تاريخ الإضافة : 17.07.2009 12:22

أيها المرشح.. عليك عهد الله!

محمد بن محمدسالم عدود
دكتوراه في العدالة الجنائية
mdaddoud@gmail.com

نحن أمة دخلنا التاريخ من أوسع أبوابه يوم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرا "يؤسس دولة ويقيم دينا".. فكان – تلقائيا، وبدون معارضة – أول حاكم عام وأول قائد أعلى وأول رئيس للدولة المسلمة، التي يشرفنا جميعا الانتماء إليها ورفع رايتها وإحياء سنتها واستلهام تجربتها.
إننا – ولا أحاشي من أعراقنا عِرْقا – لم يسجل لنا التاريخ أن انصهرنا في بوتقة دولة موحدة تمتلك مقومات وأدوات الاستقلال والسيادة قبل ميلاد ذلك الكيان السياسي الذي ولد في المدينة المنورة، وطبقت نصوصه وتكامل بناؤه ونضجت تجربته في مختلف عواصم الدولة الإسلامية الأولى، قبل أن ينشطر بمتوالية شبه هندسية نالت منها بلادنا أول حظ لها مع قيام الدولة الصنهاجية (اللمتونية) الأولى التي قامت في ربوع هذه البلاد مطلع القرن الثاني الهجري، ثم تلتها دولة المرابطين التي دخلت بلادُنا بعدها في حِقب عِجاف ذات جزر ومد، أسلمتنا إلى التجربة الديمقراطية التي نتعامل معها كمنتج عالمي نستغل جانبه الإيجابي ونأخذ منه ما يخدمنا، ولسنا مسؤولين عن الخلفية التي انطلق منها ولا مراحل النشوء والترقي التي مر بها.
إننا حين نأخذ بالديمقراطية كأداة للوصول إلى الحكم وقالب لبناء مؤسسات الدولة الحديثة ننطلق من مبادئ راسخة في ديننا وعقيدتنا وفي وجداننا أبرزها مبدأ "سيادة الشرع" الذي يعني – في أبسط تجلياته – أن كل ما عارض الشرع فهو مرفوض – إلا من ضرورة، وكل ما انسجم معه فلا مانع من قبوله من حيث المبدأ بغضِّ النظر عن تسميته ومنشئه.
وإذا أردنا مقاربة شرعية مبسطة لموضوع الساعة في بلادنا وسعينا إلى ربط واقعنا بتاريخنا السياسي الأصيل؛ فسنجد أن مسألة تداول السلطة طرحت أول مرة في تاريخ الإسلام بعد أن اختار الرسول صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى؛ تاركا وراءه مبدأ شرعيا راسخا بضرورة إقامة حاكم عام، ومنهجا مرنا في طريقة الاختيار.. فاختارت الأمة (خليفته) من بعده أبا بكر الصديق رضي الله عنه انطلاقا من إيحاءاته – صلى الله عليه وسلم – وما التحق بها من معطيات، ثم جاء اختيار الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنص صريح من سابقه. وعندما بدأ الموت يقترب من ثاني الخلفاء الراشدين ظهر منهج ثالث لاختيار الحاكم العام للدولة، وكانت مفاصل هذا المنهج كلها تؤصل لما يجري في بلادنا من انتخاب لرئيس الجمهورية:
1. فقد جعل عمر الخلافة من بعده شورى في ستة، هم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عن الجميع؛ بمعنى أنه أعلن ترشيح ستة أشخاص لهذا المنصب. وهذا أصل في تعدد المرشحين للرئاسة.
2. وذَكَر أن هؤلاء المرشحين الستة "توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راضٍ"، وأعْظِمْ بها من تزكية..! وهي أصل في اشتراط حصول المترشح على تزكيات من جهات محددة.
3. ولما توفي عمر اجتمع المرشحون قال طلحة: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعثمان. وقال الزبير: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعلي. وقال سعد: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعبد الرحمن بن عوف. فخرج ثلاثة وبقى ثلاثة. وهذا أصل في تنازل مرشح لصالح مرشح آخر.
4. ولما اجتمع الثلاثة الباقون في حلبة الترشيح، قال عبد الرحمن بن عوف: يخرج منا واحد، ويولي واحدًا، فسكت عثمان، وعلى. فقال عبد الرحمن: أنا أخرج؛ وبهذا يكون عبد الرحمن بن عوف أول جهة مستقلة تشرف على العملية الانتخابية.
5. ثم مكث عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها يشاور جميع سكان المدينة فردا فردا، وشاور أمراء الأمصار فإنهم كانوا في المدينة حجوا مع عمر وشهدوا موته؛ حتى قال عبد الرحمن عن نفسه: "إن لي ثلاثًًًًا ما اغتمضت بنوم". ويستخلص من هذا الإجراء ما يأتي:
أ‌- الاختيار السري المباشر.
ب‌- إمكانية وجود نواب عن مدن وولايات، يقترعون بدلا عنهم إذا اقتضت الظروف ذلك.
ت‌- الطابع الاستعجالي والأولوية القصوى للعملية الانتخابية.
6. ولما كان اليوم الثالث قال عبد الرحمن بن عوف لعثمان: "عليك عهد الله وميثاقه، إن وليتك لتعدلن، ولئن وليت عليًّا لتسمعن ولتطيعن"؟ قال: نعم. وقال لعلي: "عليك عهد الله وميثاقه إن وليتك لتعدلن، ولئن وليت عثمان لتسمعن ولتطيعن"؟ قال: نعم. فقال: إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان، فبايعه علي، وعبد الرحمن، وسائر المسلمين.. ويستخلص من هذا الإجراء:
أ‌- عدم تسريب النتائج قبل الوقت المحدد لإعلانها.
ب‌- التعهد المسبق من كل واحد من المترشحين بقبول النتائج سواء كانت لصالحه أو لصالح الطرف الآخر.. يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه معلقا على هذه النتيجة التي كان يرى أنه الأولى بالفوز فيها: "فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري، فبايعنا عثمان؛ فأديت له حقه وعرفت له طاعته...".

ما أحوجنا اليوم وقد بدأت صناديق الاقتراع تفتح أفواهها أن يجعل كل مرشح للرئاسة في بلادنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين قدوة له ومثلا أعلى في سياسة الدين والدنيا، وأن يستشعر أن عليه عهد الله وميثاقه إن فاز ليعدلن، ولئن فاز غيره ليسمعن وليطيعن.
كما على ناخبينا أن يستشعروا أن الصوت أمانة والتصويت شهادة يبتغى الأجر من الله سبحانه بأدائها ويخشى على من أداها لغير مستحقها أن يسأل عنها يوم القيامة.

الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026