تاريخ الإضافة : 04.07.2009 14:11
الإسلاميون ( تواصل) والخطوة الأولى نحو القصر الرمادي (قراءة فى المسيرة والمنهج(
د. محمد الحسن ولد أعبيدي
حَمَل قرار حزب تواصل بالمشاركة في رئاسيات 2009 بمرشح من داخل الحزب مفاجأة للطيف السياسي بألوانه المختلفة وأقطابه المتعددة التي كانت تراهن على أصوات المنتسبين للحزب بشكل خاص والمتعاطفين مع التيار الإسلامي بشكل عام بوصفهم رقما صعبا في المعادلة لا يمكن تجاهله منذ أن أخذت موريتانيا النهج الديمقراطي.
وقد عرف الساسة الإسلاميين فاعلين مؤثرين بخاطبهم التعبوي إعلاميا كان أو "منبريا" من داخل المساجد والجامعات يتجاوز أصحابه أطر الخطاب التقليدي السطحي الضيقة بخطاب يقرأ الماضي بعيون تستشرف المستقبل موازنا بين ممكنات الواقع ومقتضيات النصوص الشرعية وخصوصيات مجتمع الخطاب والواقع المكتنف له.
وهو نهج وسم إسلاميي موريتانيا بوسيطة الطرح وعمق الرؤية وواقعية المنطلقات ووضوح الأهداف وقد مكنهم ذات النهج من تجنب الصدام مع الخصوم في أحلك مراحل الصراع مع النظام "الطائعي" تغليبا لمصلحة البلد وحاجة أهله إلى الاستقرار والأمن الداخلي.
لكن ذلك لم يمنعهم من مواصلة وسائل النضال السلمي المشروع مع غيرهم من القوي الوطنية التي وإن اختلفوا معها في مصدر الامتياح وآليات الاجتهاد والتفسير قبلوا العمل معها في حدود المشترك منصفين ومقدرين لما اختلفوا فيه ،ساعين للتكامل والإئتلاف نابذين عناصر التنافر والاختلاف مع الحفاظ على خصوصية تمليها المبادئ وتفرضها المرجعيات ولا تجيز التنازل عنها الضرورات.
فاستطاعوا بهذا تأطير قواعدهم داخل الأحزاب التي كانوا جزء من مكوناتها أو ربطهم معها تحالف استراتيجي أو ظرف زمني أو تقاطع في الأهداف والمنطلقات وكان لنخبهم السياسية حضورها المميز في كل تخالف سياسي وتأثيرها الواضح وعدم قابليتها لأن تستوعب أو تحيد أو تحجم أو يأخذ عليها أو يحاور باسمها دون أن تعي وتضع بصاتها على ما يراد وما يحاور به وفيه وله ،لتعطي في ذلك رأيها بموسوغات ومبررات موضوعية.
و لا ضير عند النخب الإسلامية إن غيرت موقفا من حزب كانت ضمن هياكله القيادية أو خرجت من تحالف كانت ضمن أطره الفاعلة حين وجدت من بعض قياداته تحجيما لدورها أو تنكرا لماضيها النضالي مع الحفاظ على درجة من الود لا يفسدها الخلاف في الرأي .
مع أن مستوى التباين في الرؤى بين النخب الإسلامية وغيرها ظل هو النادر وإن طفت على السطح تداعياته في بعض المناسبات الانتخابية التي تشتد فيها حدة الاستقطاب السياسي بين الأطراف لطغيان الخطاب الأحادي المفرق على الخطاب "الجمعي" الموحد ولعلنا ننصف إسلامي "تواصل" إن وجدوا في تجاربهم السابقة ـ داعمين لغيرهم أو مترشحين تحت يافظات حزبية يصعب التحكم في برنامجها أو توجيهه أو تمرير الخطاب الذي يحفظ لها الخصوصية والتميز من داخلها ـ دروسا تجعلهم يراجعون مواقفهم السابقة ويحتكون لقواعدهم ويقدمون أنفسهم بأنفسهم بدلا من تقديم غيرهم داعمين أو مدعومين وهو قرار يرى فيه المشفق انكشافا وتعجلا على حني الثمار قبل أوان القطاف والجرى وراء قنص طير سراع خفاف ويرى فيه رفاق الدرب تشتيتا لما جمعته " الجبهة" وبذلته من مجهود ونكرانا لما عرف من " جميل" "لمسعود" إقرارا لعين الحسود في وقت تداعى فيه الخصم اللدود لنصرته وابن الجلدة العنيد والحب الودود غسلا للعار وتقربا للواحد القهار عملا بحديث المصطفى المختار.
