تاريخ الإضافة : 22.07.2009 19:00
التعليم...وسنوات الضياع
بقلم:أحمدو بمب ولد محمدو
ahmedou_bamba@hotmail.com
خلاصة: كانت عندنا وزارة للتسريب ثم تطورنا بعد ذلك في الفساد الإداري لنصل إلى وزارة للفساد الإداري العالي و البحث القبلي، وفي إطار تطورنا دائما ونظرا لقوة مؤسساتنا التعليمية الآنفة الذكر، من ثابر وجد و اجتهد وحالفه الحظ و الصدفة وتفوق سيمنح إلى الخارج ليواصل تكوينه التعليمي برعاية من سفاراتنا في الخارج التي لا تفرق بين لوائح الناخبين و لوائح الممنوحين.
مراحل الخديعة
أتذكر عند ما كنت في الابتدائية،قالوا لنا استعدوا ذات يوم غدا سيزوركم وزير التهذيب الوطني ليتفقد أحوالكم و أوضاعكم، وكان الوزير أنذاك الأستاذ أسغير ولد أمبارك و منذ ذلك الوقت وأنا أنتظر الإصلاح التربوي وثمار الزيارة المذكورة.
مرت سنون بعد ذلك، وتواصلت مراحل الخديعة إلى أن كبرنا قليلا و أصبحنا نتطلع إلى الدراسة في الخارج، كنا نعتقد أن من لم يدرس في الخارج لن يكون له مستقبلا زاهرا، وكانت وزارتنا لها نفس الفلسفة، كانت تدرك أنها لا تستطيع أن توفر تعليما جامعيا لائقا، لكنها أوهمتنا أن المنح مجرد تكريم للطلبة ليس إلا،وأوهمت أهل الخارج أن ما يمنح لهم المتفوقون مما فرض عليها دائما زيادة معدلات الطلبة،ثم أوهمتنا الوزارة بعد ذلك أنها تراجعت عن زيادة المعدلات و أوهمناها أننا صدقناها، وبدأنا نجلس تحت شجرة العظماء.
شجرة العظماء هكذا كنا نسميها، وهي الشجرة التي يجلس تحتها الطلبة الممنوحين في انتظار خروج المنح و التوجيهات، تلاعب من الوزارة لا حدود له، إداريون لا يعرفون أبجديات التسيير و يتحكمون في مستقبل النخبة و العباقرة، الوزارة تختار لنا تخصصات لا علاقة لها بمسيرتنا العلمية، تمنحك للإعلام إن كنت علميا و تمنحك للمحاسبة إن كنت أدبيا و الأدلة عندي و النماذج كثيرة، تحجب التخصصات المهمة ممن لا يعرفون الحجب و التعصيب،وهكذا نجمع أمتعتنا بين متعة السفر و التألق و التفوق و مرارة الغربة و الحنين و الشوق وتبدأ المأساة.
بداية المأساة
قبل أن نغادر الوطن كنا نعتقد أن ظروف الدراسة في جامعة نواكشوط لا يوجد أسوء منها و يبدو أن قدر طلاب بلاد السيبة واحدا أينما كانوا، بدأ حلمنا المعرفي يتحقق وليته لم يتحقق،فعلى الأقل كنا نعاني بين أهلنا وفي وطننا،أول من استقبلناه وكان من الفروض أن يستقبلنا هو سفارتنا"السفارة في العمارة"دخلنا مكتبا على الهامش في السفارة يتولى تسيير النخبة و الثقافة، وهو أمر طبيعي لأن نخبتنا على الهامش وثقافتنا على هامش الهامش،وإذا لم تكن متضلعا في اللهجة الحسانية ودقائقها وتلميحاتها وألغازها فانك لن تستوعب الكثير من الاستشارة الثقافية، وبعد مساعدتنا من المصالح الإدارية الأجنبية تجاوزنا العقبات الأولى لكن المشوار المأساوي أمامنا ظل طويلا وممتعا ومليء بالتحديات و المفاجئات.
