تاريخ الإضافة : 01.08.2009 15:08

ملاحظات حول مفهوم الاقتراع (الزرڮ) عند "البيظان

 د. محمد محمود الإمام

د. محمد محمود الإمام

تتجه الجمهورية الإسلامية الموريتانية أخيرا إلى تسجيل رقم قياسي في مجال تنظيم وتسيير الانتخابات خلال العقد الأول من القرن الواحد و العشرين: رئاسيات2003 /2007 / 2009 بلديات 2001/2006م –واحتمالات التجديد قائمة- نيابيات 2001/2006م –والبرلمان القائم مهدد بالحل-
وبغض النظر عن الظروف أو الدواعي التي أدت لذلك أو عن تلك المؤشرات التي تنذر بحصول المزيد من الحملات ثم الانتخابات فإنه من المفروض أو المفترض على الأقل أن يكون أفراد هذا الشعب الذين توجهوا إلى مكاتب التصويت أكثر من سبع مرات خلال السنوات التسع الأخيرة قد أصبحوا مثقفين في مجال الانتخابات بحيث يكون كل مواطن منهم واعيا لدوره وواجبه و يدرك تمام الإدراك دلالة مفهوم الانتخاب ، والاقتراع ، والتنافس، والنتائج :الآنية أو اللاحقة....

و الكثير من الشباب والطبقة المثقفة والنخبة السياسية الوطنية وخاصة في المدن الكبرى يتعاملون مع هذه "الألعاب الديمقراطية" انطلاقا من فهمهم لدلالة مفهوم: الاقتراع أو التصويت اللذين يرادفهما مفهوم "الزرڮ" في اللهجة الحسانية وهي اللغة الأم لأكثر من ثلثي ساكنة هذه البلاد .
بيد أنه من اللافت للنظر أن مفهوم الزرڮ عند الكثير من الموريتانيين "البيظان" لا يتطابق ومفهوم الانتخاب أو التصويت بالمعنى الديمقراطي المعروف عالميا للكلمة وهو الذي يعني فيما يعني إمكانية التغيير والتطوير من حال إلى آخر أو التداول السلمي للسلطة أو على الأقل المشاركة في زحمة الآراء والسياسات المقترحة من أجل غد أفضل للدولة والشعب... فالزرڮ كلمة تحيل في الحسانية إلى:

-الرمي : والرمي قد يصيب وقد يخطئ
-محاولة الفهم بذكاء: أي بواسطة المشاركة في الإجابة على سؤال له جواب واحد محدد.
-واللغز: وهو مرادف للزرڮة
-القرعة: فعبارة زرڮ العود تعني حرفيا سحب القرعة.
وبناء عليه ولكي يكون المشارك: [السياسي الموريتاني] في عملية الزرڮ ناجحا ومتمرسا في فن السياسة –المحلية- يتحتم عليه أن يختار المرشح الناجح في النهاية بغض النظر عن شخصه وحزبه وخلفيته والذي يريد أن يحالفه الحظ ويشهد له الجميع مستقبلا بأنه ومنذ الوهلة الأولى كان عارفا إلى أين تسير الأمور في هذا البلد لا بد له أن يستفيد من معطيات القوة ومؤشرات الضعف التي ترجح كفة على حساب أخرى وعندما لا يستفيد المشارك في اللعبة من تلك المعطيات أو يحدد موقفه انطلاقا من البرامج الانتخابية للمرشحين أو التوجهات الإيديولوجية التي تتفق مع توجهاته أو ما شابه ذلك فإنه يعتبر فاشلا في هذا الفن أو هذه اللعبة حسب نظرة الغالبية العظمى من قيادات وسياسيي هذا الشعب.

