تاريخ الإضافة : 28.08.2009 01:41

للإصلاح كلمة: ملاحظات حول حفل تنصيب رئيس الجمهورية


لا شك أن حفل تنصيب رئيس الجمهورية تميز هذه السنة عن جميع حفلات التنصيب التي سبقته:
تميز بالموقع الذي جرى فيه وبالحضور الشعبي المكثف الذي حضر له وبكثرة الهتافات التي تميز هذا الرئيس عن غيره والتي صدرت من حناجر الفقراء الذين فهموا خطاب الحملة، وعملوا لأجله حتى نجح رئيسهم –كما يحلوا للبعض أن يسميه- وأكبر ما تميز به كذلك هذا الحفل هو الخطاب الذي ألقاه الرئيس بعد أدائه اليمين الدستورية ،ذلك الخطاب الذي بدأ بالعزم على حرب الفساد والمفسدين واختتم بنفس الوتيرة كذلك.
ونظرا إلى أن هذا الخطاب حرك جميع المشاعر الحاضرة والمستمعة رجاءا منها أن يخرجها هذا الرئيس من ظلمات الفقر إلى نور الإكتفاء الذاتي وذلك بأن يعلن استقلال موريتانيا مجددا بعد أن تركتها الأحكام الماضية جثة لا حراك فيها ،يراقبها من أعلاها وعن يمينها وعن شمالها نسور ضوار كلما نزل عليها خير من السماء أو من الأرض تلقوه بحواصل تتسع لابتلاع ما بين السماء والأرض ،
فمبدئيا هنيئا لهذا الشعب بهذا الرئيس ، وعمليا نجعل هذه التهنئة في ثلاجة تحفظها إلى ما بعد سنتين فينظر الشعب الفقير هل سيخرجها طرية ،ويسقطها على هذا الرئيس ، أم سيخرجها من الثلاجة ويتركها في الشمس لتفعل بها ما تستحقه .
وقبل تجربة السنتين فإني أسجل نيابة عن الشعب الموريتاني الملاحظات الثلاثة التالية –على حفل التنصيب-
أولا أن ذلك الشاب الأنيق في مظهره والفصيح في لغته صاحب ربط فقرات الحفل قد أهان الموريتانيين أثناء الحفل إهانة ذهبت بكل حرارة الحفل والإعجاب به .
تلك الاهانة التي تجسدت في حرص ذلك الرجل على أن يترجم كل كلمة في الحفل قالها بالعربية الفصحى أن يعيدها للمستمعين بالرطانة الفرنسية التي تذكر بقلة حياء بعض أبنائنا وتفاهة سيادتهم عند أنفسهم ،حتى أصبح يترجم الأسماء التي لا تختلف اللغات فيها إلا بنبرة اللغة المستعملة عند النطق بها، فهذا الرجل تصور أن معدن اللغة العربية فقير الجودة عند الإنتاج ولا بد من معدن آخر يتقوى به عند الترويج.
ولكننا نقول لهذا الرجل :إن معدن اللغة الفرنسية ليس هو أحسن معدن لترويج اللغات فمعدن العربية أكثر منه رواجا لولا خور قاتل في ذهن المتكلمين بها سليقة .
فقد أهان هذا الرجل أكثر من 70في المئة من هذا الشعب وقت التنصيب وأمام الوفود رغم أن الوفود لا يسمع منها اللغة الفرنسية إلا رئيسين فقط هما :السنغالي والمالي.
فكان الأولى لهذا الرجل إذا كان لابد له أن يقوي معدن اللغة العربية أن يقويها باللغة الانكليزية لأن أكثر الوفود يتكلمون بها وهي أكثر اتساعا وأحسن استعمارا. ونقول أيضا لهذا الرجل أن السيادة في الدولة لا تتجزأ ،فبما أن اللغة العربية ينص الدستور في مادته السادسة أنها هي اللغة الرسمية الوحيدة في الدولة كما ينص في مادته الثامنة على نوع العلم والنشيد الوطني ،فكان على هذا الرجل أن يعزف النشيد الفرنسي ويرفع علم فرنسا بجانب العلم الوطني على مبنى الملعب الألمبي أثناء حفل التنصيب .
والأمرّ من ذلك كله أن هذا وقع أمام رئيس الجمهورية الحامي للدستور، وأمام المجلس الدستوري .
