تونس بررت بها إلغاء الحج

تاريخ الإضافة : 07.10.2009 14:00

إنفلونزا الخنازير: خطر محدق أم ذريعة وهمية

محمدُّ سالم ابن جدُّ     abouz130@gmail.com

محمدُّ سالم ابن جدُّ abouz130@gmail.com

في خطوة غير مسبوقة أعلنت تونس أمس إلغاء الحج للموسم الحالي لتفادي ما وصفته بأخطار انتشار فيروس H1N1 المعروف باسم إنفلونزا الخنازير.

ونقلت الإذاعة التونسية أمس (الثلاثاء) عن بوبكر الأخزوري وزير الشؤون الدينية التونسي قوله أثناء لقاء جمعه مساء الاثنين مع وسائل الإعلام المحلية، إن الأسباب التي دفعت بلاده إلى اتخاذ هذا القرار "قوية وقاهرة".

ولاحظ الوزير التونسي أن القرار المتخذ يتعلق بـ"إرجاء القيام بمناسك الحج إلى سنة مقبلة" وأن مفهوم الإرجاء مغاير لمعنى التعطيل؛ إذ "لولا المستجدات الوبائية لاستمر الحرص على استكمال مراحل التنظيم لهذا الفرض الذي قطعت منه أشواط كبيرة".

وفي اجتهاد لم يخل من غرابة أضاف الوزير مدافعا عن قرار حكومته، أن "المستخلص من تحليل المستجدات هو أن شرط الاستطاعة لم يعد قائما؛ خاصة وأن اللجنة التونسية المكلفة بمتابعة الوضع الوبائي أكدت أن اللقاح لن يتوفر قبل أواخر أكتوبر الجاري، وأن عملية التلقيح لا يمكن إنجازها قبل أسبوعين من موعد الحصول على التأشيرة كما هو مشترط من قبل الدوائر السعودية."

يذكر أن تونس سبق لها أن دعت مواطنيها إلى إرجاء أداء مناسك الحج هذا العام "للتوقي من أخطار فيروس H1N1 الذي يخشى من سرعة انتشاره بسبب برودة الطقس المتزامنة مع موسم الحج" وقالت إن "الحرص على المصلحة بمعنييها الديني والوطني يقتضيان دعوة الراغبين في أداء فريضة الحج هذا العام إلى إرجاء ذلك إلى سنة قادمة".

يدخل القرار الأخير في سلسلة اجتهادات دأب عليها النظامان اللذان تداولا تونس منذ استقلالها؛ في المواريث والزواج والطلاق ومواقيت الصلاة.. إلخ؛ وهي قرارات يعوزها المبرر المنطقي وتمثل البعد الروحي.
فما هو مرض إنفلونزا الخنازير؟ وهل هو أخطر من أوبئة وحوادث كثيرة –قائمة أو محتملة- لم تصل بأي نظام في البلدان الإسلامية إلى حد إلغاء الحج؟ وما مدى وجاهة المبررات التي طرحها الوزير التونسي؟ وهل التونسيون أقل مناعة من باقي المسلمين؟

انفلونزا الخنازير

حسب المعلومات التي نشرتها منظمة الصحة العالمية على موقعها الألكتروني فإن إنفلونزا الخنازير مرض يصيب الجهاز التنفسي، وهو ناجم عن النوع الأول من فيروس الانفلونزا، كما أن الانفلونزا تصيب الخنازير على مدار العام. والنوع الشائع من هذا المرض هو الذي يطلق عليه اسم "H1N1" والفيروس الجديد متطور عن هذا النوع، وهو الذي ينتقل للبشر.

وينتشر الفيروس المسبّب للمرض بين الخنازير عن طريق الرذاذ والمخالطة المباشرة وغير المباشرة حتى لو كانت الخنازير الحاملة للمرض عادمة لأعراضه.

ورغم أن الفيروس يصيب الخنازير في العادة وينتشر بينها، ونادراً ما ينتقل إلى البشر، فإن هناك حالات انتقال للفيروس من الخنازير إلى البشر، ومن ثم بين البشر أنفسهم.

والاختلاف الوحيد هو أن الانتقال في الماضي لم ينتشر إلى أكثر من ثلاثة أشخاص، عكس ما يحدث حالياً؛ ولكن انتشاره لم يصل حتى الآن إلى ما وصل إليه غيره من الأمراض الخطيرة ولم يقترب من ذلك.

رغم أن المرض سبق أن ظهر مرات من قبل (آخرها بداية السنة الحالية) فلا يعرف الباحثون حتى الآن سبب انتشاره على النحو الذي ينتشر به؛ فغالباً ما كانت الإصابة به ناتجة عن انتقال العدوى من الخنازير إلى الناس. على سبيل المثال، المزارعون الذين يصابون بالمرض جراء انتقاله من الخنازير فإنما يأتي ذلك نتيجة الاحتكاك المباشر معها.