في السوق مثلا وبشكل يومي تسمع حديثا روتينيا بين شخصين يتحدثان عن الانتخابات القادمة أو السابقة، يسأل أحدهما الآخر:مع من أنت يا أخي؟ فيجيبه أنا مع عمرو وأنت؟ فيقول الأول بلهجة تمتزج فيها نبرة العتاب بلغة النصح: أنت لا تعرف السياسة هذا مرشح فاشل ولن ينجح البتة. ألا تعرف انه ليس مرشحا من النظام وأن كل كفاءاته محكوم عليها بأن تظل مهدورة حتى يموت؟؟ يا أبتاه نحن قوم لا يليق بنا أن نكون في موقف ضعف أو ذل أو هزيمة و هوان... وقد قال لي ذلك زيد وهو –كما تعلم- صاحب حدس سياسي خارق ويعرف أن النظام لا يمكن العناد معه... وفي الغالب يقتنع المسكين "المتلقي" بهذه الفكرة...

و تتضح صورة هذا المفهوم: "مفهوم الزرڮ عند البيظان" أكثر فأكثر بعد كل انتخابات حيث يحاول كل من لم يحالف الحظ مرشحه أن يتنكر لاختياره خلف الستار لكي يكون ناجحا خاصة إذا كان في حضرة عسكري أو شرطي أو مشتبه فيه أو مسؤول سام في الدولة وإداراتها الهامة :أهل المخزن -باستثناء التعليم- أو أمام جمع من العامة الذين سيضحكون لا محالة ممن لم يبتسم الحظ لخياراتهم ...

وهناك ظاهرة مخجلة ذات صلة بالموضوع تنتشر في البلاد و العاصمة نواكشوط بشكل خاص :حيث تسمع عن بعض الشبان المثقفين يستبدلون الحوانيت التي كانوا يجلسون فيها في أوقات فراغهم "الكثيرة" ويتحاشون لقاء معارفهم وخاصة خصومهم في السياسة لمجرد أن الحظ لم يحالف توجهاتهم خوفا من الشماتة وكأنهم قد اقترفوا آثاما لا تغتفر وهم من يعول عليهم في التشرف علنا بالانتماءات والشعارات التي تميز كل تيار عن غيره ولو لم يكسب المعركة الانتخابية الراهنة أو السابقة.

أما في داخل البلاد حيث "موريتانيا الأعماق" كما يحلو للبعض أن يسميها فإن الأسر والجيران والقرى والقبائل أحيانا وكل الذين عبروا بالصور والشعارات وأشرطة الدعاية خلال الحملات عن توجهات معينة فستكون علاقاتهم البينية بعد كل انتخابات في غاية التوتر والإحراج... وهذا غالبا هو واقع الأرياف والبوادي التي تسكنها مجموعات أسرية لا يخرج فيها ناخب واحد عن سجلات شجرة القبيلة الواحدة.. ففي مثل هذه التجمعات يزداد الأمر تعقيدا بعد كل زرڮ لأن تلك المواقف المتباينة بين أقطاب الساحة المحلية غالبا ما تكون سابقة على المواسم السياسية و الانتخابية بل إن الحملات الانتخابية في مثل تلك البيئات هي موسم تتجلى فيه بوضوح الخلافات الأسرية والقبلية الخالصة ولذلك تكون دوافع التصويت لزيد أو عمرو أو السعي إلى رفع نسبة المشاركة في المكاتب المحلية مختلفة تماما عن مثيلاتها في المدن. باعتبار أن الذين سيحصلون على النتيجة الكبرى على المستوى المحلي هم الفائزون في نظر العامة وبتزكية من المراقبين "المحليين" : شياطين الإنس الذين يحكمون الدولة بسياسة فرق تسد المعروفة.

ختاما أشير إلى أنه من واجب أولئك الذين حظوا بمستوى فكري ورصيد علمي يؤهلهم لإدراك هذه المفاهيم وخطورة أن تظل هذه الصورة النمطية للنصر أو الهزيمة في السياسة الوطنية قائمة وخاصة الإعلاميين الكبار أقول: من واجبهم وهم أدرى وأقدر أن يساهموا في تسليط الأضواء على هذه المفاهيم وعلى النتائج التي تترتب عن عدم فهمها فهما صحيحا.

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026