريتاني
رابعا: عبد القادر بعد الحياة العسكرية
أولا: هو عبد القادر ناجي مصطفى، لأبيه ناجي مصطفى، ولأمه فاطمة منت بيديه، ولد في 10 أكتوبر 1944 خلافا لميلاده في الوثائق الرسمية(1949).
تلقى تعليمه الأساسي في مدينة اعيون العتروس، والإعدادية في كيهدي وأطار 1966؛ كان ذكيا ومتفوقا بحيث كان يحصل على الجائزة الأولى دائما.. لاحظ والده ذكاءه وحيويته، فأحاطه برعاية خاصة، حيث حرص على أناقته وتدليله. وعندما كان عبد القادر في المرحلة الإعدادية في أطار، كان والده مديرا في وزارة الدفاع الوطني، فانتهز عبد القادر الفرصة في الانخراط في العمل الشبابي، حيث أسس ناديا شبابيا ثقافيا في أطار، في منزل أهل همدي، وحين اكتشف الجمهور العام في المدينة حيوية هذا الشاب وشجاعته وعدم ركونه للملذات والدعة، اتصل به ولأول مرة محمد ولد اشدو، المتخرج من تونس والعامل في أطار بصفة كاتب صبط. حصل الاتصال الساعة الثانية بعد الظهر في مباني الإعدادية وقال له:" عبد القادر اعرف انك عربي وأن الاستعمار يحاول طمس هويتك"، وأخبره أن مظاهرة ستجري في أطار وروصو، وطلب منه أن يشارك مع شباب أطار في هذه المظاهرة. في هذه اللحظة دب في مفاصل عبد القادر، الشاب اليافع، الحس القومي، ولأنه كان متميزا في الدراسة وعارفا بالموسيقى ومتقنا للرياضة، ومحببا إلى أقرانه، اشتعل عبد القادر داخليا وتدفق حيوية ونشاطا فاتصل بأصدقائه في النادي الذين أقنعهم بالانخراط في العمل الاحتجاجي، ليتم اختياره بعد ذلك عنصر الربط بين المعلمين والتلاميذ، ولأنه كان يمقت العنصرية شكل عنصر استقطاب واجتذاب لكافة التلاميذ من مختلف القوميات الوطنية.. فلقد كان عبد القادر محل إعجاب لدى افال شبرنو، الذي عرف عبد القادر في إعدادية أطار، وقبل ذلك في إعدادية كيهيدي.
لقد ولد عبد القادر مولعا بالسياسة، حيث كان معجبا بقادة التحرر في العالم وخاصة الأفارقة، لأنه كان ينفعل انفعالا شديدا بالثورات والتمرد. تمكن عبد القادر بفضل جرأته ونشاطه أن يكون القائد والمحرك الفعلي لتلك المظاهرات، وحمل شعاراتها المطالبة بالتعريب وتأميم ميفرما. ورغم أنه كان حدثا صغيرا، فقد ألزم الشباب المتظاهرين بتجنب إتلاف أي شيء من الممتلكات العامة، ولكنه كان يحرضهم على إتلاف الكتب الفرنسية في مكتبة الإعدادية، كما أنه قام بصحبة المرحوم سميدع بإشعار التجار بضرورة إغلاق محلاتهم حين تبدأ المظاهرة. ولما بدأت المظاهرة التف حولها الشعب، وهو اليوم يحتفظ بذكريات طيبة لأسرة أهل همدي التي آزرت حركة الشباب في أطار، وكذلك عن الفنان ابادو، الذي خاف أولا من المظاهرات، لكنه حين سمع شعارات العروبة لم يتمالك حتى وقف ينشد لها!
وما زال عبد القادر يتذكر أنه كان يغيظ رواسب الاستعمار الفرنسي في البلاد؛ فذات يوم دخل عليهم أستاذهم الفرنسي في مادة التاريخ، وقال لهم" اليوم عندنا درس هام جدا، وعليكم تركيز انتباهكم، آمرا بوضع الأقلام، اليوم عندنا موضوع حول عبد القادر الجزائري، وحذا ري ليس عبد القادر ناجي". كان الأستاذ يقول هذا الكلام بنبرة جدية، فرد عليه عبد القادر الشاب:" صحيح ليس عبد القادر ناجي، ولكن عبد القادر الجزائري ابن عمي، وسترى العواقب...". فسكت الأستاذ الفرنسي.
كان عبد القادر حين أخبره محمدن ولد اشدو أنه عربي، وأن له هوية يعمل الاستعمار على طمسها، قد التقى بمجموعة منتقاة من خيرة أصدقائه لينقل إليهم لحظة ميلاد الوعي القومي في أوصاله.
