تاريخ الإضافة : 02.08.2009 15:59

هوامش على زمن الأزمة

إمام الدين ولدأحمدو
Imam04@maktoob .com

لقد كان انقلاب السادس اغسطس نكسة حقيقية للمؤسسات الديمقراطية والتنموية في البلد ومثل ردة في العمل الحزبي والسياسي المنتظم،وأكد فيما لا يدع مجالا للشك أن في هرم السلطة العسكرية من يحسبون أنفسهم أعلى سموا من المنظومة السياسية في البلد بأكملها ويعطون بذلك لأنفسهم حق ممارسة الوصاية عليها، لكنه مثل كذلك بداية لتحول حقيقي في التعامل مع نزوات المؤسسة العسكرية المتسيسة التي بدت لا حدود لها..وشكل ميلاد الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية بداية ذلك التحول الحقيقي في التاريخ السياسي الموريتاني.. مؤذنة ببدء الإرهاصات الأولي لمواجهة أكثر نجاعة وفاعلية لانقلابات "المصلحة الذاتية" التي عمت بلواها البلد منذ الانقلاب الأول وحتى آخر انقلاب حتى لا أقول الانقلاب الأخير.
وكنت من الذين كتبوا بداية مشككين في جدوائية هذا التحالف وقدرة الكثير من تشكيلاته على الصمود والمواجهة المفتوحة لكنني لا أري أي حرج في القول اليوم أنني لم أكن موفقا في تلك القراءة،حيث أظهر ذلك التحالف بتشكيلاته المختلفة قدرة كبيرة على الصمود ،وأبانت عن حرص وقدرة على التماسك..كان عامل الوقت أكثر تدعيما لها عكس ما توقعه البعض.
وفي هذا المجال يستحق أول رئيس منتخب في هذا البلد..وأول رئيس يقدم استقالته بشكل طوعي خدمة لمصالح البلد..وقفة إجلال وتقدير على تضحياته الجسام دفاعا عن البلد رغم ما أصابه في سبيل ذلك..لقد كان سيد محمد ولد الشيخ عبد الله أكثر من رائع في مواجهة انقلاب 6 اغسطس واعطي الدليل البين على الوطنى المخلص الذي يضحي بكل شيء ويتحمل الصعاب من أجل مصلحة بلده،وفوق ذلك أظهرت الأزمة المعدن النفيس لكثير من الموريتانيين والموريتانيات لدرجة أننا لو سلمنا جدلا أن في الانقلابات ضارة نافعة واحدة لقلنا جازمين أن ضارة انقلاب 6 اغسطس النافعة كانت اكتشاف ذلك الجيل الممانع الرافض لمنطق انقلاب الغاب الأعمي.
إن هذه النخبة الممانعة التى فرضت اتفاق دكار تستحق كل الإحترام والتقدير،واعتقد أن الذين يشككون اليوم بجدوائية ذلك الإتفاق التاريخي بحجة أنه أضفي الشرعية على نظام انقلابي يرتكبون خطئا جسيما من حيث لا يدرون..فاتفاق دكار على علاته أنهي أزمة سياسية خطيرة هددت الانسجام الوطني وكادت أن تؤدي بنا إلى هاوية سحيقة لولا أن تداركتنا رحمة ربنا..وغيرة القلة من الأبناء المخلصين لهذا الوطن.
لقد أجبر اتفاق داكار سلطة عسكرية تعتمد قوة السلاح ومنطق القوة فى إستلاب الحكم والسيطرة عليه.. أن تذعن لصوت شعب مسالم،وتتقاسم سلطة مع قواه الوطنية، وتتراجع عن مواعيد أحادية رافقها بوادر مخاطر غير محمودة العواقب.

ما بعد الانتخاب..

إن انتخاب 18 يوليو لم يكن تكريسا لسلطة انقلابية كما يعتقد البعض أو يصر البعض الآخر أن يتوهم ذلك،بقدر ما كانت نتيجة طبيعية لانتخابات قوية استخدم فيها المال السياسي بشكل واسع لدي غالبية المرشحين إلا من رحم ربك وقليل ماهم، واستخدمت قوة السلطة وجبروتها من قبل طرف آخر على حساب آخرين بدون شك.
وقد كانت نتائج هذه الانتخابات مليئة بالدروس والعبر التي يجدر بنا استخلاصها خدمة لمصلحة واستقرار هذا البلد وأفرزت حقائق من الحري الانتباه والتوقف عندها:
كان من المفروض أن تكون نتائج هذه الانتخابات إيذانا ببداية تشكل للساحة السياسية على طريقة "انقراض الديناصورات السياسية"على حد تعبير الكاتب عبد الله ولد مياره، لكن هذه الديناصورات ومن خلال رفضها الاعتراف بنتائج الانتخابات تأبي الانقراض رغم أن سنها القانونية تحتم عليها ذلك، ومن هنا فإن مشكل المعارضة السياسية في موريتانيا أنها لم تدرك حتى الساعة أن من لا يصنع التغيير داخل هياكل حزبية ضيقة لا يمكن أبدا أن يكون أداة في صناعة التغيير السياسي بشكل عام..ومن يكرس السيطرة الفردية والديكتاتورية المقيتة في مؤسسات حزبية ضيقة حري به تجسيدها أكثر من فوق كراسي الحكم.
إن الأسباب الآنفة التي تجعل أهم المرشحين للانتخابات الرئاسية يرفضون الاعتراف بنتائج الانتخابات في الوقت الذي يعترف بها مرشح حزب "تواصل" محمد جميل ولد منصور تفرض وقفة تأمل وتفكير في قرارات هذا الحزب.

