تاريخ الإضافة : 19.10.2009 16:48

مجتمعنا والعقليات...

الشيخ بن الطلبه  Chtoulba@maktoob.com

الشيخ بن الطلبه Chtoulba@maktoob.com

الشيخ بن الطلبه طالب باحث/ فاس ـ المغرب
"تحضير أطروحة دكتوراه"
Chtoulba@maktoob.com



لكل أمة خصوصياتها ولكل مجتمع طابعه ومميزاته الذاتية وأسلوبه الخاص في التعاطي مع قضاياه وهمومه، وبتراكم جملة من المعطيات الموضوعية والاعتبارات الذاتية لدى مجتمع ما ينشأ ما يعرف بالعقليات، تلك العقليات التي يمكن تحديد طبيعتها والحكم عليها من خلال مدى انسجامها مع المسار العام المجسد للخطوط العريضة النافذة التي تحكم هذا المجتمع أو ذاك، في ضوء الثوابت والمقدسات، وتلك بالنسبة لنا هي تعاليم ديننا الحنيف.

انطلاقا من هذا الطرح وفي إقالة تامة للعاطفة وتحكيم ميداني للعقل بعد النقل، فإن المتأمل لواقع المجتمع الموريتاني يقف مشدوها أمام حقيقة مرة مفادها {فساد العقليات} فهي تنأى بالمجتمع عن قيمه وقيم أسلافه، وقد أخذ هذا الأمر طريقه كظاهرة بدءا من (المعجم اللغوي) مع {المفاهيم المغلوطة} وصولا إلى المسلكيات الغريبة.

فعلى مستوى المعجم اللغوي حين نضع تسميات لمسميات تناقضها، ونخترع أوصافا لا تناسب موصوفاتها، فإننا نجند مفردات اللغة البريئة لتحطيم مفاهيم القيم النبيلة، وهو ما يجعلنا نواجه ترسانة من المفاهيم المغلوطة التي لا قِبَلَ لنا بها، غير أن الأمر في جزئه الأكبر ليس تغييرا للمفاهيم بقدر ما هو عكس لمضامينها.

هذا على مستوى الألفاظ التي تُفرغ من مدلولاتها الأصلية وتُعطى شحنات دلالية لا تناسبها، لكن الأغرب من ذلك أن تجد أمثالا تُضرب وتستعمل دون انتباه، والمعروف أن المثل الشعبي يأتي نتاج تجربة مجتمعية تنأى عن كل ما ينافي القيم والأخلاق، لكن يمكنك أن تجد أمثلة من قبيل: "الحك ما ينكال كامل" أي: "الحق لا يقال كله".

لقد مر مجتمعنا بفترة ترسخت فيها بعض العقليات الضارة وكانت حقبة تحكمت في كل تفاصيلها الدقيقة معاول هدم المنظومة الأخلاقية، ولم تكن القبلية والجهوية من ذلك ببعيد، فهما تمثلان السلطة الفعلية الأقوى داخل السلطة الشكلية الأضعف.

فهكذا إذن يلعب ثنائي القبيلة والجهة في مجتمعاتنا دورا تكريسيا لتجسيد العقليات السيئة، ومما لا شك فيه أن القبيلة جاءت لتحتل دورا هاما في خدمة الفرد والمجتمع بشرط أن تضطلع بمهامها التي حددها لها الشارع، ومن بينها مؤازرة الفرد وإعانته عند الشدائد والكروب، فالعاقلة (بلغة الفقهاء) هي التي تتحمل ما لا قبل للفرد به مما هو حق عليه كالدية ونحوها، وتسعى في مصلحته بما لا يضر سواه، إلا أن دور القبيلة في مجتمعاتنا تجاوز هذا المنطق الشرعي في اتجاه ضره أكبر من نفعه .

إن تجذر الانتماءات القبلية والجهوية والفكرية الضيقة لدى مجتمعنا واستغلال كل ذلك باعتباره سلطة نافذة أمور تضعنا أمام حقيقة لا مراء فيها؛ ألا وهي غياب مفهوم الدولة من أذهان الناس مما يستحيل معه تحقيق عدالة اجتماعية أو تنمية أيا كانت، ذلك أن استشعار مفهوم الدولة أمر ضروري وأساسي؛ لأنه أول خطوة تدفعنا للإحساس بأننا في نفس السفينة التي ستغرق حين يغرق أي جزء منها، فهو شعور نبيل يجسد المصلحة العامة، ويهدف لتحقيقها، ويسهم بشكل جاد وفعال في خلق هوية حضارية من خلال الرغبة الجادة والطموح ثم تسخير الجهود وبذل الطاقات الكامنة لمسايرة ركب الأمم والشعوب.

بعض المجتمعات تخلصت إلى حد ما من الانتماءات الضيقة وسجلت أهدافا في مرمى التاريخ، ولا زلت أذكر أنني ذات يوم سألت زميلا لي، فقلت له بكل عفوية: من أي قبيلة أنت؟ فأطرق مليا ثم رفع رأسه وقال: والله لا أعرف، كل ما أعرفه أنني مغربي. فأدركت أن الانتماء الوطني حاضر بقوة في مخيلة الرجل.

حينها لم يكن يروقني من المثقفين سوى الصنف الذي يصف الواقع كما هو سبيلا ـ على الأقل ـ إلى التشخيص الذي يسبق العلاج، وهذا الصنف هم الذين لديهم حس نقدي ولا يأكلون القشرة مع اللب، وليس من مألوفهم جلد الذات ولا الركون ـ بالمقابل ـ إلى هوة الأنا السحيقة، وهذا هو بالذات صنيعهم مع مجتمع ينظرون إليه من زاوية مسح الطاولة، لأنهم ببساطة لا يركنون إلى العاطفة، ويمقتون ترديد ما يسمعون لكونهم ليسوا من صنف الببغاوات.

إن على عواتق أبناء هذا البلد مسؤولية ترميم ما أتلف، ورتق الخرق، والمعركة هنا تبدأ بتحديد المفاهيم حتى نسمي الأسماء بمسمياتها الحقيقية، فالتفكير يتبع اللفظ والفعل يتبع التفكير، فالجبهة الأولى التي يجب العمل عليها تسمية الشيء باسمه، وحين نعمل في البدء على جبهة مغايرة فستكون معركتنا في غير معترك.

والرهان هنا إنما يكون على طلائع النخبة التي بإمكانها هز الرأس أفقيا وعموديا حسب ما يمليه الضمير النزيه، إننا في مرحلة تشخيص الواقع، هذه المرحلة التي يقول الدكتور محمد المشري ولد بابه في أحد مقالاته مكرسا أولى ملامحها الحضارية: "إن السفر من مطار محمد الخامس في الدار البيضاء إلى مطار نواكشوط ليس سفرا من مكان إلى مكان بل هو سفر من زمان إلى زمان".

إن الاعتراف بالواقع هو أول خطوة في سبيل تغييره، لكن قد يكون التعتيم ملاذ البعض للنأي عن خطوط التماس والابتعاد عن شفرة المحك، سوى أن هذا الأسلوب لم يكن يوما مجديا، فعلينا أن نبحث عن حقائق الأشياء إذا كان الحق هو ضالتنا الأولى، أحرى إذا كنا نتمتع بقناعة ورصيد فكري وعلمي يفضيان في نظر الكثير منا إلى تأكيد أننا على مهيع بر الأمان.



الجاليات

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026