في سنة 1966، التحق عبد القادر بوالده، الذي كان واليا في اكجوجت، ومكث معه أياما قليلة، حيث كان يريد السفر إلى نواكشوط.. لكن تصادف أن الرئيس الأسبق المرحوم المختار ولد داداه- وكان صديقا شخصيا حميما لوالد عبد القادر- كان في زيارة لمدينة انواذيبو؛ ومر بطائرته في اكجوجت لي يمضي راحة مع صديقه ناجي مصطفى، الذي قال لعبد القادر" هل ما زلت ترغب في السفر إلى نواكشوط؟"، فرد عبد القادر إيه، حيث سافر في طائرة الرئيس وبقي الرئيس نفسه في أكجوجت.. ويتذكر عبد القادر أنه حين وصل في طائرة الرئيس إلى نواكشوط، كانت السلطات جميعا في المطار لاستقبال السيد الرئيس، ولكنها تفاجأت أن الرئيس لم يأت في الطائرة، وعندما ذهب عبد القادر إلى منزل إقامته داهمته الشرطة وسألته" أين تركت الرئيس؟"، فرد عليهم" تركته مع والدي في اكجوجت"!!.
وذات مساء في نواكشوط، قرب مدينة"R" عند الغروب، التقى به محمد يحظيه ولد ابريد الليل في ذلك المكان وهو يومئذ مليء بالأشجار والأعشاب. لم يكن يعرفه ولكنه سمع من والده الإعجاب به وبمحمد سعيد ولد حسين الملقب الداه.
في هذا اللقاء أبدى عبد القادر حماسا كبيرا للسفر إلى دولة عربية، مع أنه كان يجهل تماما اللغة العربية؛ عندها أخبره ولد ابريد الليل أن يهيأ نفسه للسفر دون أن يحدد له الوجهة.
تهيأ عبد القادر ولم يجد يحظيه أو أحدا من عنده، غير أن والده فطن أنه منشغل نفسيا بموضوع ما، فقال له: " لما أنت مهتم.. أنا أعمل لإيجاد منحة دراسية لك في بلجيكا"، خصوصا وأن عبد القادر قد اجتاز بامتياز اختبارا في الهندسة على يد أستاذ فرنسي.
غير أن عبد القادر طلب من والده أن يصدر له جواز سفر، فحصل له ذلك ليقرر عبد القادر السفر مع ناقل لبناني إلى دكار. في دكار نزل عبد القادر في بيت بكار ولد احمدو، سفير موريتانيا في السينغال، وهو رجل تربطه علاقات أسرية قوية مع أسرة عبد القادر، ليتوجه إلى الجامعة حيث مكث بها أسبوعا تقريبا، دون أن يغادر الحي الجامعي خوفا من المخابرات.. كان عبد القادر في ذلك ينتظر الحصول على تذكرة سفر إلى سوريا، حسب ما أبلغته به عناصر موريتانية في جامعة دكار. وفي الأخير حصل على تذكرة مع خمسة موريتانيين، من بينهم الشيخ ولد عبد الجليل، وهو اليوم أستاذ متقاعد، وآخر يدعى اخليهنه، الذي عمل لاحقا في الوكالة الموريتانية للصحافة.
ثانيا: عبد القادر في المشرق العربي
تفجر الوعي القومي في دواخل عبد القادر، ذلك الشاب الممتلئ حياة وعنفوانا وقوة بدنية، فسافر إلى سوريا مهد العروبة والإسلام ومنبع الحضارات البشرية.. كان يغادر وطنه، حيث الاستعمار ما زال جاثما بثقافته وشخوصه، وحيث القطرية المقيتة تتجذر في النظام التربوي الذي تركه الاحتلال الفرنسي؛ فكان يسعى إلى الارتواء من ثقافة الوحدة والترفع عن التعاطي القطري، وإلى الأهداف الكبرى للأمة العربية التي تستحق التضحية العظيمة، تعطي لشاب حيوي متوقد مثله معنى الحياة.
حط عبد القادر ناجي مصطفى في مطار دمشق العروبة والإسلام، ووطأت قدماه لأول مرة ثرى الشام، فوقع بصره قبل أي شيئ على شعار" أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"، حفر هذا الشعار على واجهة المطار، حيث سلم عبد القادر جواز سفره للسلطات المعنية، ليستلم الجواز وقد كتبت عليه باللون الأحمر عبارة" يرجى مراجعة إدارة الأمن خلال 15 يوما".. ولأن عبد القادر لا يجيد يومئذ اللغة العربية، فقد ترجمها له أصدقاؤه لأنها جلبت انتباهه، كونها مكتوبة بالون الأحمر، مستفيدا من الثقافة الإدارية لوالده الذي علمه من قبل أن أي وثيقة إدارية مكتوبة باللون الأحمر أو تتضمن مقطعا بهذا اللون، فإنه يعني الخطورة وتركيز الانتباه.. ولما ألم عبد القادر بمعنى هذه العبارة أقسم لأصدقائه أنه لن يراجع إدارة الأمن، لأنه لا يقبل تصنيفه في خانة الأجانب في سوريا، خصوصا وأنه قرأ على واجهة المطار شعار الوحدة.
