تاريخ الإضافة : 29.01.2008 13:35

أيها الطلاب...أما من نهاية..؟!

فكم كان مخجلا أن تصدر الوزارة قائمة بالطلبة الممنوحين في الدورة الثانية لعام 2008، لا تزيد على مائة وبضع وأربعين، وكأن أصحابها ممنوحون في إطار التبادل الثقافي بين بلدان العالم،وليسوا لاجئين إلى هناك يستحثهم الشقاء وبقايا أمل رسموه ذات يوم في أذهانهم،

فكم كان مخجلا أن تصدر الوزارة قائمة بالطلبة الممنوحين في الدورة الثانية لعام 2008، لا تزيد على مائة وبضع وأربعين، وكأن أصحابها ممنوحون في إطار التبادل الثقافي بين بلدان العالم،وليسوا لاجئين إلى هناك يستحثهم الشقاء وبقايا أمل رسموه ذات يوم في أذهانهم،

لا خلاف بين اثنين على أن الوضع الذي يعيشه الطالب الموريتاني سواء في الداخل أو الخارج من أسوء الأوضاع وعلى جميع المستويات الاجتماعية و الاقتصادية وحتى السياسية،فلا الدولة وفرت له مؤسسات تعليمية ناضجة على مستوى وطنه تواكب احتياجاتها وتواكب في نفس الوقت طموح شباب العصر، ولا هي ساعدته على استكمال دراسته في الخارج -حتى وإن كان سيمضي جزءا كبيرا من تلك الفترة على حسابه الخاص -.
لقد ولد هذا الظرف إحباطا لدى الكثير من الشباب جعلهم يعزفون عن استكمال دراستهم العليا ويكتفون بشهادة الباكالوريا- لمن حالفه الحظ في الحصول عليها- وهو ما تنتج عنه خسارة كبيرة في أدمغة كانت ستحقق إبداعات ترفع رأس الوطن في المحافل العالمية لو وجدت العناية الكافية بها ، لذلك تسربت هذه الأدمغة في طرق شتى؛ اختار بعضها اللجوء إلى أدغال إفريقيا للعمل حمالا أو زبالا متحملا ما يرافق ذلك من إهانات نفسية وبدنية في سبيل الحصول على لقمة العيش التي لم تسعفه سنوات الدراسة في الحصول عليها.
وآخرون اختاروا شق عباب البحر في قوارب الموت أملا في إيجاد ما يساعد على تحقيق حلم عجزت عن تحقيقه مقاعد الدراسة.
فيما اكتفى آخرون بالبقاء على هامش الحياة في الوطن العزيز متشبثين بما تبقى عند أهله من قيم صلة الرحم والرأفة بالضعفاء.
والذي يرفض الاستكانة والخضوع للأمر الواقع ويصر على مواصلة دراسته يجد نفسه بين خيارين:أن يسجل في" مشروع جامعة موريتانيا" ويتخرج بشهادة يستحي حتى من تعليقها على جدار غرفته، وهو مدرك تماما أنه لن يجد من جواب عند من يتقدم إليه بها لتوظيفه سوى ابتسامة ساخرة.
ويبقى أمامه الخيار الثاني وهو أن يبيع أهله ونفسه وماله ويسافر إلى الخارج ليجد أمامه سفارة أو قنصلية مكتوب على بابها –بقلم الحال-" ممنوع دخول الطلبة".
ولنفترض أن القدر تدخل ويسر له سبل التسجيل بالطرق المستقيمة أو الملتوية ، فتلك بداية رحلة معاناة أخرى تتمثل في إمكانية توفير سبل الدراسة الكريمة، وهنا يبدأ مسار استنزاف ما تبقى عند أهله من مال –إن كان تبقى أصلا- ويسير في لجة هذا المسار ممنيا نفسه بالحصول على منحة إذا نجح في السنة الأولى يقيم بها صلبه ويخفف بها شقاء الأهل الذين يعلقون عليه كل الآمال ، وينتهي به هذا المسار إلى قانون015/2006 الصادر بتاريخ 01/03/2006 والذي يحرمه حتى من حق المنحة ويضع أمامه شروطا تعجيزية لن يجتازها أبدا.
أو يصطدم بارتجالية وزارة التهذيب الوطني، التي تترنح بين الخطط الفاشلة، والوعود الكاذبة.
فهي لم تخجل من إنفاقها الملايين على امتحانات وورشات لا طائل من وراءها في وقت يعيش فيه الطلاب في الداخل والخارج وضعا كارثيا ينذر بانفجار في الساحة الطلابية يدمر كل شيء.
أما يكفي من العار أن تعمم الوزارة المنحة على الطلاب الدارسين في الخارج، فهي منحة لا تكفي لنسخ أوراق المحاضرات فضلا عن تكاليف الحياة الأخرى.
فكم كان مخجلا أن تصدر الوزارة قائمة بالطلبة الممنوحين في الدورة الثانية لعام 2008، لا تزيد على مائة وبضع وأربعين، وكأن أصحابها ممنوحون في إطار التبادل الثقافي بين بلدان العالم،وليسوا لاجئين إلى هناك يستحثهم الشقاء وبقايا أمل رسموه ذات يوم في أذهانهم، ممنين أنفسهم بالعودة إلى ربوع هذا الوطن البائس ليساهموا على الأقل في تخفيض نسبة الأمية عن سقف 50% الذي وصلته في عهد حكومة الوعود العرقوبية.
رغم أن كل طالب مدرك أنه سيعود إلى وطنه بعد رحلة العناء الطويلة وهو يحمل شهادة مكتوب على وجهها الذي تراه الجهات المختصة "ممنوع من التوظيف "ليجد نفسه مرة أخرى يواجه نفس المصير الذي فر منه عندما حصل على الباكالوريا وهو: الأدغال أو البحر أو الهامش .

