تاريخ الإضافة : 01.09.2009 12:19

قصة أيام مع منكوبي روصو ملاحظات ومواقف

أحمد ولد محمد المصطفى ولد الندى   Ahmedou0086@gmail.com

أحمد ولد محمد المصطفى ولد الندى Ahmedou0086@gmail.com

أوضاع صعبة يعيشها سكان روصو هذه الأيام، وشاء الله أن أكون بينهم لأيام، كانت مليئة بأحداث ومواقف، رأيت أن من حق القراء أن أشركهم فيها، مع أنني أدرك أن الكثير منها لن تستطيع الكتابة -مهما أوتي صاحبها من بلاغة- أن تنقله، فهو "مشهد" يستعصي على النقل، ويحتاج المعايشة ليصل إلى النفس بدون واسطة.

لن أثقل عليك أخي القارئ بتفاصيل شخصية قد يناسبها مقام غير هذا، فالأوضاع تقتضي تأجيله، وإنما سأدلف بك إلى مخيمات "اللاجئين" داخل الوطن، ومساكن المنكوبين والمهددين بالغرق في بيوتهم التي أرادوها "سكنا وأمنا"، مهددين في أنفسهم بعد أن خسروا كل ما يملكون، ومع ذلك فهم يصرون على "البقاء، فتجربتهم مع "الكوارث" في الأعوام السابقة تثبت أن "البيوت" رغم ما يحيط بها من مخاطر أحسن من ملاجئ ومساعدات "معلقة" بآخرين قد لا يأتون وإن –شاء الله- وأتوا -بعد لأي- فبمساعدات قليلة قد لا تكفي عشر "المرحلين".

ملاحظات... استوقفتني:

الجيش يبقى على الطريق الرئيس:

أول الملاحظات التي استوقفتني –أخي القارئ- هي عدم نزول الجيش إلى الناس في الأماكن المنكوبة، فقد بقي على الشارع الرئيس في المدينة، وطلب من المنكوبين التقدم إليه، ومن لم يتقدم فليواجه مصيره فريدا، ولذا لما نزلنا إلى الناس في الأماكن المنكوبة كانت الأسر المصرة على البقاء تقول لنا "أنتم أول من نقابله من خارج الحي بعد ليلة الكارثة".

وهو كذلك ما دفع البارة بنت لا نطور وهي مسنة في عقدها السابع للمقارنة بين هذه الكارثة وتلك التي لحقت المدينة في العام 1976 معتبرة أن الجيش آنذاك كان تدخله على المستوى، ونزل إلى الناس في دورهم وأخبيتهم لإنتشالهم من المخاطر المحدقة بهم، في حين واجهنا هذه المرة مصيرنا لوحدنا وكان الشعار "نفسي نفسي" هو الحاكم لتعامل السكان.

الملاحظة الثانية: هو غياب الإجراءات الاستعجالية فقد بقي المشردون لما يقارب أربعا وعشرين ساعة دون أي مساعدات وقد قابلت "اماه بنت اصنيب" وهي تحمل صغيرها "اعبيد الله" وكانت الساعة تقارب الثانية عشر ظهرا من يوم السبت، والطفل لا يهدأ من البكاء، وعندما سألتها عن السبب قالت لم يأكل أي طعام منذ أربع وعشرين ساعة، لقد نجينا بالأنفس بعد أن أجرنا عربة بخمسة آلاف أوقية.

ربما تكون السلطات المحلية بذلت ما بوسعها لكنه لم يكن في مستوى الحدث فأربعة آلاف أسرة مشردة ومتوسط عدد الأسرة قد يصل إلى خمسة أفراد، وعليه فالحدث كان أكبر من السلطات المحلية، أما السلطات المركزية، فقد غابت يومين قبل أن يأتي وفد وزاري سلم المساعدات التي يحمل للجنة بدأت تسجيلا للسكان من خلال "حرسي وشرطي" تنتظر اكتماله لتبدأ توزيع مساعداتها.

الملاحظة الثالثة: غياب الهيئات الخيرية (وطنية أو دولية)

مع الوضع الصعب الذي تعيشه المدينة المنكوبة فحتى الآن لا يجد المتجول في المخيمات وداخل الأحياء المنكوبة أي أثر للهيئات الخيرية، وهو الغياب الذي ضاعف تأثير "الكارثة" وجعل الإغاثة تقتصر على الجهود الرسمية والتي سبق الوقوف عند جانب منها.

أما المواقف التي دخلت الذاكرة –دون استئذان- وأخذت مكانا بارزا داخلها، واستحقت أن أسطرها لك –أخي الكريم- وأن أقتصر على ثلاثة منها فهي:

الموقف الأول: محمد ولد أعمر "والمكان المشغول" موقف محمد ولد أعمر وهو يستقبل أسئلة زوجته اماه بنت اصنيب بعد أن قدم ملاك "الخباء" الذي سكنوه بعدما هجرتهم المياه، ودفعتهم لترك أمتعتهم والنجاة بأنفسهم وأطفالهم.

لقد كانت تعابير وجه محمد كافية لدخول الموقف إلى الذاكرة، وكانت "اماه" شديدة عليه وغير مقدرة للظروف النفسية التي يعشيها.

أسرة ولد أعمر أجبرتهم المياه على "ترك منزلهم" واضطروا لترك "الخباء" الذي لجؤوا إليه تحت قدوم ملاكه، ولم يجدوا في ظل الأشجار مهربا لأنها ازدحمت بعشرات اللاجئين، ولم يبق إلا "الصمت" ملجأ لمحمد عل الله يقيض له من يوفر له ما يؤويه.

الموقف الثاني: البارة بنت لا نطور مسنة سبعينية زاحمت حتى حصلت على موضع قدميها في ظل شجرة صغيرة، بعد أن فشلت محاولاتها في لملمة بعد العيدان لإقامة خباء يحميها وولدها المريض من شمس الصيف الحارقة في وقت الظهيرة.

بنت لانطور كانت منهمكة في البحث عن مستلزمات لإقامة خباء في "المهجر القسري الجديد" دون أن ينسيها ذلك مراقبة ابنها وضبط تحركاته حتى لا يعاوده المرض الذي أقعده بعد فترة عمل شاق في العاصمة الاقتصادية الموريتانية نواذيبو.

شٌتت شملٌ هَمِّ بنت لا نطور فابنها "تحت" رقابتها، وخبائها تدعو حالتها لإقامته، تحت ضغط الظروف وغياب المساعد بقيت المسنة "تصارع" على الموقع "تحت الشجرة والذي حصلت عليه بعد جهد جهيد وصبر طويل.

الموقف الثالث: من داخل حي السطارة حيث "منطلق الكارثة" مريم بنت محمد والمختار، والماء في منطقتهم (السطارة 4) يصل أعلى الركب وقد أفسد كل الأمتعة ومع ذلك فهم مصرون على البقاء مهما كلفهم ذلك، ويقولون "مهما ساءت ظروفنا في بيتنا فستبقى أحسن حالا من لجوء في العراء في انتظار مساعدات قد لا تأتي".

هي أحداث ومواقف من عشرات قد لا تكون أكثرها صعوبة، لكنها أخذت محلها في الذاكرة وانطبعت فيها، فآثرت أن أشركك أخي الكريم فيها علها تدفعك بالمساهمة بما تملك في تخفيف "معاناة" إخوة لك في الدين والنسب والوطن.

الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026