مضت المهلة المسموح بها لمراجعة إدارة الأمن ولم يراجعها عبد القادر، فأمسكته الشرطة على ضفة نهر بردى المداعب لدمشق، حيث قيدته واقتادته إلى القضاء، لكنه كان واثقا من نفسه ومن مضمون ذلك الشعار، وإذن فهو موقن بالانتصار في معركته القضائية.. فتحت المحاكمة وجلس عبد القادر إلى جانب الأجانب المتهمين بانتهاك القانون، ولما ناداه القاضي يطلب اسمه ومن أي بلد، أجابه" أنا من موريتانيا"، فرد عليه القاضي" هل تعرف أنك خالفت قوانين البلد" فقال عبد القادر بثقة مطلقة" أنا لست أجنبيا، أنا عربي ومن دولة عربية، وأنا في دولة عربية، وقرأت على واجهة مطار دمشق أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"، ويتذكر عبد القادر أنه ما إن أكمل رده على القاضي حتى رن عليهم الجرس، وإذا رجل يطلب من القاضي إيقاف محاكمة عبد القادر، لأن الحكومة السورية التي أنهت لتوها اجتماعا، أصدرت فيه قرارا يعتبر الموريتانيين عربا وهم ليسوا معنيين بتطبيق القانون المتعلق بالأجانب!
خرج عبد القادر منتصرا في أول معاركه القومية ضد القطرية، غير أنه أصيب بمرض اللوزتين، حيث انتفخت رقبته، وأبعدته السلطات الصحية إلى ناحية خارج دمشق تحوطا؛ فكان رفيقه لاحقا الداه ولد حسين خير معين، فكان يعالج عبد القادر ويناوله الطعام حتى استعاد صحته التي توعكت بسبب اختلاف المناخ بين الشام والصحراء في موريتانيا. لذا، انخرط في الحياة بصورة عادية كأنه في وطنه دون تمييز، حيث دخل دورة تعليمية للرفع من مستواه في اللغة العربية؛ ولأنه كان حريصا على إتقان هذه اللغة- التي غربه عنها الاستعمار الثقافي الفرنسي- فقد فضل أن يبدأ بأدنى مستوى، أي مع الأطفال!.
تعلم عبد القادر لغته في سوريا، لكنه بعد سنة، شد انتباه السوريين الذين أعجبوا به أيما إعجاب، فعملوا كل جهدهم ليقنعوه إلى الانتماء لحزب البعث، لكنه امتنع، كونه في تلك الفترة مناهضا للحزبية، مع أنه متشبع بالعروبة وقارئا نهما للفكر القومي، دون انتماء حزبي.
قبل ثورة البعث في 17 يوليو 1968 في العراق بثلاثة أشهر، رحل عبد القادر من دمشق إلى بغداد بدافع الاستزادة من الوعي الحضاري والثقافي حصرا ؛ لأنه كان مقتنعا أن الحزبية هي التي أفسدت الأمة العربية. في بغداد ، تعرف عبد القادر على رجل عراقي يدعى خالد اتشيرشيل ، الذي كان مدير القسم الداخلي للطلبة العرب . وكما فعل السوريون من قبل، بذل هذا العراقي جهودا مضنية لإقناع عبد القادر بالانتماء لحزب البعث، لكنه فشل في ذلك بسبب إصرار هذا الشنقيطي العنيد على موقفه.. غير أن العراقيين نظرا لإعجابهم الجنوني بحيوية عبد القادر وجرأته وشجاعته لم يقنطوا ؛فعاودوا المحاولة من جديد، وبصورة مكثفة ، حيث في النهاية استجاب عبد القادر بشرط أن يلتزموا له ألا يتنازل الحزب، تحت أي ظرف، عن أي شبر من الأرض العربية ؛فقبل العراقيون، بطبيعة الحال..
انتمى عبد القادر ناجي مصطفى لحزب البعث العربي الاشتراكي في بغداد 1968 ، وكان يتصل به شخص تونسي يدعى سميدع ،مدير مكتب المغرب العربي في الحزب، ليجد نفسه لاحقا في أول خلية تنظيمية للحزب ضمت معه ،ضمن آخرين عرب، بابا الغوث؛ وكانت الاجتماعات تجري في حي كرادة مريم ، ببغداد..
أسس عبد القادر في العراق أول رابطة للطلبة الموريتانيين المتدربين في العراق؛ وهي الرابطة التي خلفه فيها رفيقه المرحوم خطري ولد الطالب جدو ، بعدما التحق عبد القادر بالكلية العسكرية في سنة 1973 ، ليتخرج منها ضابطا في سلاح المدرعات بعد ثلاث سنوات ، أي في 1975.. لقد تصادف أن هذه السنة هي التي اندلعت فيها حرب الصحراء الغربية، التي اشتركت فيها موريتانيا..
كان عبد القادر حزينا لنشوب هذه الحرب بين الأشقاء ، إلا أنه مع ذلك اعتقد أن الواجب الوطني يملي عليه الدفاع عن بلده. لذا، قام بتحرير رسالة خطية إلى الرئيس المرحوم المختار ولد داداه ، وهو كما سبق صديق حميم لوالده، يطلب فيها السماح له بالالتحاق بالجيش الموريتاني للدفاع عن الوطن..