وبالمقابل يرى شيعة "صنو" المختار أنهم الأقربون في الأهل والدار وهم الأولى بالمعروف والعفو والصفح المألوف من معشر لا تبقى لديه الإحن عملا بقوله تعالى:{ادفع بالتي هي أحسن}.
غير أن ما مضى وإن كان للقلب فيه طمأنة ورضى فإن جيل جميل يرى من الجميل الوفاء ولو بالقليل من الجميل لتضحيات الرجل وجده ومثابرته بالقول والعمل على تعزيز المكاسب الديمقراطية والوحدة الوطنية والدفاع عن الثوابت الدينية ومفردات الهوية الوطنية بجلد "خبيب" وصبر أيوب اتكالا على "مدد" علام الغيوب في عصامية صنعت نفسها بنفسها كما قال الشاعر:
نفس عصام سودت عصاما وعلمت الكر والإقداما
فجميل بحق صابر و جالد لرسم معالم النهج الإصلاحي الوسطي حتى شق للحالمين بالمشروع الإسلامي طريقا وسط الزحام بعد أن مشى حافي الأقدام وسجن وهدد بالإعدام وهرب في جنح الظلام وصبر على السب والشتم وجارح الإتهام من طرف العدو الذى يرى في فكره جمودا وتطرفا وتبدعا بإسلام غير إسلام المحاظر والمشيخة حتى أن بعض الذين شاركوه الإنتماء اتهموه بالجاسوسية والافتراء.
كل ذلك لم يثن عزم الرجل"الأمة" السائر على سنن نبى الأمة وجده إبراهيم القدوة والأسوة في قوله تعالى:{إن إبراهيم كان أمة} وحرى به اليوم أن ينشد في اعتزاز مع شاعر عامر قوله:
وما سودتني عامر عن وراثة أبي الله أن أسمو بأم ولا أب
يأخذ لجميل قدرته الفائفة على الإقناع بما أوتي من حكمة وفصل خطاب وقدرة على تبيين الصواب إن اتضح في محاورة أولى العقل والألباب أو مناظرة أهل اللغة والآداب.
ولا غرابة فالرجل مع حداثة سنه وانشغاله عن الثقافة بالسياسة يمثل موسوعية الشنقيطي القديم وتنوع معارفه وتعدد روافده وهو من أكثر رموز النخبة الإسلامية الشابة قبولا داخل الوسط الإسلامي وخارجه ،ساعده هذا القبول أن يزيح غيوم الريبة عن المشروع الإسلامي في محيط التلقى فأعطى الصورة الناصعة لحملة هذا المشروع بوصفهم نبتة مباركة من تربة طيبة وامتداد للدعوات الإصلاحية التي مر بها البلد منذ ابن باسين وناصر الدين والشيخ محمد المامي والحاج عمر تال والشيخ سيديا والشيخ ماء العينين والحاج محمود با.
وقد استطاع ولد منصور أن يكسر بخطابه حصون الطبقية لتكون عنصر ثراء وعامل محبة وإخاء لا وسيلة هدم وإقصاء مسترشدا بهدي الإسلام في ربطه الأخوة بالدين لا بالعرق ودعوته لأن يكون تنوع الأعراق للتعارف والتكامل «إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا».
من هذا المنطلق جاء حزب "تواصل" مستوعبا لكل المكونات الاجتماعية في موريتانيا وأعطى هامشا لكل الأعراق لأن تعبر عن نفسها في الحزب باللسان الذي يناسب متلقيها.