ضمانة المنحة و التذكرة
عندما تجد اسمك ضمن الممنوحين ينبغي أن لا تفرح كثيرا لأن اللوائح تطبع كل شهر،من أجل إضافة آخرين لأسباب زبونية و فنية وقبلية ، و تسقط أسماء الكثيرين لأنهم لم يدفعوا شهادات تسجيلهم، وليس لهم معول عليه إلا أقلامهم المتميزة التي أوصلتهم إلى النفق،ومن سلم من سقوط اسمه فانه لن يسلم من تأخر المنحة الممل ،والإضراب المشروع نتيجته محسومة سلفا القمع والاعتقال من الشرطة وطلبة الجزائر دليل من مئات الأدلة.
أما تذاكر السفر فهي آخر ما تفكر فيه الوزارة بعد الحملات الا نتخابية وبعد نهاية موسم الخريف، وإخوتنا عالقون في أبعد بقاع العالم حتى أصبحت أجيالنا تكره المنح و تكره الدراسة وتكره الوزارة و تكره الوطن.
تجربة شخصية
قبل حوالي خمس سنوات سقط اسمي من لائحة الممنوحين ومازال ساقطا منها حتى الآن،لم تنفعني الطرق المشروعة و الطبيعية،ولم استنجد بأية زبونية أو معرفة لسببين أساسيين أولهما أنني مظلوم والثاني أنني لا أرضى أن يكتمل مشواري العلمي بطريق غير مشروع ،وعندما رجعت إلى الوطن سألت رئيس مصلحة التوجيه في الوزارة آنذاك الأستاذ سيدي ولد أميليد عن وضعيتي فرد علي بكل فخر:أنا من قطع منحتك.طبق علي القانون الذي لم يطبقه على أخته التي كملت تعليمها رغم معدلها المتواضع على حساب الوزارة في مصر، مع أنني كنت ناجحا بالرتبة الأولى على المستوى الوطني ولم تعرف الوزارة معدلا أكبر من معدلي حتى الآن في شعبتي،أعجبتني صرامة ولد أميليد المصطنعة وحاولت أن أنسى الموضوع الذي لن أنساه.
سياسة الوزارة
لو كنت الآن مكان الرئيس محمد ولد عبد العزيز لحولت وزارة التعليم العالي و البحث العلمي إلى وزارة للإيراد و التصدير،إيراد الإرادة الصادقة والإحساس بمعاناة طلبتنا وتصدير أجيال مطمئنة سعيدة و قادرة على بناء وطنها،وكمثال على سياسة الوزارة، توزيعها الأخير للمنح على معايير اعتبرتها قمة في التسيير و النزاهة وهي منحها لجميع طلبة الدكتوراه، والذين بعضهم موظف في موريتانيا، ولا يذهبون إلى أماكن دراستهم الا مرة في العام، بينما حرمت أغلب طلبة "الماستر" من المنحة مع أنهم أحوج لها من طلبة الدكتوراه ويدرسون في نظام قاس وصعب والحضور فيه إلزامي...ما أذكاك أيتها الوزارة و ما أعدلك،رحم الله عمر بن الخطاب.
عندما عاد جيلنا من سنوات الضياع
بعدما عادت أجيالنا من سنوات الضياع إلى جامعة أنواكشوط التي عجزت أن تفتح لهم دراسات عليا ،وجدت أمامها جماعات تتحكم في الجامعة،أساتذة درسوا في أنظمة تعليمية لا تصلح الآن لأن تدرس في الثانوية، وجدوا شهادة الماجستير التي يعطيها معهد الجامعة العربية هي الأصل الذي تقاس عليه الشهادات ،والاستثناء هو شهاداتنا نحن الجيل الجديد الذي درس المناهج الحديثة، ودرس اللغات والمعلوماتية.