قبل الرئيس المرحوم هذا الطلب ، لكن بعضا من المعاونين المدنيين والعسكريين اعترض عليه، من ضمنهم معاوية ولد سيدي احمد الطايع ( رئيس لاحقا)، وملاي ولد بو اخريص بحجة أن عبد القادر بعثي، وهو أول من نظم مظاهرة في أطار من أجل التأميم ، وعليه لا يمكن قبول بعثي يجاهر ببعثيته في صفوف الجيش الوطني. في المقابل، دافع عن انتسابه للجيش ، على الأقل في الظاهر، كل من دحان ولد أحمد محمود و محمد خونا ولد هيداله. لم يكترث المرحوم المختار باعتراض معاونيه، وأمر بإرسال تذكرة سفر لعبد القادر ، معبرا عن قبول طلبه، لكن حزب البعث سبق مجيء التذكر ة من موريتانيا وتحمل سفر عبد القادر إلى وطنه. لم يكن عبد القادر ،في حقيقة الأمر،يخشى من رفض طلبه بسبب علاقة أبيه المكينة مع الرئيس ، ولكن بعد قدومه أصر على إدخال رفيقه محمد سعيد ولد الحسين في الجيش، الذي سبقه للتخرج من الكلية العسكرية في سوريا، ومنعته قيادة الجيش الموريتاني من دخول القوات المسلحة الوطنية.. لقد كانت العناصر الافرنكوفونية في الجيش تواجه بحزم دخول العناصر المناصرة للتعريب ؛ فكانت المعركة محتدمة ، وعندما تضطر هذه العناصر الافرانكوفونية لقبول دخول العناصر العروبية تعمد إلى ركنهم في أسلاك الشرطة والأسلاك شبه العسكرية. دخل عبد القادر الجيش الموريتاني 1975، حيث عمل في مجال الدبابات ؛ وهو مجال تخصصه العسكري ، فبادر إلى تكوين مجاميع الدروع لأول مرة في القوات المسلحة الوطنية ، مما اقتضى منه السفر إلى المملكة المغربية لمواكبة هذا التكوين . وكما في المشرق العربي،نال عبد القادر ناجي إعجاب العسكريين المغاربة.. وذات مرة، قال له قائد الجيش المغربي في الجنوب، ويدعى عبد القادر بوشتا:" أنت ضيف خاص لسيدنا (يعني الملك الحسن الثاني) ... وأنا مستعد للسفر بك الليلة إلى مدينة الدار البيضاء ،حيث أنت في انتظار شيك أبيض تحط فيه المبلغ الذي تريد "، وكان الضابط المغربي يرتجف أثناء ذلك من الخوف أن يرفض عبد القادر ناجي نهائيا هذه المكرمة الملكية؛ عندها قبل عبد القادر الذهاب مبدئيا إلى الدار البيضاء ، حيث أدخله الضابط المغربي في محل تجاري ضخم، قائلا له" خذ ما تريد" .. فقام عبد القادر ، بدافع المجاملة والتأدب ، بأخذ بانطالون وبدلة رياضية !!.
وهنا، كاد الضابط المغربي أن يقع على الأرض من فرط الدهشة، قائلا:" كيف تأخذ هذا فقط من مكرمة الملك - بانطالون؟! فرد عليه عبد القدر "أنا ذاهب غدا إلى وطني!
عاد عبد القادر ناجي مصطفى إلى موريتانيا ، وتوجه مباشرة إلى ساحة المعركة؛ حيث شارك في العديد من العمليات العسكرية؛ فقاد معركة تورين، ومعركة ازويرات ،التي أصيب فيها بجراح في خاصرته، وكان اعلي ولد محمد فال مكلفا في هذه المعركة بحماية دبابة عبد القادر..
ظل عبد القادر في الخطوط الأمامية لساحة العمليات القتالية حتى وضعت الحرب أوزارها؛ وهو ما يزال يتذكر أنه أخفى جراحه لبعض الوقت عن رفاقه في السلاح، كونه يشعر بآلام أشد وقعا في نفسه جراء الحرب بين الأشقاء.
كان عبد القادر محبوبا من الجنود الذين خدموا معه، لأنه لم يقبل أبدا أن يخون أمانة الجيش أو يستخدم مؤن الجنود في بنائه ذاتيا في شراء النعم وتشييد القصور!!.
لم يكن عبد القادر ناجي عسكريا فنيا عاديا، بل كان حاملا لأحلام أمة، لا تغيب عنه رسالتها الحضارية.. وذات يوم، لاحظ أن شركة اسنيم ، في تلك الفترة، تستخدم سيارات للألعاب تحمل النجمة السداسية ، فسارع إلى الوالي، وهو يومئذ ماموني ولد المختار ليبلغه ذلك ، طالبا منه رفع هذه النجمة، كما اتصل بالممثل الإداري للشركة ، وهو فرنسي، لذات الغرض، معربا له أن هذه النجمة تجرح بعمق مشاعر الشعب الموريتاني.. لم يضيع عبد القادر الوقت، بل إنه بادر إلى فتح أول قسم للتعليم باللغة العربية في الجيش الموريتاني، لصالح أفراد الجيش على مستوى مختلف الأسلحة.. ويرجع تجسيد فكرة هذا القسم، الذي طال ما دعا إليه عبد القادر، إلي ذلك اليوم حين كان نازلا من سلم قيادة الأركان 1979، فشاهده معاوية ولد سيدي احمد الطايع (رئيس أركان يومها).. كانت الساعة تشير إلى حدود 12 زوالا، فناداه" يا عبد القادر! كم يمكنك أن تحصل عليه من الأفراد الراغبين في التعليم بالعربية، إذا فتحنا لك قسما بهذه اللغة!". فرد عليه عبد القادر" على مائة رجل"، فاندهش معاوية من العدد، مبديا استعداده لفتح القسم، لكنه أردف قائلا" القسم سيفتح دون مساعدة".