وأخيرا نطرح على هذا الرجل هذا السؤال:ماهو الفرق بين تنصيب "ساركوزي" الفرنسي بالتجنس ومحمد ولد عبد العزيز العربي بالأصالة.؟
لقد أسأت علينا أيها الرجل لأنك تعلمت الفرنسية بمنحة من مال الشعب الموريتاني واستخدمتها لإهانة أكثر من 70 بالمئة منه فسامحك الله أيها المواطن المزدوج السيادة مع أنكم أيها الإعلاميون المتفرنسون عودتهم الشعب على هذه الإهانة باستعمالكم لتفرنسكم هذا في كل القضايا الوطنية من غير حاجة إليها .فنحن لا توجد فينا جالية فرنسية فلو كانت الترجمة أثناء حفل التنصيب باللغات الوطنية لكان ذلك مبررا لها.
ثانيا أنه يؤسفنا أن المجلس الدستوري أشرف على هذا التنصيب وكان من المفروض أن لا يترك فقرة تمر إلا طبقا للدستور فضلا أن يقوم عضو من المجلس الدستوري نفسه بإلقاء السيرة الذاتية للرئيس وفي هذه السيرة كما ألقاها عضو المجلس أن الجنرال قاد في يوم السادس حركة تصحيحية وضع بها حدا لمأمورية الرئيس السابق المنتخب .
فإذا كان المجلس الدستوري يعترف بأن هذه الحركة حركة تصحيحية وأن مهام رئيس منتخب يمكن وضع حد لها فلماذا ترك المجلس الدستوري السياسيين مدة سنة كاملة يتجاذبون الدولة ويحرمونها من المساعدات والتنمية.
فلو كان عضو المجلس عند ما وصل في السيرة الذاتية- إذا كان لابد من إلقائها دستوريا- أن الجنرال ترقى في يناير 2007 من رتبة عقيد إلى رتبة جنرال وذكر التاريخ الذي قدم فيه استقالته من الجيش ليترشح لمنصب رئيس الجمهورية لكانت الأمور سالمة من هذه الملاحظة الدستورية فالغاية تبرر الوسيلة عند الفاعل فقط.
ثالثا: لقد أثلج صدرنا ذكر الرئيس في أول خطاب له بعد التنصيب عزمه محاربة الفساد والمفسدين وتأكيده على تنفيذ ما كان يقوله في حملته، ولكن السيد الرئيس لم يفسر للشعب من يوم انقلابه إلى اليوم ماذا يعني بكلمة الفساد والمفسدين.
فبذكره لأكل المال العمومي تبادر إلى ذهن بعض المواطنين أنه يعني الذين يكنزون الذهب والفضة والحيوانات والعقار ،ولكن الشعب يعرف من هم أخطر من أولئك ولذا نحاول ترتيب المفسدين على النحو التالي :
أولا :وسائل الإعلام الرسمية بجميع أشكالها ،فهؤلاء الإعلاميون ذكورا وإناثا هم الذين أضلوا جميع الرؤساء فاستعملوا كل ما يعرفون من تفنن في التعبير بالمدح ولإطراء لاؤلئك بما لم يفعلوا ووصفوا أعمالهم بالخير الذي لا يعقبه شر ،فمثلوا بذلك دور الشعراء الذين ذكر الله أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون وهؤلاء يقولون عن الرؤساء مالا يفعلون من غير أن يؤمروا بذلك ،فكان يمكنهم صرف ذلك التفنن في العبارات الرنانة إلى ما يرجع بفائدة قيمية على الشعب من لإرشاد والتوجيه.
ألم تر أيها الرئيس أنهم تلقفوا خطابك عند ما انتهيت منه وقبل أن تعمل بكلمة واحدة منه وقسموا عباراته وعلقوا عليها من الأفعال وكأنها أنجزت وقامت الوكالة بافتتاحية رنانة تشيد بفعل مازال وعدا فقط ، وأصبحوا يسألون المواطنين عن فحوى الخطاب ،فنرجوا أيها الرئيس أن تقول لهؤلاء أننا لسنا مملكة ولا إمارة تقول حفظ الله جلالة الملك وسمو الأمير في حله وترحاله
ثانيا: المنافقون والمتملقون من المواطنين الآخرين ولاسيما الشعراء وما يسميه بعض الناس برجال الدين .