ليس التناوب بين السلطات والأحزاب السياسية هو كل ما نحتاجه،إننا نريد التناوب بين الأجيال،فلا يمكن لجيل شاخ أن يقرر ويخطط لمستقبل جيل جديد،نعترف لنخبنا التقليدية بدورهم الذي لعبوه في التوجيه و المقاومة والتحريرمع ما نكنه لهم من تقدير واحترام، لكنهم لم يستوعبوا أن مهمتهم قد انتهت ،وآن لنا أن نسير بلادنا بأنفسنا وأن نعوضها عن سنوات الضياع.
ahmedou_bamba@hotmail.com
خلاصة: كانت عندنا وزارة للتسريب ثم تطورنا بعد ذلك في الفساد الإداري لنصل إلى وزارة للفساد الإداري العالي و البحث القبلي، وفي إطار تطورنا دائما ونظرا لقوة مؤسساتنا التعليمية الآنفة الذكر، من ثابر وجد و اجتهد وحالفه الحظ و الصدفة وتفوق سيمنح إلى الخارج ليواصل تكوينه التعليمي برعاية من سفاراتنا في الخارج التي لا تفرق بين لوائح الناخبين و لوائح الممنوحين.
مراحل الخديعة
أتذكر عند ما كنت في الابتدائية،قالوا لنا استعدوا ذات يوم غدا سيزوركم وزير التهذيب الوطني ليتفقد أحوالكم و أوضاعكم، وكان الوزير أنذاك الأستاذ أسغير ولد أمبارك و منذ ذلك الوقت وأنا أنتظر الإصلاح التربوي وثمار الزيارة المذكورة.
مرت سنون بعد ذلك، وتواصلت مراحل الخديعة إلى أن كبرنا قليلا و أصبحنا نتطلع إلى الدراسة في الخارج، كنا نعتقد أن من لم يدرس في الخارج لن يكون له مستقبلا زاهرا، وكانت وزارتنا لها نفس الفلسفة، كانت تدرك أنها لا تستطيع أن توفر تعليما جامعيا لائقا، لكنها أوهمتنا أن المنح مجرد تكريم للطلبة ليس إلا،وأوهمت أهل الخارج أن ما يمنح لهم المتفوقون مما فرض عليها دائما زيادة معدلات الطلبة،ثم أوهمتنا الوزارة بعد ذلك أنها تراجعت عن زيادة المعدلات و أوهمناها أننا صدقناها، وبدأنا نجلس تحت شجرة العظماء.
شجرة العظماء هكذا كنا نسميها، وهي الشجرة التي يجلس تحتها الطلبة الممنوحين في انتظار خروج المنح و التوجيهات، تلاعب من الوزارة لا حدود له، إداريون لا يعرفون أبجديات التسيير و يتحكمون في مستقبل النخبة و العباقرة، الوزارة تختار لنا تخصصات لا علاقة لها بمسيرتنا العلمية، تمنحك للإعلام إن كنت علميا و تمنحك للمحاسبة إن كنت أدبيا و الأدلة عندي و النماذج كثيرة، تحجب التخصصات المهمة ممن لا يعرفون الحجب و التعصيب،وهكذا نجمع أمتعتنا بين متعة السفر و التألق و التفوق و مرارة الغربة و الحنين و الشوق وتبدأ المأساة.
بداية المأساة
قبل أن نغادر الوطن كنا نعتقد أن ظروف الدراسة في جامعة نواكشوط لا يوجد أسوء منها و يبدو أن قدر طلاب بلاد السيبة واحدا أينما كانوا، بدأ حلمنا المعرفي يتحقق وليته لم يتحقق،فعلى الأقل كنا نعاني بين أهلنا وفي وطننا،أول من استقبلناه وكان من الفروض أن يستقبلنا هو سفارتنا"السفارة في العمارة"دخلنا مكتبا على الهامش في السفارة يتولى تسيير النخبة و الثقافة، وهو أمر طبيعي لأن نخبتنا على الهامش وثقافتنا على هامش الهامش،وإذا لم تكن متضلعا في اللهجة الحسانية ودقائقها وتلميحاتها وألغازها فانك لن تستوعب الكثير من الاستشارة الثقافية، وبعد مساعدتنا من المصالح الإدارية الأجنبية تجاوزنا العقبات الأولى لكن المشوار المأساوي أمامنا ظل طويلا وممتعا ومليء بالتحديات و المفاجئات.