لم يتوقف الزمن، ولم يتوقف عبد القادر عن أفكاره ومشاريعه، ففتح القسم بالعربية للجنود الموريتانيين، وكان بحق فتحا مبينا.
وذات مرة، ضاق رئيس القسم الفرنسي، وهو ضابط فرنسي يدعى "لنكيه"، بالقسم العربي في الجيش وغضب من عبد القادر لأنه استطاع أن يحقق فكرته، قائلا" أنت تريد فتح قسم بالعربية داخل الجيش، وهناك أناس لا يعرفون العربية"، وكان يقصد الإخوة الزنوج، فرد عليه عبد القادر" هذا لا يخصك، وعليك أن تعرف دورك، أنت مجرد مستشار ولا دخل لك في شؤوننا". عندها، اتصل الرائد الفرنسي بالرائد المرحوم احمد ولد عبد الله، وكان عين للتو مديرا للمدرسة العسكرية في أطار، قائلا" إنني أتعرض لمشاكل من طرف الملازم عبد القادر ناجي"، فرد عليه احمد ولد عبد الله" سألتحق بكما"، وعندما قدم إليهما جمعهما واستمع لكيليهما، وقال للرائد الفرنسي" أنت رئيس القسم الفرنسي وعبد القادر رئيس القسم العربي، وليست لك عليه أي سلطة، و إذا كنت لا تقبل ذلك فسأقطع لك تذكرة سفر هذا اليوم لتعود إلى بلدك، بل إن المرحوم احمد ولد عبد الله قد دفع 250 ألف أوقية لشراء مستلزمات القسم العربي، حيث اشترى عبد القادر بها بعض الكتب التاريخية، لأن الكتب العسكرية ليست موجودة في المكتبة الوطنية، ولأن عبد القادر سبق له أن اقتنى بعض هذه الكتب من العراق.
وعند ما كان الضابط الفرنسي أمام واقع قسم عربي للجنود الموريتانيين، قال لعبد القادر" أنا اليوم عرفت أنك لست موريتانيا!" فقال عبد القادر"كيف؟" فرد عليه الفرنسي" لأنك لا تتعب، فأنت تحضر التعبئة في القسم الفرنسي ثم تقوم مباشرة بالتعبئة في القسم العربي!".. كان عبد القادر يفعل ذلك خشية أن يحصل انفصام في التكوين بين المجموعات المكونة بالفرنسية والمجموعات المكونة بالعربية، مع أنه كان يخص المعربين بخبرته العسكرية التي اكتسبها من المشرق.
ويتذكر عبد القادر أن أول درس يقدم بالعربية للجنود الموريتانيين جرى طبعه في إعدادية أطار، التي يديرها في ذلك الوقت إسلمو ولد محمد فال( هو اليوم سفيرا).. لم يدخر عبد القادر أي جهد لتطوير مناخ الانسجام والمحبة بين العسكريين الموريتانيين ، عربا وزنوجا، ولم يحصل يوما أن انتقص من حق أي جندي ، عربي أو زنجي، بل كان يعامل الجميع على قدم المساواة..
كان عبد القادر ، بفضل حيويته وقربه من قلوب الجنود، محل خوف من القيادات العسكرية العليا؛ وهو يتذكر أنه أثناء محاولة 16 مارس 1980 ، أبلغ أحمدو ولد عبد الله معاوية ، قائد الأركان، أنه مستعد لإرسال الضابط عبد القادر ناجي إلى انواكشوط لمساعدة القيادة، فرد عليه معاوية بعبارة " إلا عبد القادر"! ..
وكان المرحوم ، قائد الأركان السابق يال عبد الله، قد سجل في الدفتر العسكري لعبد القادر العبارة التالية" ضابط حيوي ،نشط ، ولكن يتوجب مراقبته عن كثب".. وعندما كان عبد القادر ناجي مصطفى حاكما في (شوم) ، كان يوزع بولصات الوقود على الفقراء ويمنعها عن الأغنياء، وحين كان الحاكم العسكري والمدني لـ(بير أم أكرين) ، أرسلت إليه السلطات العليا (في عهد محمد خونا ولد هيداله) المعتقل عبد الله ولد اسماعيل ( وزير سابق ورجل أعمال حاليا) لقضاء عقوبة السجن هناك، مع رسالة خاصة من السلطات الأمنية تطلب فيها ممارسة القسوة في حق هذا المعتقل، فما كان من عبد القادر إلا أن أسكن ولد اسماعيل في منزله الخاص ، وأنعم عليه بكل ما في استطاعته ، حتى كان لا يسقيه إلا بماء بالنشاب المعدني!! وتقاسم معه مأكله وملبسه.
وهنا لا يترك عبد القادر الفرصة تمر دون أن يشيد بوفاء عبد الله ولد اسماعيل بعد ذلك، في وقت تنكر له فيه كثيرون ، بل إنهم يهربون اليوم من وجهه!!