ومن لتعزيز هذا النهج غير جميل؟ فلا غرابة إن قدمه حزب تواصل للناخب الموريتاني الذي عرفه منافحا في الفضائيات والملتقيات الدولية عن وحدة مكوناته الاجتماعية و حقها في العيش الكريم والمشاركة في الشأن السياسي.
وعرفه المواطن مجهوده في العمل الإنساني الميداني بمجالاته المختلفة في السلطات المحلية و التشريعية الذي جسد من خلاله آمال المواطنين وتطلعاتهم فما انتخبوه من أجله تجربة جميل ورفاقه في الاستحقاقات البلدية والنيابية وإن مكنتهم من بناء قاعدة جماهيرية عريقة حتى من غير المنتمين للحركة الإسلامية فإن التعويل عليها في هذه الاستحقاقات قد لا يخلو من غرور لأن الناخب الموريتاني لا عهود لديه ولا تأثير للبرامج فيه ما لم يصحب ذلك ببسط اليد والتلويح بالوعد ولا يهمل أمثال هؤلاء بالتوجيه والاتصال المرة بعد المرة فقلوب بني آدم "بين أصبعين".
ويجب التركيز في ذات الهدف على شيوخ المحاظر وطلبتها وأصحاب الربط والزوايا الصوفية فهم مادة المشروع الإسلامي إن وظفوا ووجهوا واستثمر استعدادهم الديني الفطري ولم يترك مصيدة للدعوات الإيديولوجية الأخرى أو الأحزاب السلطانية لتجعل منهم خصما للتيار الإسلامي.
فكم طالب علم متلهف للخطاب الإسلامي وجد من بعض مناضلي التيار الإسلامي صدودا عنه وعدم رغبة فيه فانقلب من متعاطف إلى عدو لدود لأنه رأى في تقديمهم لغيره ظلما له على حد قول الشاعر:
وظلم ذوى القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند
وقد ينصف أمثال هؤلاء المناضلين لأنهم حسبوه غير محتاج لتعليم ولا توجيه بناءعلى خلفيته الإسلامية.
وعلى حملة المشروع الإسلامي الخروج من عقده العمل السري والاتصال بالناس دون تمييز أو انتقاء ومخالطتهم في المنابر الجامعية والمنتديات الثقافية والمناسبات الشعبية لشرح مفردات مشروعهم الإصلاحي وأهدافه وما يميزه عن غيره من المدارس الإسلامية الأخرى.
فكثر من الناس ينظر بضبابية لما يعلنه التيار الإسلامي الوسطي من تمسك بالنظم المدنية مقارنة مع تقوم به تيارات الغلو والتطرف من تدمير وتخريب للنظم المدنية وما آلت إليه تيارات إسلامية أخرى وصلت إلى السلطة بالأساليب المدنية ما لبثت إن انقلبت عليها أو انقلب عليها فجرت الويلات على شعوبها بدل وعود البناء والتنمية.
ومع أن حركات أخرى استطاعت أن تنجح في تعاطيها مع الأساليب المدنية مثل حزب العدالة والتنمية في تركيا الذي قدم نموذجا فريدا في "علمنة" الدين وتدين العلمانية وأقنع الناخب التركي أن مرجعيته الإسلامية لا تنافي مدنيته وحفاظه على المكاسب التركية ونفس الشيء يقال عن الحركة الإسلامية في كل من الأردن والمغرب وإن كان هامش العمل ضيق بالمقارنة مع ما يتحرك فيه حزب العدالة والتنمية التركي.
وأرى مناسبة الحملات الدعائية سانحة لأن يحتك الإسلاميون بغيرهم فيوصلوا خطابهم لقاطعات من الشعب تنظر لتحركهم بكثير من الريبة والترقب والحذر وقطاعات أخرى تجهله تماما وأخرى ترى فيه سحبا لبساط توجيه المجتمع من تحتها .
لكن اختيار "تواصل" لجميل مرشحا و اختيار مدير حملته كفيل بتحقيق هذه المهمة .
