تاريخ الإضافة : 22.10.2009 10:58

وينامون في المطبخ

أحمد ولد باب أحمد ماستر الدراسات السامية فاس المغرب
babaora@gmail.com

كثيرا ما يخبرك صديق لك في الدراسة عن المتاعب والمعانات التي يواجهها في حياته الدراسية و كثيرا ما تنصت لأحاديث الكبار وتجربتهم في الخارج وملابسات التعاطي مع الظروف في سبيل التعلم واكتساب خبرات يسهمون بها في بناء الوطن، وفي الغالب تكون بوصفك طالب علم، مستعدا لتحمل أسوء الظروف وأنت سائر علي نهج سلفك لتكون خير خلف لخير سلف…

لكن نادرا ما تسمع عن تعاطي السفارات مع هؤلاء الطلاب المستعدين لرفع التحديات وقلما تسمع عن الظروف القاسية التي يعيش فيها الطلاب نتيجة تقصير السفارة في حقوقهم، وليس لك أن تسأل عن طبيعة المعاناة الأخرى التي يكابدونها في الظروف العادية… فقد تبقي منصتا ومتأملا أكثر من اللازم...

ما إن يعلن عن اسم الطالب من بين الممنوحين من طرف الوكالة المغربية للتعاون الدولي ويعرف التخصص والمدينة الموجه إليها أو يتم إعلان اسمه من بين الممنوحين من طرف الدولة الموريتانية حتى تبدأ رحلة المتاعب، وعلي المرء الفضولي أن يكتفي بمعرفة حيثيات معانات الطلاب المرتبطة بالإجراءات الإدارية وما ينجم عنها…

فالحصول علي تأشرة الدخول يتطلب إلحاحا وصبرا طويلين ليصل الطالب الأراضي المغربية وهو مصطحبا عنوان الأمين العام لاتحاد الطلبة والمتدربين الموريتانيين بالمغرب، ويتم استقباله من طرف الإتحاد الذي يكون ممثلوه بدورهم قد جهزوا منزلا يسيره رئيس يسهر علي تطبيق قوانين سنها الطلاب فيما بينهم ويكلف تنفيذها ميزانية عشر دراهم كل يوم يدفعها الطالب…

وفي الغالب يجد الطلاب أنفسهم في ورطة تتباين في وطأتها وكذلك في علاقتها بهذا الطالب أو ذاك…

فهذا طالب ممنوح من طرف الدولة وجد الوحدة التي وجه إليها مغلقة شأنه في ذلك شأن آخر منحته الوكالة المغربية… وهذا آخر زار الجامعة التي وجه إليها فاكتشف أن ملفه لم يصلها بعد… وهذا آخر لقي الموافقة المكتوبة لكنه لم يحصل علي رخصة من الوكالة ليحصل علي التسجيل النهائي الذي يمكنه من الاستفادة من منحته…

وهذا آخر لقي الموافقة المبدئية "شفهيا" للتسجيل في الجامعة التي زارها شريطة تسلم ملفه عبر السلم الإداري...

وهؤلاء طلاب آخرون يطالبون بإعادة توجيه ملفاتهم إلي جامعات أخري بعد أن وجدوا الوحدات التي كانوا موجهين إليها مغلقة…

وهذا طالب عبر الحدود، دون الاكتراث بالوزارة أو الوكالة، حاملا معه أوراقه لينال القبول في إحدى الجامعات مستعينا في ذلك بتدخل السفارة المحترمة وملحقها الثقافي.

وتلك فتيات بذلن قصارى جهودهن المعنوية والمادية للتعلم وخرق القوانين الاجتماعية العتيقة…

والعارفون بالنتيجة هم الطلاب القاطنون في منزل الاتحاد المضيف لما يزيد عن أربعين طالبا بغرفه الثلاثة وباحته ومطبخه…

هؤلاء الطلاب يتدارسون سبل المخرج من الورطة التي هم فيها، فالبعض يفكر في الرجوع والبعض ينوي الصبر طيلة أسبوعين والبعض الآخر مصر علي تحقيق هدفه أو يتأكد من عدم جدوائية المكوث في الدار المؤقتة…

المثير للإعجاب أن لا أحد من بين هؤلاء الطلاب يعلق علي مشاكل العيش من مئونة وإعداد الوجبات، ولا احد يعلق علي التكاليف ولا تغير الظروف المناخية والنوم علي شكل تراص السمكات الصغيرات في علبة السردين) أي ما يعرف ببين الأوساط الطلابية بـ"التسردين" (.

