تاريخ الإضافة : 04.08.2009 11:15

بعيدا عن منطق الربح والخسارة: هل من تقييم لانتخابات 18 يوليو 2009 في موريتانيا؟

لاشك أن الانتخابات الموريتانية التي نظمت في الثامن عشر يوليو 2009 كانت مهمة إلي حد كبير ، لا من حيث أنها قضت علي أزمة دستورية كانت قائمة ، وحسب بل لأنها عكست بالفعل مستوي الوعي السياسي الذي حصل لدي النخبة وعامة الشعب الموريتاني ، من خلال التجاذب الذي حصل لآليات الحراك السياسي : بين الفكر والمادة ، فلم يعد وصول السيد محمد ولد عبد العزيز بهذه النسبة المريحة والمحترمة إلي مركز القرار السياسي في البلد ـ وبالطريقة التي يعرف الجميع ( حملة خالية من كل أنواع الترغيب ، بغير الحكم الرشيد)ـ هو مجرد حدث سياسي منفصل عن إطاره الزمني والمجتمعي ، بل إن ما حدث بالفعل هو بداية تطور اجتماعي منبثق عن وعي سياسي جمعي، يمكن القول إنه ظاهرة بدأت تنتشر بدرجات متفاوتة... في المجتمعات( الأولية)ذات الروابط التقليدية القوية... وسواء دري بن عبد العزيز أو لم يدري ،فإنه قد عكس مرحلة مهمة من مراحل تطور المجتمع الموريتاني ـ لكنها جاءت علي حين غرة ـ حسب البعض ـ لم تكن متوقعة ، لطغيان النظرة السطحية ـ المشحونة بمنطق الربح والخسارة ـ علي المشهد السياسي الموريتاني .
فشخصية بن عبد العزيز التواقة للإصلاح، و الآتية من أعماق نظام بلغ فيه الفساد درجة كبيرة .
وكذا استخدام البرلمانين لحقوقهم الدستورية.
واكتساب المعارضة قوتها وتماسكها من داخل البرلمان .
كل ذلك ضمن مؤشرات أخري يدل علي أن نخبتنا السياسية قد تحسنت .
كما أن: الانفصام الذي حدث خلال هذه الانتخابات بين العامة وقادتهم السياسيين: سواء كانوا شيوخ قبائل، أو أصحاب معروف بينهم.
واعتماد الجماهير علي خطابات المرشحين، وإن شكك البعض في ذلك
والاختفاء النسبي لظاهرة العاطفة عند أداء الواجب الانتخابي

هي الأخرى دلالات لا تدع مجالا للشك في أن مستوي جديدا من الوعي السياسي قد حصل لدي العامة ،وهو ما يثير احتمال تطور المجتمع إلي مستوي أحسن ، يقطف المجتمع بصفة عامة وبن عبد العزيز بصفة خاصة ثماره الطيبة ويتحمل هذا الأخير مسؤولياته الجسام ، ويحمل أعباءه الثقيلة .
فهو الذي يعيش الآن أكثر من غيره صعوبة انتقال المجتمع المحتملة من مرحلة إلي أخري، من حيث هو الميكانيزم أو الآلية الفاعلة في ما حصل من تقدم ، أو هو تلك الظاهرة السياسية المثيرة للجدل، في وقت بلغ فيه الفساد ذروته ، حتى استحال عند البعض إمكانية أن يخرج من ذلك النظام الفاسد من يستطيع أن يدير ظهره لتلك الظاهرة المستشرية ... معتبرين أن ما يقوم به الرجل هو مجرد ردة فعل لما ووجه به من معارضة ، أو هو مجرد حملة كما يقولون ،لكنهم نسوا أن خيوط الفجر تَرقب مع انتشار الظلام ، وأن الفرج يأتي حين يستبد اليأس ، وأنه من عمق المعانات تتشكل أول خيوط المعجزات .

لكن بالنظر إلي طبيعة المجتمع الموريتاني.... هل سيستطيع حقا الرئيس المنتخب ، أن يستمر في توجهه الإصلاحي ؟وأن يفي بما تعهد به أمام الشعب الموريتاني؟ وأن يبقي حقا علي مستوي تطلعات من انتخبوه علنا أو متحايلين علي كل الضغوط العرفية والعاطفية والحزبية ، واثقين من أنه سيشكل شيئا بالنسبة بموريتانيا؟ أو بعبارة واحدة: هل سيكون الرئيس المنتخب قادرا علي إدارة موريتانيا من الأعماق ، وهي علي مفترق مرحلتين متباينتين ، بين قاعدة عريضة أصبحت دارية معني الإصلاح وقيمته، وبين( نخبة) شاخت علي حب الفساد ...؟

إن هذا النجاح الباهر الذي حققه ولد عبد العزيز ، في الانتخابات الماضية قد امتزجت فرحته عند غالبية الناس باستشعار الخوف ، لا من الطعون المرفوعة ضده أو احتمال بقاء الأزمة السياسية، ولا من الخوف علي أمن البلاد ، بل من أن يتبدد الحلم الذي أودعه الرئيس المنتخب صدور الناس ،وأودعه الناس بدورهم صندوق الاقتراع يوم الثامن عشر يوليو،متأثرين في ذلك الاستشعار بخطاب المعارضة... من ناحية ،وخشيتهم من أن تكون البطانة سيئة من ناحية أخري.