ضمانة المنحة و التذكرة
عندما تجد اسمك ضمن الممنوحين ينبغي أن لا تفرح كثيرا لأن اللوائح تطبع كل شهر،من أجل إضافة آخرين لأسباب زبونية و فنية وقبلية ، و تسقط أسماء الكثيرين لأنهم لم يدفعوا شهادات تسجيلهم، وليس لهم معول عليه إلا أقلامهم المتميزة التي أوصلتهم إلى النفق،ومن سلم من سقوط اسمه فانه لن يسلم من تأخر المنحة الممل ،والإضراب المشروع نتيجته محسومة سلفا القمع والاعتقال من الشرطة وطلبة الجزائر دليل من مئات الأدلة.
أما تذاكر السفر فهي آخر ما تفكر فيه الوزارة بعد الحملات الا نتخابية وبعد نهاية موسم الخريف، وإخوتنا عالقون في أبعد بقاع العالم حتى أصبحت أجيالنا تكره المنح و تكره الدراسة وتكره الوزارة و تكره الوطن.
تجربة شخصية
قبل حوالي خمس سنوات سقط اسمي من لائحة الممنوحين ومازال ساقطا منها حتى الآن،لم تنفعني الطرق المشروعة و الطبيعية،ولم استنجد بأية زبونية أو معرفة لسببين أساسيين أولهما أنني مظلوم والثاني أنني لا أرضى أن يكتمل مشواري العلمي بطريق غير مشروع ،وعندما رجعت إلى الوطن سألت رئيس مصلحة التوجيه في الوزارة آنذاك الأستاذ سيدي ولد أميليد عن وضعيتي فرد علي بكل فخر:أنا من قطع منحتك.طبق علي القانون الذي لم يطبقه على أخته التي كملت تعليمها رغم معدلها المتواضع على حساب الوزارة في مصر، مع أنني كنت ناجحا بالرتبة الأولى على المستوى الوطني ولم تعرف الوزارة معدلا أكبر من معدلي حتى الآن في شعبتي،أعجبتني صرامة ولد أميليد المصطنعة وحاولت أن أنسى الموضوع الذي لن أنساه.
سياسة الوزارة
لو كنت الآن مكان الرئيس محمد ولد عبد العزيز لحولت وزارة التعليم العالي و البحث العلمي إلى وزارة للإيراد و التصدير،إيراد الإرادة الصادقة والإحساس بمعاناة طلبتنا وتصدير أجيال مطمئنة سعيدة و قادرة على بناء وطنها،وكمثال على سياسة الوزارة، توزيعها الأخير للمنح على معايير اعتبرتها قمة في التسيير و النزاهة وهي منحها لجميع طلبة الدكتوراه، والذين بعضهم موظف في موريتانيا، ولا يذهبون إلى أماكن دراستهم الا مرة في العام، بينما حرمت أغلب طلبة "الماستر" من المنحة مع أنهم أحوج لها من طلبة الدكتوراه ويدرسون في نظام قاس وصعب والحضور فيه إلزامي...ما أذكاك أيتها الوزارة و ما أعدلك،رحم الله عمر بن الخطاب.
عندما عاد جيلنا من سنوات الضياع
بعدما عادت أجيالنا من سنوات الضياع إلى جامعة أنواكشوط التي عجزت أن تفتح لهم دراسات عليا ،وجدت أمامها جماعات تتحكم في الجامعة،أساتذة درسوا في أنظمة تعليمية لا تصلح الآن لأن تدرس في الثانوية، وجدوا شهادة الماجستير التي يعطيها معهد الجامعة العربية هي الأصل الذي تقاس عليه الشهادات ،والاستثناء هو شهاداتنا نحن الجيل الجديد الذي درس المناهج الحديثة، ودرس اللغات والمعلوماتية.
ليس التناوب بين السلطات والأحزاب السياسية هو كل ما نحتاجه،إننا نريد التناوب بين الأجيال،فلا يمكن لجيل شاخ أن يقرر ويخطط لمستقبل جيل جديد،نعترف لنخبنا التقليدية بدورهم الذي لعبوه في التوجيه و المقاومة والتحريرمع ما نكنه لهم من تقدير واحترام، لكنهم لم يستوعبوا أن مهمتهم قد انتهت ،وآن لنا أن نسير بلادنا بأنفسنا وأن نعوضها عن سنوات الضياع.