ولا أحد يعلق علي الأعطاب المطبخية التي يتسبب فيها حديثوا العهد بالطبخ، ولا كون طلاب في ذاك المنزل أصبحوا يتفننون في تسيير دريهماتهم وحالتهم النفسية تكاد تتدهور خوفا من المجهول وينامون في المطبخ…

ببساطة لأن الجميع جاء مستعدا لمثل تلك المتاعب والمعانات بل إنه في هذا المنزل تحمل أشد مما كان قد أخذ له العدة كالمبيت مع 40 طالبا والنوم في المطبخ، الكل لا يتذمر سوي من كيفية تعاطي الدولة ممثلة في السفارة وتعاطي الوكالة المغربية مع ملفاتهم…

أليس من الظلم أن تقبل الدولة الموريتانية بإرسال خيرة الشعب إلى مجهول؟ أهذا يعزز روح الوطنية في نفوس هؤلاء الطلاب الذين ترمي بهم دولتهم دون تأمين لوضعيتهم إداريا ودون مواكبتها...؟

لما ذا تتلاعب الوزارة بالطلاب بهذه الطريقة بالإعلان لهم عن تسجيلهم علي الأوراق دون التأكد من حقيقة وضعياتهم؟.

لماذا يكون الإنسان الموريتاني أرخص من الإنسان الفرنسي أو السنغالي… لما ذا لا تدقق وزارتنا المحترمة في مسار الطلاب إداريا أم أنها تريد التخلص من الطلاب ومشاكلهم في العاصمة…؟.

لماذا لا تتأكد الوكالة منذ البداية من استمرارية عمل الوحدات التي يرسل إليها الطلاب أم أنها ليست معنية بهم وبمسارهم الإداري ؟.

هل تتطلب تسوية الوضعيات الإدارية وضبطها أموالا طائلة؟.

يحار المرء حين يشهد بأم عينه بل يعيش عن قرب واقعا مريرا يقرأ في بعده الوطني وارتباطه بأداء المسؤولين القائمين علي قضايا الطلاب…

بالطبع علي المرء أن لا ينزعج كثيرا من هذا الواقع فهو واقع معاش دأب عليه منذ زمن بعيد علي أرض الوطن، لكن أن يكتشف الطالب في المغرب "علي سبيل المثال" بأنه مجرد أجنبي لا تقف معه دولته ولا يشعر بوقوفها إلي جانبه، وأن البلد المضيف لا يحسب لإدارته "الدولة الموريتانية"أي حساب، وأن الشخصية القانونية للدولة الموريتانية ضعيفة إلي درجة كبيرة، يصبح لزاما علي الجميع أن يتحمل مسؤولية؛ إهانة الطلاب وحرمانهم من حقوقهم ذات الصلة بوطنيتهم وانتمائهم لما يسمي بدولة موريتانيا.

فهؤلاء الطلاب مصرون علي تحقيق أهدافهم رغم العراقيل ورغم إحجام الدولة الموريتانية عن مساعدتهم بشكل جدي ومنتظم، وليس عن طريق المنح التي يتحصل علي بشق الأنفس وبيع للضمائر وتأتي في كثير من الأحيان بعد أن تحاصر الديون مسكن الطالب…

حسبك أيها الطالب أنك إنسان يتحمل المتاعب والمعانات في سبيل العلم وحسبك أنك تطالب بإحقاق حق لك فيه وأنت الباذل قصارى جهدك لخدمة الوطن بعبورك الحدود...

فطوبي لك مبيتا في المطبخ أيها الطالب فمسيرة التعلم وبناء الوطن تستحق الكثير من التجرد من الذات، ونجاحها مهمة تقع على عاتقك، ولتكن واثقا من نجاحك في بلوغ مسعاك النبيل رغم إحجام الإدارات عن حل مشاكلك بخطط معقلنة ومتابعة عملية بجدية وصرامة...

وحسبك أيها الطالب أنك لست مطالبا سوي ببذل مجهود ذاتي وأنت مظلوم ولست بالظالم...




المناخ

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026