وقفة مع "تواصل"..

إن حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية "تواصل" أكثر الأحزاب الجادة ذات البعد الشعبي حداثة من حيث التأسيس والتشريع يستحق منا أكثر من وقفة تأمل وتفكير..ولو ساد منطق الإنصاف بين كتابنا وساستنا لكان حري بهم أن يقفوا مثل تلك الوقفة، لكن للأسف العقلية الفاسدة والذوق السقيم لدي غالبية نخبتنا الوطنية حجبت عنها الحقيقة وجعلتها غير قادرة على التفريق بين الصالح والطالح.
إن هذا الحزب بمواقفة يستحق الكثير من الرقابة والملاحظة..واعتقد بكل موضوعية وأنصاف أن مواقف التيار الإسلامي في موريتانيا منذ 2003 وحتى اليوم تستحق وقفة إجلال وتقدير من الإنصاف أن نقفها.
لقد كان الانسحاب من حزب التكتل الذي أسسه اسلاميو موريتانيا – كانوا يشغلون فيه وظائف قيادية- قرارا تاريخا بما تعني الكلمة من معني أسس لما بعده تقديرا واجتهادا ..وشكل بداية لمواقف صلبة لا تتزحزح رسمتها سنوات النضال الطويلة داخل زنازين السجون، ومثلت مبادرة الإصلاحيين الوسطيين بداية التشكل المؤسسي لحزب "تواصل" الذي أظهر درجة عالية من الوعي والنضج السياسي عجزت عنها الديناصورات المنقرضة والأحزاب المعمرة..وجاء قرار الحزب بدخول حكومة الرئيس سيدى محمد ولد الشيخ عبد الله الثانية ليعطي الدليل الأكبر على المرونة والحنكة التي ميزت قادة الحزب الناشئ ..ثم كان قرار التحالف مع الجبهة ليرفع حزب "تواصل" لواء الدفاع عن الديمقراطية.. المنطلق الثالث الذي ضمنه الحزب وثائقه باعتباره خيارا استراتيجيا لا رجعة فيه،وكان "تواصل" ضمن تحالف الجبهة الأكثر تماسكا وانسجاما مع خياراته التي دافع عنها.
وقد مثل ترشيح محمد جميل ولد منصور لرئاسيات 2009 بداية تشكل أخري ومرحلة نضالية جديدة نحن على ثقة كبيرة اليوم قبل الأمس بجدوائيتها بل وبحتميتها..وقد شكل الخطاب السياسي لمرشح الحزب ومستوى التجاوب مع هذا الخطاب أن "تواصل" حزب المستقبل الواثق بقوة.
وليس من الإنصاف في شيء أن لا نذكر لهذا الحزب أنه أول حزب سياسي موريتاني يكرس سنة التداول على هرم الأحزاب السياسية الموريتانية وقد ضمن نظامه ذلك حين حرم على قيادات الحزب أن تستمر في ذلك أكثر من 4 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.
لكل ما سبق أعتقد أن حزب "تواصل" رغم حداثته سابق على التفكير السياسي لرجالات السياسة وقادة الاحزاب في البلد وأكبر دليل على ذلك هو أن قراره الاعتراف بنتائج الانتخابات دون تردد هو نفسه القرار الذي تتجه نحوه اليوم غالبية القيادات السياسية باعتباره قرارا فرضته نتائج الانتخابات كما تفرضه مواقف المجموعة الدولية اليوم.

إلى أين نتجه..؟

لقد أفرز انتخاب 18 يوليو سلطة سياسية قوية تستند على دعم شعبي يتعزز أو يتقلص من خلال ما تنجزه على أرض الواقع كما تستند على قوة عسكرية مقدرة تجعلها الأكثر قدرة على صنع الاستقرار الذي افتقده بلد مل ثلاثية الانقلابات والانتقالات والانتخابات، وأصبح يرنوا إلى من يبني تنمية لا تحققها بطيبعة الحال نخب وبرلمانات "مصفقة" الأغلبية بها لا تعني أي شيء والاستقواء بها كمن يستند إلى ضعيف لا يغني من الحق شيئا.. إنها أغلبية متحولة كانت مع الرئيس"المختار" و"هيداله" و"معاوية" و"أعل" و"سيدي" واليوم مع "عزيز" وغدا مع من يرثه.. ومخطئ جدا من يعتقد بتجدد النخبة الحاكمة..إنها هي ذاتها لم تتجدد لكنها أنتجت أشكالا وأنماطا جديدة ..أظهرت قدرة كبيرة على التكيف ومستوى أكثر حنكة على الفتك والإفساد في الأرض متى تسني لها ذلك.
وإلى انتخاب قادم لا انقلاب قادم..أتمني أن يكون الرئيس المنتخب أكثر قدرة على فهم اللحظة والوعي بخطورة المرحلة لكي يكون أكثر قدرة فى الاعتماد على بطانة صالحة تقوده لما يخدم البلاد والعباد.

الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026