لا يختلف اثنان اليوم علي أن ولد عبد العزيز رجل قوي وقيادي ،لذلك وبناء علي ما سلف من تجربة الرجل ،فإن العجز عن الاستمرار وعدم الوفاء بالتعهدات إن حصل ، لن يكون ضعفا منه أو تعمدا ـ كما أن البطانة ـ التي يجمع الكثيرون من أصحاب الرأي و الدراية ـ أنه لا يستعصى عليها أمير ولا سلطان ، لن تكون عائقا أمام مشروع الرجل التاريخي .

ليس هذا ولا ذاك يعتبر مصدرا حقيقيا للقلق ، بل إنما يقلق حقا هو عدم التجاوب السريع مع الإصلاح المأمول،في الوقت الذي قد لا يعي فيه الكثير من عامة الشعب ، أن الإصلاح أو التغيير يحتاج بقدر تجذر الفساد إلي وقت كافي ،فإذا لم يكن هناك تعاون حقيقي وسريع بقدر حجم المعضلة ،فإن ما سيحصل من تقدم لن يكون بوتيرة ، يستوي في ملاحظتها كل الناس ، فيخيل إلي البعض: أن أي شيء لم يحصل، لكن الذي لم يحصل حقا هو ما كان علي المجتمع أن يقوم به ، من تذليل للصعاب و استصحاب للإيجاب ، خصوصا من طرف تلك النخبة الجريئة التي يستحسن أن تكون جسرا قويا، لعبور المجتمع بين المرحلتين ... والتي ستخضع في الأسابيع القليلة القادمة ...لاختبار أساسي ... فهل سيبقي علقا في أذهان الوجهاء والفاعلين السياسيين، ما كان من طرق التعيين في المناصب السياسية ،والمحاصصة العادلة بين: الجهات والقبائل والأحزاب والمبادرات والتجمعات الداعمة للمرشح الناجح؟!بحيث يتصور ألائك ،أن كل تعيين إنما يقوم علي أساس من تلك المعايير ، فتلمع في أذهان البعض فكرة مفادها أنهم غيبوا ... ويحتج آخرون أنهم لم يحصلوا علي التمثيل المناسب ...أم أنهم سيعترفون الآن بجوهر الإدارة، ومعناها الحقيقي، لتعود إلي طبيعتها العمومية ، التي يستوي فيها أن يكون هذا الموظف أو ذاك من الأقارب أم لا ، فالحجة عليه إن نال من حق ـ عاما كان أو خاصا ـ والحجة له إن هو عان عليه .

هل سيعلمون الآن بأن المناصب المحببة لدي الجميع، سيكون ضررها المادي أكثر من نفعها المعنوي، خصوصا بالنسبة لمن عرفوها سابقا ، إن لم يكونوا صريحين وواقعيين ، مع أنفسهم ومع الأسرة والأقارب ... وإن لم يكونوا قادرين علي توصيل فكرة مفادها أن: المجتمع بأكمله مشترك في الفساد ـ حتى من حيث لا يعلم الكثير ممن هم بعيدين كل البعد عن الإدارة ـ وأن ترك العقليات السيئة... أمر ضروري لمواكبة إصلاح الإدارة ، ورفع الحرج عن من يريد ذلك.

لقد خطي الشعب الموريتاني في هذه الانتخابات خطوة كبيرة ،تنم عن مستوي جديدا من الوعي ،لما أختار من يقوده بناء علي الخطابات والممارسات السياسية ، لكن التغيير الذي بشر به الرئيس المنتخب ، لا يستطيع أن يسير فيه إلي النهاية ما لم ترافق إرادتَه إرادةُ الشعب كافة ، ولا سبيل إلي ذلك ،قبل أن يتعاون الفاعلون السياسيون ـ في الموالاة و في المعارضة ـ ويعطوا مثالا حيا في الممارسة و التوجيه ، فإن تخلصوا من كل العقليات المعيقة ... سرًع ذلك من تخلص العامة من كل المعوقات ، التي أصبحت من العادات العصية علي التغيير. ههنا بالذات ستتحسن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية للمجتمع الموريتاني ، بشكل جيد انطلاقا من تطور آليات الحراك السياسي.

وفي هذا الإطار أشيد بالدور المناسب للإعلام الحر والنزيه ، غير المنحاز إلي الموالاة ولا إلي المعارضة بالدرجة التي تعمي البصيرة عن مواطن الفساد ومعوقات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ،أو تدفع إلي تتفيه ما يقام به من خطوات ،في سبيل تقدم البلاد ، نزولا عند المصلحة الشخصية في الأولي، وسعيا للبحث عن الشهرة في الثانية ،فالشرط واقف بين الاثنين ، كلما خرج طرف عن المستوي المطلوب ،كان ذلك سببا في خروج الآخر، وربما بدرجة أكثر حدة ، وهو ما من شأنه إثارة الفتنة وعدم الاستقرار، وبالتالي غياب الفضاء المناسب لتحقيق العدل والمساواة ،ولو ظاهريا علي الأقل .
ومهما يكن من أمر فإن ما بعد انتخابات 18 يوليو 2009 في موريتانيا ،سيبقي سالكا وآمنا، ولن يشوبه إلا ما أسلفت من عدم الاستعداد،وقلة التفاعل الايجابي ـ من أي موقع ـ مع ما كشفت عنه هذه الانتخابات من تطور سياسي ، ستحكي تفاصيله قصة رسوخ الفعل السياسي كقاعدة صلبة ومنطلق أساسي ، لأي تطور يحصل داخل المجتمع الموريتاني .


سيد الأمين ولد باب
Sidel99@Mactoob.Com

المناخ

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026