تاريخ الإضافة : 22.07.2009 10:00

عشرة خيوط نسجت "الثامن عشر"

التقي ولد الشيخ

التقي ولد الشيخ

بقلم: التقي ولد الشيخ

بعيدا عن التنظير الذي يرى في انتخابات الثامن عشر يوليو ثورة شعبية ووعيا سياسيا ، والتفكير الذي يعتبرها انقلابا على إرادة الشعب وتزويرا مدويا ؛ يجد متوخي الحقيقة نفسه مطالبا بتلمس الخيوط التي نسجت النسبة
التي حصدها الجنرال محمد ولد عبد العزيز في تلك الانتخابات، والتي تجاوزت 52 بالمائة ، وهو رقم يبدو أن العسكريين أصبحوا يتفاءلون به منذو أيام العقيد اعل ولد محمد فال .

بعيدا ـ إذن ـ عن تقديس تلك النسبة أو تنجيسها سنحاول الإمساك ببعض ما نراه خيوطا ساهمت في نسج ذلك
الحدث دون أن نقف عند ما تراه المعارضة تلاعبا بالنتائج ، ابتداء من عرقلة المسجلين على اللوائح الانتخابية
فيما بعد اتفاق داكار، مرورا بما تصفه استنساخا لبطاقات التصويت وتداولا لها خارج المكاتب سعيا للتأثير على
إرادة الناخب ، وانتهاءً بما تدعوه مادة كيميائية يسقط معها المؤشر الذي يضعه الناخب في خانة مرشحه بمجرد
طي بطاقة التصويت بحيث لايبقى غير مؤشر الجنرال الذي كتب قبل المادة المذكورة وعلى ما يناهز ثلثي البطاقات !

نعم ،لانقف عند هذه التفسيرات والتعليلات للنسبة الكبيرة التي خرج بها الجنرال من بين منافسيه لأننا ـ ببساطة ـ
لانملك آليات التحقق من ذلك ، وكل ما نملكه هو خلاصا ت يمكن أن نستأنس بها في انتظار أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر .

ولئن كان احتمال التزوير واردا في بلد إفريقي عربي تاريخه مع مصادرة آراء الناخبين طويل فإن ماحدث في انتخابات السبت هو صورة منتزعة من متعدد ونتيجة شبه حتمية لظروف وملابسات اكتنفت العملية الانتخابية وكانت جميعها تصب في خانة ولد عبد العزيز ويمكن أن نُلمع إلى عشرة خيوط قد تكون ساعدت في حبك تلك الظروف والملابسات هي:

- وجود إدارة إقليمية فصلها الجنرال بمقاسه ولم يطلها اتفاق داكار فبقيت شبحا ماثلا في ذهنية المواطن المسكون بثقافة "المخزن" التي من أهم تجلياتها الإيمان بسيزيفية معارضة من تقف الدولة معه .
- دخول الجنرال في حملة مفتوحة طيلة عشرة أشهر شتت شملها بالأسفار في الداخل وملأ خلالها الساحات العمومية في العاصمة بمخيماته وصوره مما أكسبه حضورا في الوعي الشعبي فيما كان
خصومه يشتغلون بإفشال الانقلاب .

- نزول ولد عبد العزيز إلى الأحياء الشعبية والقيام ببعض الإنجازات على صعيد الطرق والتخطيط إضافة إلى خفض أسعار المواد الأولية وتوزيع بعضها؛ فقد أكسبه ذلك تقبلا عند العامة التي لاتفهم دافعه إلى ذلك كما يفهمه المثقفون والساسة .

- إعلان الحرب على الفساد ؛ حيث استطاع الجنرال أن ينتزع من المعارضة خطابها التقليدي وأن يجعلها تتعقد من ذلك الخطاب ؛ مدغدغا مشاعر الدهماء بخُطب نارية صورفيها نفسه بطلا منقذا يبوح بما درجت الأنطمة المتعاقبة على كتمانه من نهب للمال العام واستنزاف لخيرات البلد مشهرا ببعض الأسماء والأرقام ؛ فهذا الخطاب يجري في العامة جريان النار في الهشيم ، رغم ما يحمله في طياته من بذور هدمه حسب تصور أنصار الجبهة والتكتل الذين يرون ما يقوله الجنرال حقا أُريد به باطل في أقل الأحوال أو باطلا أُريد به باطل في أغلبها.

- قطع العلاقات مع إسرائيل ؛ فالبسطاء الذين لاتتسع مداركهم لقراءة ما بين سطور الحدث ولا يتطلعون لمعرفة ما يقف وراءه من أسباب اعتبروه إنجازا وعملا يستحق التنويه خاصة منهم المسنون ومن لديهم أثارة من علم .

- ضخ مبالغ مالية طائلة في الحملة الانتخابية من طرف ولد عبد العزيز والقطب الاقتصادي المناصر له، والتبرع لمستشفيات بعض الولايات بعشرات الملايين مما ترك أثرا ملموسا لدى سكان تلك الولايات الأكثر فقرا إلى الرعاية الصحية ، بغض النظر عن توقيت صرف تلك الإعانات وعن مصدرها .
- مكنت حملة السادس يونيو الجنرال من معرفة أماكن ثقله الانتخابي فبقي على اتصال دائم بها ، كما مكنه ما بعد اتفاق داكار من معرفة أماكن ثقل المعارضة حيث أقبل أنصارها على تجديد اللوائح الانتخابية مما سهل استهدافهم والعمل على تغيير قناعاتهم أو تغييبهم عن أداء دورهم بشتى الوسائل.

- ضيق المهلة الزمنية التي أُعطيت للمعارضة بعد اتفاق داكار ؛ إذ لاتتسع تلك المهلة لترتيب الصفوف والإعداد للترشحات وتسجيل وإعادة تسجيل الناخبين، فطبع الاستعجال جميع تلك الأمور ، وبدأت المعارضة في سباق محموم مع الزمن لمقارعة خصم قوي جفف منابع التمويل واستفاد من وجوده في السلطة وبدا وكأنه يلعب في الوقت بدل الضائع محاولا المحافظة على "أهدافه" وقتل الوقت على منافسيه الذين بعُدت عليهم الشقة وضاق فتْرُهم عن المسير.

- تركيز بعض خصوم الجنرال على الانسحابات التي تقع في صفوف الأغلبية الداعمة للانقلاب والانضمامات اليومية التي تشهدها معسكرات المعارضة دون التيقظ والتثبت من جدية المنسحبين والمنضمين ومن حجمهم في مناطق نفوذهم الأصلية مما جعل العمل الإعلامي يُجهض العمل الميداني فانعكس ذلك سلبا على أداء الحملة وبالتالي على نتائجها.

- الصعوبات الحقيقية التي واجهتها الأحزاب السياسية والأقطاب الاقتصادية الملتحقة حديثا بركب المعارضة في تسويق الزعيمين أحمد ولد داداه ومسعود ولد بلخير في بئات ومناطق كانت على مدى عقدين من حكم ولد الطائع تصور فيها الرجلين وكأنهما شيطانان ليس في جبة الأول منهما إلا التسلط والجهوية وليس في جبة الآخر إلا العنصرية والتطرف! فكيف يتسنى لتلك الأحزاب ولأُولئك الأقطاب جعل الشيطان ملاكا في أقل من عشرة أيام؟!

تلك بعض الخيوط المعينة على التفسير السطحي لظاهرة الثامن عشر يوليو في انتظار تفسير مُعقلن وموثق ينير الجوانب الغامضة في الحدث الأُسطورة الذي دق أول مسمار نافذ في نعش طبقتنا السياسية القديمة.

الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026