ولأن عبد القادر بعثي ، متشبع بحب الشعب، ويريد أن يعيش من أجله ، فإنه لا تفارقه صورة تلك المرأة الفقيرة التي جاءته يوما تطلب صطلا من الماء، وهو الحاكم المدني والعسكري!، لتسقي شياهها ، فأثر حالها في نفسه وتأمل مليا في موضوعها ، وفي النهاية قرر أن ينشئ خزانا من لبلاستيك أطلق عليه "بحيرة فلسطين"!، واضعا هذا الخزان تحت تصرف المواطنين لسقي قطعان المعز في مدينة بير أم اكرين!!.. وفي هذا السياق، وهو أيضا الحاكم المدني والعسكري، أقدم رجل من البولساريو على سرقة قطيع من الإبل ، فأمر عبد القادر رجال الدرك بالبحث عنه ، حيث نجحوا في الإمساك بالرجل ، ليأتوا به إلى عبد القادر ، الذي لاحظ أن الرجل متعب جدا ومنهار نفسيا ، فأمر أحد معاونيه أن يذهب بالرجل إلى منزله، أي عبد القادر، لكي يستحم ويشرب الشاي ويستريح ، وأن يعطيه من أجود ثيابه المركونة في خزانة الملابس، وبعد ذلك يعيده إليه. نفذ المعاون التعليم ، وأجلس الرجل أمام عبد القادر في مكتبه ، حيث خاطبه، قائلا" لماذا ترتكب هذا الخطأ ، الذي يشوه صورة حركة البوليساريو التي تنتمي إليها... وهذه الحرب الدائرة هي بين الأشقاء سواء في موريتانيا أو المغرب أو الجزائر... وأنا لا أمانع في زيارة أي فرد من البوليساريو لأقاربه في أم اكرين، بشرط ألا يدخل بالسلاح". فما كان من الرجل إلا أن أجهش بالبكاء أمام هذه التوجيهات!.
ونحن إذ لا نستطيع أن نحصر هذه المواقف الإنسانية والوطنية والقومية، فإننا نقدم بعض النماذج الضاربة في الطيبة وكرم المحتد.. مرة تقاضى عبد القادر مرتباته متأخرة لمدة ستة أشهر ، فعمل على توزيعها على الجنود التابعين له بغية الرفع من معنوياتهم، وهم يومئذ مرابطون على الثغور1980 في مدينة ازويرات!.. وحين لاحظ سوء الوضعية التي كان يعيشها طبيبان فلسطينيان يعملان 1976 في هذه المدينة ، سارع عبد القادر إلى الاتصال بالوالي ، ماموني ولد المختار، ليبلغه بذلك، فعمد الوالي فورا إلى الاتصال بالمسؤول الإداري لشركة اسنيم من أجل تحسين وضعية هذين العربيين.
وقبل أن يصطاد طابور فرنسا هذا البطل الزاهد في الدنيا ومغرياتها ، ويفصلوه من الجيش الوطني 1984 ، كان عبد القادر قد حصل على وسام الشرف من الجيش الوطني لما أبداه من شجاعة في سوح القتال، وكان قد سبق مكر الماكرين ، ليكون أول من رسم هذا التقليد في البروتوكول الوطني :" تقيم الحليب والتمر للرئيس الزائر"!
قي 1984، اعتقل عبد القادر ناجي مصطفى في ظل نظام الرئيس محمد خونا ولد هيداله، بتهمة الانتماء لحزب البعث العربي الاشتراكي . وعندما جرى اعتقاله، قال له المحققون: " يقال إنك بعثي ؟" ، فرد عليهم " أنا منذ قدومي من المشرق وأنا أسمع أني بعثي وأن ولد هيداله من البوليساريو".. رفع المحققون التقرير إلى ولد هيداله ، الذي رد" هذا بعثي وأبعدوه –عني- تحت الإقامة الجبرية مع والده في قرية العزلات" (ولاية لبراكنة). ولما وصل عبد القادر إلى قريته طلب من الوالي أن يسمح له بتأسيس تعاونية زراعية ، أطلق عليها "الوحدة" .. ظل عبد القادر تحت الإقامة الجبرية إلى أن استفاد من العفو العام ، مع مجيء الرئيس السابق معاوية ولد سيدي احمد الطايع.
رابعا: عبد القادر بعد الجيش..
واصل عبد القادر ناجي مصطفى نضاله من أجل الشعب الموريتاني ، ومن أجل الأمة العربية وقضاياها الكبرى ؛ حيث نشط في كافة المناسبات ، مدافعا عن الشعب، كما لم يترك أي مناسبة قومية إلا وكان حاضرا فيها ؛ وهو اليوم رئيس جمعية الدفاع عن اللغة العربية ، لغة القرآن ولغة أهل هذه البلاد ،عربا وزنوجا، لأنهم جميعهم مسلمون. وهو يتذكر أنه حين دخل على الوزير الأول السابق محمد الأمين ولد الكيك ليطلعه على أهداف الجمعية، قال ولد الكيك لمستشاره" هذه هي الوطنية ، هذا شخص يأتي ليطلعنا على نشاط وطني لا يطلب عليه أي مقابل مادي".
كما تعاطفت معه في هذا المجال الوزيرة السابقة السنية منت سيدي هيبة، التي أعربت عن افتخارها بهكذا رجل مدافع عن القضايا الكبرى.