فقد أراد الأخير للخطاب الرباني أن يكون شعارا حملته والتعفف عن الوقوع في الأعراض وتبذير الأموال ميزة زملاءه في الحملة وإخلاص النية لله والاتكال عليه دافعهم للعمل خدمة لدينهم ووطنهم فجسد بذلك الرباني الذي يريد للسياسة أن تكون وسيلة لغرس القيم والأخلاق مرتبطة بالدين ومنطلقة منه لا منفصلة عنه يعتز أهلها بعز الطاعة لا ذل المعصية سيماهم التعارف في الله كما في وصف النابغة لملوك بني غسان:
محلتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب
وإذا كان"أزدغان" ورفاقه في حزب العدالة التنمية التركي عمل على "تدين" السياسة فإن مدير حملة المرشح جميل منصور وضح بخطابه "الحملاتي" أسس ربانية. السياسة وقدسية هدفها وخرج على الصورة النمطية للحملات الدعائية بأصواتها الصاخبة ووعودها الحالمة المعلقة بالمستقبل.
ولا شك أن مثل هذا الخطاب حرى بالتفوق وتحقيق المفاجآت رغم ضعف الإمكانات المادية لا البشرية.
حَمَل قرار حزب تواصل بالمشاركة في رئاسيات 2009 بمرشح من داخل الحزب مفاجأة للطيف السياسي بألوانه المختلفة وأقطابه المتعددة التي كانت تراهن على أصوات المنتسبين للحزب بشكل خاص والمتعاطفين مع التيار الإسلامي بشكل عام بوصفهم رقما صعبا في المعادلة لا يمكن تجاهله منذ أن أخذت موريتانيا النهج الديمقراطي.
وقد عرف الساسة الإسلاميين فاعلين مؤثرين بخاطبهم التعبوي إعلاميا كان أو "منبريا" من داخل المساجد والجامعات يتجاوز أصحابه أطر الخطاب التقليدي السطحي الضيقة بخطاب يقرأ الماضي بعيون تستشرف المستقبل موازنا بين ممكنات الواقع ومقتضيات النصوص الشرعية وخصوصيات مجتمع الخطاب والواقع المكتنف له.
وهو نهج وسم إسلاميي موريتانيا بوسيطة الطرح وعمق الرؤية وواقعية المنطلقات ووضوح الأهداف وقد مكنهم ذات النهج من تجنب الصدام مع الخصوم في أحلك مراحل الصراع مع النظام "الطائعي" تغليبا لمصلحة البلد وحاجة أهله إلى الاستقرار والأمن الداخلي.
لكن ذلك لم يمنعهم من مواصلة وسائل النضال السلمي المشروع مع غيرهم من القوي الوطنية التي وإن اختلفوا معها في مصدر الامتياح وآليات الاجتهاد والتفسير قبلوا العمل معها في حدود المشترك منصفين ومقدرين لما اختلفوا فيه ،ساعين للتكامل والإئتلاف نابذين عناصر التنافر والاختلاف مع الحفاظ على خصوصية تمليها المبادئ وتفرضها المرجعيات ولا تجيز التنازل عنها الضرورات.
فاستطاعوا بهذا تأطير قواعدهم داخل الأحزاب التي كانوا جزء من مكوناتها أو ربطهم معها تحالف استراتيجي أو ظرف زمني أو تقاطع في الأهداف والمنطلقات وكان لنخبهم السياسية حضورها المميز في كل تخالف سياسي وتأثيرها الواضح وعدم قابليتها لأن تستوعب أو تحيد أو تحجم أو يأخذ عليها أو يحاور باسمها دون أن تعي وتضع بصاتها على ما يراد وما يحاور به وفيه وله ،لتعطي في ذلك رأيها بموسوغات ومبررات موضوعية.
و لا ضير عند النخب الإسلامية إن غيرت موقفا من حزب كانت ضمن هياكله القيادية أو خرجت من تحالف كانت ضمن أطره الفاعلة حين وجدت من بعض قياداته تحجيما لدورها أو تنكرا لماضيها النضالي مع الحفاظ على درجة من الود لا يفسدها الخلاف في الرأي .