لكن السؤال الذي يبدو ملحا الآن هو : من المسؤول عن هذا الوضع؟
وهو سؤال يفضل الطلبة أن تكون الإجابة عليه "الدولة"،لأن ذلك يصادف هوى في أنفسهم يخفف عنهم عبء مسؤولية يجدون أنفسهم عاجزين عن تحملها مع ما هم فيه من عناء .
وقد تكون الإجابة صحيحة ولو جزئيا فمن حق أي مواطن على الدولة أن توفر له المتطلبات الأساسية للحياة كالسكن والصحة والتعليم والعمل وهذا ما لا يمكن للدولة إنكاره أو إنكار تقصيرها فيه.
لكن لماذا لا نبحث عن إجابة غير تقليدية لهذا السؤال ؟و نحمل الطلبة المسؤولية..
..نعم ... الطلبة هم المسؤولون عن الوضعية المزرية التي يعيشونها لأنهم يقفون عاجزين عن العمل على تغييرها أو على الأقل العمل على طرحها كقضية وطنية تطلب حلا عاجلا، وفتح ملفها قبل ملفات العبودية والمبعدين وبقية الملفات المطروحة على طاولة النقاش ، ولن يتمكن الطلبة من ذلك ما لم يدركوا أنهم هم من سيغير هذا الوضع. وأن أعدل الأنظمة في العالم لن يقدم لهم حقهم على طبق من ذهب .
فلا بد من حركة نقابية واعية ومتحضرة تدرك أبعاد المأساة وتدرك - بعد تخطيط طويل ومراجعة الوسائل والإمكانيات – ماذا تريد ؟وما ذا يمكن أن تفعل للوصول إليه؟.
إن الوقوف هكذا والاكتفاء بالبيانات التي تضيع في أدراج السكرتيرات أو تهوي بها ا لريح لن تحقق هدفا ولن تغير نظرة الدولة إلى الطلبة. بل لابد من حركة احتجاجية على جميع الأصعدة إعلاميا وسياسيا ونقابيا وإن تطلب الأمر النزول إلى الشارع .
فكل حركات العالم كان محركوها طلبة في ظروف -ربما- أسوء من ظروف طلبتنا لكنهم بالضغط حققوا ما يريدون.
أعرف أنه تحكمنا سلطة دكتاتورية بالفطرة ،رغم الطلاء الديمقراطي الذي لطخت به وجهها، وأعرف أننا سنواجه مصيرا محتوما يقاد فيه بعضنا إلى السجن وقد يلتحق فيه آخرون بالشهيد شيخنا ولد الطالب النافع الذي قتلته يد أوكل إليها الشعب حمايته ، لكن ما ذا يضيرنا إن سجنا أو قتلنا وحققت مطالبنا الوطنية في إعطائنا الحق في حياة كريمة ترفع من شأن وطننا الذي صرنا نخجل حتى من الانتماء إليه.

الجاليات

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026