حرص عبد القادر على طيب العلاقة مع الإخوة الزنوج، لأنه يعتقد أن البعثي الحقيقي لا يمكن أن يكون عنصريا، لكنه لا يقبل الضعف، ذلك لأن العنصرية تتنافى مع المثل الإنسانية لحزب البعث، غير أن البعثيين تعرضوا لحملات تشويه رهيبة على أيدي الشيوعيين والشعوبيين عموما في هذه البلاد، وغيرها. ويثق عبد القادر أن أصدقاءه من الزنوج، الذين خبروه عن قرب، يعرفون هذه الحقيقة، من أمثال بابكر موسى وكي مختار، الرئيس السابق للمحكمة العسكرية المشتركة. وفي أثناء أحداث 1989، أمسك عبد القادر ناجي بذراع كي مختار داخل المحكمة قائلا له" هذه أحداث من صنع الحكام(معاوية وعبدو جوف) أما الشعبان فأخوان"؛ وهو إذ يقول ذلك إنما يعرف أنه تحت رصد الجواسيس!.. غير أن عبد القادر لا يخفي خوفه من أن يقع بعض الإخوة الزنوج في خطيئة المطالبة بالانفصال والمشاريع الانفصالية المدمرة. أما بالنسبة لشريحة الحراطين، فهو يعتبر أن البعثيين هم أول من تحرك، والأولى بتحرير هذه الفئة من أغلال العبودية والتخلف الاقتصادي والاجتماعي.
يتذكر أنه سبق أن وجه رسالة مفتوحة في الإعلام إلى السيد مسعود ولد بولخير(رئيس الجمعية الوطنية حاليا) يناشده فيها بالتحرر من العقد، وأن يواصل نضاله مع المتحررين، وفي مقدمتهم البعثيون.
مرارات تجد طريقها للتعبير عنها.
يحس المرء بغصة كبيرة في حق هذا المناضل المظلوم من وطنه، حين يعبر عن انغماس الموريتانيين في الملذات والهرولة وراء سراب الدنيا على حساب المعاني الكبيرة، والقيم الإنسانية. كما يسحب عبد القادر نفسا طويلا قادما من أعماق تجربة ما تزال متواصلة بعذابها وآلامها، عندما يقول" إن العهد والوفاء غائبين في النخبة الموريتانية، التي تنكر له كثير منها، ومن ضمنهم شخصيات محسوبة على البعث..." فأنا مريض- يقول عبد القادر- وأخذ مني المرض كل مأخذ، ولا أحد يتذكر أن لي عليه دين وحق!".. ويستثني عبد القادر الأستاذ المرحوم خطري ولد الطالب جدو من لائحة المتنكرين؛ ومن ضمن ما يؤلمه أكثر هو أن بعض أقرب أقاربه إليه يخشون منه، كأنه كائن غريب أو معدي، ويعتقد أن هؤلاء يخشون من الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي هذا السياق، فإنه يتذكر أنه عقب احتلال أمريكا للعراق، كان في لقاء بدار الشباب القديمة، وطلب من المدير الناشر لأسبوعية "لاتربين" محمد فال ولد عمير أن يجري معه مقابلة، غير أن ولد عمير اعتذر قائلا" لا استطيع لأن رادارات أمريكا اليوم مركزة عليك".. وكان بجانبه أحمد بابه مسكه ، الذي ابتعد عنه مباشرة بعد حديث ولد عمير!!.. مع ذلك لا يخفي عبد القادر افتخاره بأنه لم يزر دولة أجنبية ؛ وهو يبدي أسفه على مروره اضطراريا بفرنسا في طريقه إلى المشرق العربي، لأنها دولة استعمارية!
واليوم لا يعلم الناس أن هذا الرجل الذي أقعده المرض والظلم من ذوي الأرحام والرفاق هو عبد القادر الذي لم يتخل عن عفته وعزة نفسه وطهارة دخيلته؛ وهو عبد القادر ناجي مصطفى الذي يرجع الفضل إلى والده في تأسيس أول نواة للجيش الموريتاني، بطلب من الرئيس المرحوم المختار ولد داداه؛ فقد شكل ناجي مصطفى من مجموعة من المعلمين الشباب من مدينة كيهيدي هذه النواة، وهم:
المرحوم الشيخ ولد بيدي، المصطفى ولد ولاتي، المرحوم احمد ولد عبد الله، فياه ولد معيوف ومعاوية ولد سيد احمد الطايع.
ولا يعلم الكثير من الموريتانيين أن ناجي مصطفى هو الذي أشاد ذات يوم، أمام ولده عبد القادر في كيهيدي، بمؤسس مدارس الفلاح لاحقا المرحوم الحاج محمود با صاحب اليد الطولى في حفظ وتعليم اللغة العربية والعلوم الشرعية في بلادنا وبلدان غرب افريقيا.
