تاريخ الإضافة : 05.09.2009 13:37

رئيس الفقراء بين ثلاثيات الواقع والمتوقع والخيال

محمد الأمين ولد سيدي مولود               ouldsidimaouloud@yahoo.fr

محمد الأمين ولد سيدي مولود ouldsidimaouloud@yahoo.fr

لم أكن كفقير ـ على غرار بقية الفقراءـ أحلم أن أحصل على رئيس بهذه السرعة وهذه البساطة، لكن لقد كان، إنه رئيسنا رغما عنا....لم يكن الفقراء يحلمون أن يأتي رئيس فقير إلى السلطة عن طريقهم حتى ولو كانوا أغلبية ساحقة تقارب 90 بالمائة ليكون رئيس الفقراء وهو ما لم يحدث ، لم يكونوا بكل تأكيد يتوقعون أن يتنازل غني وذو نفوذ عن لقب الغنى والسلطة ليتسمى باسمهم ولو من باب الدعاية فلفظ الفقر لفظ منفر في قواميسنا... ربما وقع شيء من هذا...لكن هل كان يتوقع ضابط "سام جدا" وقادم من أعلى هرم السلطة ـ حيث تقلب في أرقى الرتب السلطانية لمدة تزيد على عقد من الزمن ـ ولا يمكن أن يوصف بالفقير مهما صغر في عين واصفه أن يتحلق عليه الفقراء ويقبلون أن يكنى بهم ...هذا ما حدث بالضبط: رئيس لا ينحدر من الفقراء ولم يكونوا سببا "حقيقيا" في وصوله إلى السلطة (بل العسكر والسلاح أولا ثم الأغنياء والمال ثانيا) اسمه "رئيس الفقراء" فهل هو رئيس الفقراء؟

1ـ الواقع

تقول معطيات الواقع ـ لا كلام المعارضين ـ أن الفقراء في العاصمة انواكشوط اليوم (أي أغلب السكان) يعيشون أوضاعا صعبة للغاية فالكهرباء لم تعد متوفرة بصفة مستمرة في أي حي من أحياء الفقراء مما تسبب في خسائر مادية كبيرة (وخاصة دكاكين التقسيط أي دكاكين الفقراء) علاوة على الأوضاع النفسية للسكان، أما المستشفيات والمرضى الذين يعتمدون في حياتهم على المكيف أو أي آلة تتعلق بالكهرباء فقد تودع منهم ....

منذ يومين تفاقمت الأزمة ليفقد شريان الغذاء بالنسبة للفقراء (الخبز) تلك عطايا رئيس الفقراء !!
ـ دكاكين رمضان هي الأخرى تعكس واقعا معينا عن هذه الطبقة الحاكمة "الفقراء" ففي بعض الأحياء الشعبية تجد دكانا مساحته 4 متر مربع يتزاحم أمامه مئات الفقراء ليحصلوا على كيل أرز أو كأس زيت بسعر مخفض وهو حلم قد لا يتحقق لكثير منهم .

ـ الفيضانات التي حدثت بسبب الأمطار تسبب في كشف الحقيقة المرة: أي أن الفقراء لا رئيس لهم ، فآلاف الأسر المشردة والأطفال الجياع والنساء العاجزات لم يجد كل ذلك سواء في انواكشوط أو روصو أو في أماكن أخرى من النجدة ما يتناسب وحجم الكارثة . فقط زيارات شكلية لرئيس وزراء "الفقراء" أو بعض وزراء "الفقراء" الآخرين يشعر المتتبع أن هدفها الأساسي عرض صور أقرب لسياح بين حيوانات تكاد تنقرض منها إلى صور مسئولين أتوا للإغاثة والنجدة (لا تتم النجدة بعرض صور دعائية في تلفزيون انتكس عقودا إلى الوراء بسبب الانغلاق وغياب الرأي الآخر وتمجيد صاحب الفخامة).

أما واقع النقل فاسألوا الفقراء أو كونوا فقراء لمدة ساعات فقط وستعيشون كارثة إنسانية حقيقية لا يمكن وصفها بالكلمات، ربما وزير نقل "الفقراء" يملك بعض التنظير في مدح رئيسه قد ينفع الفقراء في نقلهم إلى أمكنة عملهم ـ إن وجد ـ أو علاجهم !!

ـ العمود الفقري لخطاب رئيس الفقراء هو محاربة الفساد وقد كشفت تشكيلة حكومة فخامته وزبونيتها وسوابق بعضها وممارساتها اللاحقة كون الشعارات تبقى شعارات فقط ، فرغم أنه لم يمض إلا شهر واحد على تنصيب الرجل كثر الكلام عن قضايا فساد (تهريب العملات ، صفقات مشبوهة في شركات للدولة ، محاباة مصانع على حساب المواطنين، تحويل موظفين وترقية آخرين بسبب رشاوى أو قرابة ....الخ قطاعات يكثر كلام الناس عنها كشركة الكهرباء، ووزارة الاستصلاح الترابي، ووزارة العدل، ووزارة التعليم، والجمارك، وسونمكس، ووزارة الصحة، ومفوضية الأمن الغذائي، وزارة الإعلام، ووزارة الشؤون الإسلامية ..مجرد نماذج ورغم كل ذلك لم نسمع محاكمات ولا مصادرة أموال ولا إقالات إلا ذات الطابع السياسي.

2 ـ المتوقع

بما أن رئيس "الفقراء" يمتاز بالطبيعة غير الشوروية وبما أن خلفيته غير تخصصية لا في الاقتصاد ولا في السياسة وبما أن مقربيه يمتازون بخاصية الالتصاق فلا نصح ولا مبادرة فمن الراجح أنه سيتمادى في تسييره الأحادي مما سيفاقم الأزمات وسيزيد الأوضاع سوء وعندها ستزداد وسائل الإعلام الرسمية وخاصة التلفزيون صفاقة وستنحدر شيئا فشيئا إلى العصور الغابرة بتمجيد الرئيس وتضخيم الإنجازات الضئيلة الباهتة والانغلاق أمام أي رأي نقدي أو نصحي ثم ستزداد الحكومة تعقدا مع كل انفعال يصدر من القائد نتيجة لضغوط الأزمات وسينعكس ذالك على طبيعة الجو "الديمقراطي" فيضيق الخناق على المنابر الحرة بالإغراء والتخويف وسيزداد الأنصار شراسة وتتسع دائرة المعارضين وتكثر الرشاوى وتتدهور الأوضاع الاقتصادية ...لنعود إلى ملامح أزمة لم نتخلص منها بعد.

3 ـ الخيال

إن ممارسة الخيال تعني باختصار أن يستمر الوضع أو يسوء ثم يستمر وزراء "الفقراء" وكبار المسئولين في تمجيد الرئيس وسياساته والإشادة بتوجيهاته "النيرة" ( عادة سيئة اختفت أيام سيدي)، هي باختصار أن يعيش الفقراء أزمة غذاء ودواء وكهرباء ونقل ثم يتوجه رئيسهم (أمر محتمل) إلى اسبانيا لقضاء الراحة هناك.

ممارسة الخيال هي أن تبقى آلاف الأسر مشردة وبدون مأوى ويستمر رئيس الفقراء في أسفاره (تلك الأسفار التي كان يعتبرها من مبيقات الرئيس المستقيل) التي لن يعود منها بعشر معشار ما جلب سلفه الذي أطاح به بسببها!! هي أن تشاهد دولة وواقعا في التلفزيون الرسمي وتعيش دولة وواقعا مختلفا على الأرض.

الجاليات

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026