فالشعراء لاشك أنهم الآن سيبحثون عن اسم ابنك الأكبر ليلقبوك به عند رأس أبيات المدح ،كما قال الشاعر لمعاوية أيامه : "يا أبا أحمد يا أبا أحمد" عند بداية كل بيت ونحن نعرف أن أبا أحمد طغى وتجبر ودفع المواطنين لأمريكا لسجنهم في أرضها وتعذيبهم واعترف بإسرائيل على طبق من العار، فبما أنه لا زال حيا نرجوا له من الله عز وجل توبة نصوحا يموت عليها ويدخله المولى عز وجل بمنه وكرمه في جنات النعيم ويكون هو وأهله على سرر متقابلين .
ثالثا:الولاة والحكام : هؤلاء الموظفون أفرغوا الدولة من مسؤوليتها أمام المواطنين منذ أول انقلاب عسكري حتى الآن .
فبما أن الوالي والحاكم ينوبان عن الرئيس في جميع ما ينوب المواطن في مقاطعته، فكيف يكتفون بتسيير ميزانية الولاية فقط من غير رعاية العمران أوالبنى التحية من صحة وتعليم وتنمية ريفية إلخ.
السيد الرئيس أرجو منك أن تحمل معك واليا وحاكما من حكام مقاطعة انواكشوط وتمر بالشوارع وتسأل من المسؤول عن فوضى الحياة هذه والأفضل أن تكون مقاطعة لكصر لترى تخطيط شوارعها أيام المرحوم المختار ولد داداه وتنظر كيف أسلموها الآن لجنائز السيارات حتى صارت المقاطعة كلها كأنها نفايات وهكذا الولاة والحكام في الداخل ومن المحير أن هذا هو أكبر فساد لأنه يتعلق بوجود الدولة من أصلها ولكم أكثر من سنة تديرون البلاد وتتكلمون عن الفساد والمفسدين ولم تغيرو هذه الوضعية المزرية في الدولة .
السيد الرئيس انظر إذا استطعت أن تدرك شيئا من ارشيف الرئاسة لترى فيه مرسوما جرد فيه المختار ولد داداه وزيرين من منصبهما وذكرهما بالاسم ووزع المرسوم على كل مركز إداري بسبب أن مفتشا وجد ميزانية تسييرهما تنقص مبلغا أقل من خمس مئة ألف أوقية .
السيد الرئيس :إن السنين العجاف في الفوضى في التسيير منذ "92" إلى سنة انقلاب صالح ولد حننا فقدت الدولة فيها جميع مقوماتها وامتلأت المكاتب بالموظفين الخياليين وتخلى كل مسؤول في الدولة عن الدولة ليجعلها مصلحة خاصة لنفسه وذويه .
السيد الرئيس أناشدك أن تطلب ملفات خمس وزارات في هذه السنين أعلاه وهي :الداخلية،والتعليم،والصحة،والتنمية الريفية والشؤون الإسلامية لترى كم استدعي المسؤولون في هذه الوزارات إلى انواكشوط لاجتماعات نتيجتها تقسيم المساعدات التي تصل من الدول إلى هذه الوزارات في الإنفاق على هذه الإجتماعات ويقضي بسبب هذه الإجتماعات أكثر هؤلاء المسؤولين في انواكشوط سنتهم بعيدا عن المواطنين في ولاياتهم .
وهناك إدارات أخرى خطيرة الله أعلم بما كان يجري في تسييرها
رابعا:المنتخبون :السيد الرئيس هذا البرلمان بشقيه ملّكته الدولة في الأيام العجاف الفوضوية ما تملكه وأمرت الولاة والحكام والمدراء بوضع الدولة تحت تصرفهم فأكثروا فيها الفساد ،فكم أفرغو من موظف عن وظيفته وكم ترقى على أيديهم من بليد في مهنته فسدوا وأفسدو .
وأخيرا وليس أخيرا: رجال الأعمال وإنهاكهم للدولة وابتلاعهم لكل ما وصل إليها بالحيل وفكاتير الزور .هذا النوع من الفساد لا نحتاج إلى ذكره لأنكم قلتم في بعض خطاباتكم أنكم تعرفونه وكنتم تتأسفون عليه ،فأرجو أن تعينكم هذه الكلمة على بداية الدولة من الصفر كما هو الواقع، وخلق مقامع من حديد كلما أرادت حليمة أن تعود لعادتها ضربت بيد من حديد حتى تعود موريتانيا ولو بعد خمس سنوات إلى ما يشبه الدولة .
{{إن أريد إلا الإصلاح ماستطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب}} والله من وراء القصد.
محمدو ولد البار

المناخ

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026