وتدور الأيام ويسافر مؤسس مدارس الفلاح للعراق، سعيا لتمويل مشروع هذه المدارس.. في تلك الفترة كان عبد القادر في بغداد، فجاءه مؤسس مدارس الفلاح في الصباح الباكر، وكان عبد القادر في القسم الداخلي للطلاب، وطلب منه أن يساعده في الحصول على تمويل مشروع هذه المدارس من القيادة العراقية، لأن القيادة القومية أبلغته بضرورة تزكية مشروعه من عبد القادر.. عندها تذكر عبد القادر الرجل الذي أثنى عليه والده قبل ذلك بزمن بعيد ووصفه بالمجاهد العظيم، فوافق على الذهاب به إلى القيادة القومية لحزب البعث، مزكيا لهذا المشروع الشريف النبيل، الذي يسعى صاحبه لتدريس القرآن وعلوم اللغة العربية، حيث وافقت القيادة القومية على تمويل هذا المشروع دون تطفيف، ولم يسع عبد القادر لأخذ أي فلس من هذه المبالغ الطائلة. ويتذكر عبد القادر أنه طيلة وجوده في العراق كان يعطي ألأولوية في المنح الدراسية للإخوة الزنوج، إكراما لهم على دورهم الريادي في خدمة اللغة العربية والعلوم الإسلامية.. كما أنه يغيب عن الكثيرين أن عبد القادر- وهو البعثي المخلص الملتزم- اعترض على دخول الجيش العراقي للكويت، وجاهر بهذا الاعتراض في فندق مرحبا بانواكشوط أمام الإعلاميين العراقيين الذين وفدوا 1990 إلى موريتانيا لاستطلاع أراء الشعب الموريتاني، حيث تعجب منه العراقون قائلين" عجبا أنت الوحيد من بين المستطلعين آراءهم، الذي اعترض على استرجاع العراق لجزء من أرضه" لكن عبد القادر وقف إلى جانب العراق في مواجهته للجيوش الأجنبية 1991.
شخصيات قومية التقاها:
حصل أول لقاء له بالرئيس المرحوم احمد حسن البكر بمناسبة تخرجه من الكلية العسكرية بالعراق، وكان الرئيس شديد الإعجاب به وأصر أن يلقي كلمة الطلبة العرب المتخرجين من الكلية، حيث نقل عبد القادر من سرير المستشفى إلى الحفل، لأنه كان مريضا في هذه الأثناء. كما اجتمع مع الشهيد طه ياسين رمضان وحضر مواسم أشرف عليها شهيد الحجر الأكبر الرئيس المرحوم صدام حسين والمجاهد عزت ابراهيم.
عناصر بعثية نالت ثقته:
- المرحوم الأستاذ خطري ولد الطالب جدو لإخلاصه وأخلاقه وإنسانيته
- المرحوم محمدن ولد النحوي لنزاهته وإخلاصه
- محمد يحظيه ولد الطلبه لشدة ذكائه وقوة حافظته وإخلاصه قبل أن يتأثر بالحادث الذي ألم به.
كما يشيد بالخدمة التي قدمها الرئيس السابق المصطفى ولد الولاتي لوطنه.
ويتمنى عبد القادر على البعثيين أن يثبتوا على مبادئهم ونشر رسالتهم والإخلاص في سبيل هذه المبادئ الإنسانية العظيمة والاستمرار على خطها، كما يطلب منهم تقدير تضحيات رفاقهم.
هذا هو عبد القادر ناجي مصطفى ، الذي استطاب أن يدفع حياته ثمنا لنشر أفكاره ومبادئه، التي فضلها على مباهج الحياة ،وهو الابن المدلل لأقدم إداري في البلاد، والصديق الشخصي لأول رئيس فيها.. هذا هو عبد القادر الذي استدعاه الرئيس السابق معاوية ليقول له" عبد القادر أنت ابن ناجي مصطفى الذي بفضله دخلت الجيش وأريد أن أجازيه من خلالك" فرد عليه عبد القادر " المهم أن تدافع عن هوية هذه البلاد ولغتها الرائعة وان توزع ثروة البلاد وخيراتها بالعدل على المواطنين!".. هذا هو عبد القادر الذي استدعاه احد المديرين السابقين لمفوضية الأمن الغذائي ليعطيه حمولة شاحنة من الأرز ، فقال له عبد القادر " هذه أقوات الشعب الموريتاني وأنا لا أبيعها...!!".
إن عبد القادر هو أحد أفراد الصفوة، وقليل ما هم، الذين بقوا نظيفين في هذه البلاد، لم يتلطخوا بالمال الحرام ، ولم يهبطوا إلى قاع المذلة ، بل فضل مواصلة معركة الشرف في سبيل هذا الشعب وقضاياه العادلة.، وأعطى النموذج والمثال للبناة الحقيقيين والمصلحين الوطنيين ، الذين أبعدوا بقصد طيلة العقود الماضية عن مواقع القرار، وحرم الشعب والوطن من كفاءتهم وإخلاصهم ..
واليوم إذ ينساه وطن دافع عن ثغوره في أيام الملمات ، وإذ يتنكر له رجال عرفوا صدقه وخبروا نبله ، يبقى عبد القادر ناجي مصطفى الرجل المناضل الثابت أحق الناس ، في هذا الوطن، بالوفاء والخلود، وسينصفه التاريخ ... !!.
-----------------------
ملاحظة : كل المعلومات الواردة هنا ، دونت بمراجعة من عبد القادر ناجي مصطفى، وهو حي الآن يمشي بين الناس.