أعراض المرض وطرق انتشاره

إن أعراض الإصابة بفيروس انفلونزا الخنازير هي نفسها أعراض الإصابة بالانفلونزا العادية؛ أي ارتفاع درجات الحرارة عند المصابين بالفيروس والإصابة بالنعاس والكسل وانعدام الشهية والسعال وسيلان الأنف واحتقان الحلق والغثيان والقيء والإسهال. ينتشر الفيروس بنفس الطريقة التي ينتشر فيروس الانفلونزا الموسمية، فعندما يسعل شخص يحمل عوامل الداء أو يعطس قرب آخرين، فإن الفيروس ينتقل إليهم. كذلك يمكن انتقال الفيروس عن طريق لمس أشياء تحتوي على الفيروس ومن ثم لمس الفم أو الأنف أو العينين. وقد ينقل الشخص المصاب بالفيروس المرض إلى الآخرين حتى قبل ظهور الأعراض.

مبررات القلق

يشعر العلماء بالقلق دائماً عند ظهور فيروس جديد يكون بمقدوره الانتقال من الحيوان إلى الإنسان، ومن ثم من الإنسان إلى آخر؛ ففي هذه الحالة، قد تتطور طفرة لدى الفيروس، تجعل من الصعب معالجته.

مثل الانفلونزا العادية، يعمل فيروس انفلونزا الخنازير على إضعاف البنية الصحية للمصاب به؛ ولذلك فإن الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة قد يصبحون عرضة للوفاة عند الإصابة به أكثر من غيرهم.

مبالغة وتهويل

بالنظر إلى ما تقدم نجد أن خطورة الداء ليست بالتهويل الذي يزعمه بعض الأنظمة وشركات صنع الأدوية؛ فلا أحد يكابر في وجود أمراض قاتلة سريعة الانتشار وتقدر أعداد المصابين بها بالآلاف وعشرات الآلاف وليس بالأفراد كداء إنفلونزا الخنازير.

فالانفلونزا العادية –على سبيل المثال- تودي بحياة ما بين 250 ألفاً إلى 500 ألف شخص سنوياً، شأنها شأن السل الرئوي، وعدد ضحايا عوز المناعة وصل إلى أرقام غير مسبوقة (مع عدم وجود علاج يقضي على الفيروس المسبب له) ولا شك في خطورة أمراض كثيرة أخرى تعاني منها البشرية حاليا أو عانت منها في السابق ومع ذلك لم يسجل التاريخ -لله الحمد- أي تعطيل للحج منذ فتح مكة إلى اليوم؛ اللهم إلا ثلاث سنوات (317-320هـ) من فترة استيلاء القرامطة على الحرم الشريف.

وحتى لو تجاوزنا الأمراض فلم يكن الحج أبدا سياحة ورفاها بالمقاييس المادية، ولم يخلُ من أخطار ماثلة قديما كالغرق والتيه والعطش والتلصص.. إلخ؛ ولا حديثا كخطف الطائرات والسفن وتحطم الأولى وغرق الثانية، وكحوادث المرور والتدافع.. مع ملاحظة أن الأعداد المهددة حاليا بتلك الأخطار تفوق ما كان في السابق أضعافا مضاعفة وما تثيره من رعب وتخلفه من ضحايا لا سبيل إلى المكابرة فيه ولم يصل –رغم ذلك- إلى حد منع الحجيج من أداء الركن الخامس من أركان الدين الحنيف.

يضاف إلى ما ذكرنا أن السلطات السعودية –كما أعلنت وزارة الحج بها- تركت للدول الاختيار بين تطعيم حجاجها أو إرسالهم دون تطعيم على أن تتولى الجهات الصحية هناك العملية.

والأهم أن للمكان خصوصيته التي تمنع انتشار الجراثيم؛ والتي لم يجد الماديون تفسيرا لها فوصفوها بأنها "ظاهرة محيرة" ولذا لم يحدث أبدا أن تفشى وباء بسبب الحج في البلدان الإسلامية.

المنطق يقول..

وحتى لو سلمنا –جدلا- بصحة مستندات النظام التونسي في قراره وسلامة استنتاجاته فلماذا اقتصر الأمر على الحج مع أن الأخطار تشمل كل نشاط بشري تقريبا؛ فمن الوارد –بالمبررات نفسها- إلزام الناس بتجنب الاقتراب من المستشفيات باعتبارها مجمعا لكل أنواع الأمراض الفتاكة، وحظر استخدام السيارات في الشوارع لما تمثله من خطر على الأرواح والممتلكات وتلويث للبيئة، وحظر الغاز والكهرباء لتفادي حوادث الاختناق والصعق والحرائق المروعة، وحظر تداول المبيدات الحشرية لسهولة تحولها إلى مبيدات بشرية.. وغير ذلك مما لم يقل به أحد ولا أحد يدعو للقول به؛ لأنه لا يوجد نشاط بشري آمن مائة بالمائة.

وبالمناسبة فما دام القرار استند إلى ضرورة حفظ الصحة العامة فمن أهم الخطوات التي يقتضي الحرص على سلامة المجتمع وصحة أفراده حظر دخول التبوغ وتوزيعها وتدخينها لتجنب أضرارها الصحية التي أضحت أمرا مفروغا منه، وحظر استيراد الخمور واستهلاكها على التراب التونسي للحفاظ على أكباد المجتمع وسكينته وهدوئه إذا لم يكن امتثالا للأوامر الإلهية.. وهكذا تتدرج الأولويات.

الجاليات

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026