تاريخ الإضافة : 22.07.2009 12:56

هنيئا للفقراء

سعدبوه الشيخ سيد محمد
كنت تحت وقع الصدمة المذهلة التي خلفتها نتائج اقتراع الثامن عشر من يوليو’لا أكاد أصدق ما أسمع ولا أستبين ما أرى’ولولا رحمة ربي وبعض القصاصات الإخبارية التي بدأت ترد إلى هاتفي النقال منبئة باحتفالات صاخبة في أحياء الصفيح ابتهاجا بفوز المرشح الكاسب ، لذهبت بي الصدمة إلى مذهب بعيد.

كنت أتفحص الخبر وأمسح عينيي لأتأكد من قراءته وما هي إلا لحظات حتى نزلت جموع "الفقراء" إلى شوارع "عرفات" الفقيرة إلى الصيانة والنظافة وانطلقت أبواق السيارات تعانق عنان السماء فكانت ليلة فرح بامتياز.

أتأمل وأنا المصدوم بالنتيجة’ المشدوه لاحتفالات الفرح وجوه جموع الفقراء الكالحة وهي تتصنع البسمة وتتخلق بالسرور فأصدقهم مرغما عساي أتخلص من بعض الشعور المذهل بالصدمة وأتصنع أنا الآخر الفرح أو على الأقل الرضى نزولا عند رغبة الفقراء وانسجاما مع حالهم فهم محيطي الذي لا أجد مكانا خارجه وعشيري الذي لا تأخذني صبوة بسواه .

هنيئا للفقراء

كانت وجوههم المسودة بشظف العيش تجهد لتظهر ابتسامات هي أشبه بخافت الضوء الذي يتراءا في آخر النفق المظلم وكان الشعار الوحيد: عزيز عزيز رئيس الفقراء’ وقفت أتأمل المشهد رغم التعب الشديد الذي كنت أشعر به وأنا الخارج لتوي من يوم طويل داخل أحد مكاتب الاقتراع’يوم طويل متعب ولد في نهاية المطاف تلك الصدمة التي لا أزال أرزح تحت وقعها.

تزايدت جموع الفقراء المحتفلين من حولي وتعالت صيحاتهم وتزاحمت أجسادهم المنهوكة في ليلة خريفية حارة صنعت من ذرات الغبار التي أثارتها أقدامهم الحافية وقطرات العرق المنسكب من أجسادهم النحيلة خلطة عجيبة سريعة التأثير قوية المفعول جعلتني أتناسى تحت تأثيرها الصدمة وأفقد الشعور بالواقع وأسمو إلى عالم ملكوت الفقراء.

في عالمي الجديد رأيت سيول الفقراء الهادرة من عرفات تعانق مثيلاتها من الرياض والسبخة ودار النعيم وتوجنين وتيارت والميناء يسابقون بأقدامهم الحافية سيول السيارات الفارهة إلى أن ينتهي الجميع إلى ساحة الفردوس الموعود "ساحة التغيير" بعرفات حيث تذوب الفوارق فيستوي الأغنياء والفقراء والأقوياء والضعفاء و يلتقي الحاكم بالمحكوم ،وحينها طلع من بين الجموع وجه "رائد التغيير البناء" "رجل المرحلة""رئيس الفقراء"
فارتفعت صيحات التأييد وعبارات التهنئة وكانت لحظات قصيرة كالحلم تحدث فيها القائد حديثا مقتضبا على غير عادته غابت عنه أغلب المفردات التي جيشت له جيوش الفقراء هذه طيلة الفترة الماضية ،لكن وعوده للفقراء بقيت حاضرة وذلك الأهم.

تفرقت الجموع فقفلت متثاقلا لا تكاد قدماي تحملاني من شدة التعب’ ووقفت دقائق طويلة على الرصيف أطلب سيارة أجرة تأخذني إلى حيث أسكن في الرياض خلف المقبرة الهادئة وحدها في تلك الليلة الصاخبة ،لكن سيارات الأجرة في تلك الليلة كانت أكثر امتلاءا من مكاتب الاقتراع وأقل من الموضوعية والحياد في ساعات الفرز الطويلة ،سرت على قدمي المثقلتين بجسدي المنهك وهموم الفقراء الكثيرة وأنا أحلم كما حلم الفقراء من حولي بالصباح الجديد حين تخطو الأمة خطواتها الأولى إلى "عهد عزيز"" حيث لا فقر ولا بيوت صفيح " حيث العدالة والأمن ومحاربة الفساد ومعاداة السامية حيث زيادة الرواتب وخفض الأسعار و توفير الخدمات للمواطنين ، حيث العمارات الشاهقة والشوارع المزينة الجميلة وفرص العمل الكثيرة ...
وأخذت أتخيل الصورة الجديدة للمدينة فأرى شوارعها الواسعة المضيئة وحدائقها الغناء المزينة بالمصابيح المتلألئة ونوافير المياه والساحات الخضراء والأسواق المليئة بالبضائع الرخيصة والمدارس والمستشفيات ... وفجأة اصطدمت "ببنطرة" تتربع وسط أحد مشاريع "بيع اللبن" المنتشرة على حافة الرصيف فسقطت وأنا أقاوم الإغماء من شدة التعب والإعياء ’وأفقت من حلمي الجميل فإذا أنا قد تجاوزت الحي الذي أسكنه بمئات الأمتار فحزنت لأن علي أن أقطع كل تلك المسافة عائدا’وحزنت أكثر لأن حلمي الجميل انقطع قبل أن أوصي جموع الفقراء المزهوة بفوزها وهي تستعد لتقتلع في وثبة تاريخية كل أحياء الصفيح من العاصمة ’أن تترك بيت صفيح واحد نجعله تمثالا خالدا يتوسط "ساحة التغيير" ليذكرنا بالواقع الأليم الذي عشناه قبل أن يطل عهد سلطة الفقراء ويبدأ عصر "عزيز" "حيث لافقر ولا بيوت صفيح".

هنيئا لكم يا جموع الفقراء بفوز مرشحكم ورائد نهضتكم وزعيم ثورتكم من أجل المساواة مع الأغنياء .
هنيئا لكم سعادة اللقاء مع مرشحكم وشرف الاجتماع مع رجال الأعمال على ذات الصعيد’وإلى أن تتزين بيوت صفيحكم من جديد بعد خمس سنوات أو أقل بصور وأعلام طبعة جديدة من "رئيس الفقراء" لكم مني أعظم الشفقة وأتم الإزدراء.



المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026