مع أن مستوى التباين في الرؤى بين النخب الإسلامية وغيرها ظل هو النادر وإن طفت على السطح تداعياته في بعض المناسبات الانتخابية التي تشتد فيها حدة الاستقطاب السياسي بين الأطراف لطغيان الخطاب الأحادي المفرق على الخطاب "الجمعي" الموحد ولعلنا ننصف إسلامي "تواصل" إن وجدوا في تجاربهم السابقة ـ داعمين لغيرهم أو مترشحين تحت يافظات حزبية يصعب التحكم في برنامجها أو توجيهه أو تمرير الخطاب الذي يحفظ لها الخصوصية والتميز من داخلها ـ دروسا تجعلهم يراجعون مواقفهم السابقة ويحتكون لقواعدهم ويقدمون أنفسهم بأنفسهم بدلا من تقديم غيرهم داعمين أو مدعومين وهو قرار يرى فيه المشفق انكشافا وتعجلا على حني الثمار قبل أوان القطاف والجرى وراء قنص طير سراع خفاف ويرى فيه رفاق الدرب تشتيتا لما جمعته " الجبهة" وبذلته من مجهود ونكرانا لما عرف من " جميل" "لمسعود" إقرارا لعين الحسود في وقت تداعى فيه الخصم اللدود لنصرته وابن الجلدة العنيد والحب الودود غسلا للعار وتقربا للواحد القهار عملا بحديث المصطفى المختار.
وبالمقابل يرى شيعة "صنو" المختار أنهم الأقربون في الأهل والدار وهم الأولى بالمعروف والعفو والصفح المألوف من معشر لا تبقى لديه الإحن عملا بقوله تعالى:{ادفع بالتي هي أحسن}.
غير أن ما مضى وإن كان للقلب فيه طمأنة ورضى فإن جيل جميل يرى من الجميل الوفاء ولو بالقليل من الجميل لتضحيات الرجل وجده ومثابرته بالقول والعمل على تعزيز المكاسب الديمقراطية والوحدة الوطنية والدفاع عن الثوابت الدينية ومفردات الهوية الوطنية بجلد "خبيب" وصبر أيوب اتكالا على "مدد" علام الغيوب في عصامية صنعت نفسها بنفسها كما قال الشاعر:
نفس عصام سودت عصاما وعلمت الكر والإقداما
فجميل بحق صابر و جالد لرسم معالم النهج الإصلاحي الوسطي حتى شق للحالمين بالمشروع الإسلامي طريقا وسط الزحام بعد أن مشى حافي الأقدام وسجن وهدد بالإعدام وهرب في جنح الظلام وصبر على السب والشتم وجارح الإتهام من طرف العدو الذى يرى في فكره جمودا وتطرفا وتبدعا بإسلام غير إسلام المحاظر والمشيخة حتى أن بعض الذين شاركوه الإنتماء اتهموه بالجاسوسية والافتراء.
كل ذلك لم يثن عزم الرجل"الأمة" السائر على سنن نبى الأمة وجده إبراهيم القدوة والأسوة في قوله تعالى:{إن إبراهيم كان أمة} وحرى به اليوم أن ينشد في اعتزاز مع شاعر عامر قوله:
وما سودتني عامر عن وراثة أبي الله أن أسمو بأم ولا أب
يأخذ لجميل قدرته الفائفة على الإقناع بما أوتي من حكمة وفصل خطاب وقدرة على تبيين الصواب إن اتضح في محاورة أولى العقل والألباب أو مناظرة أهل اللغة والآداب.
ولا غرابة فالرجل مع حداثة سنه وانشغاله عن الثقافة بالسياسة يمثل موسوعية الشنقيطي القديم وتنوع معارفه وتعدد روافده وهو من أكثر رموز النخبة الإسلامية الشابة قبولا داخل الوسط الإسلامي وخارجه ،ساعده هذا القبول أن يزيح غيوم الريبة عن المشروع الإسلامي في محيط التلقى فأعطى الصورة الناصعة لحملة هذا المشروع بوصفهم نبتة مباركة من تربة طيبة وامتداد للدعوات الإصلاحية التي مر بها البلد منذ ابن باسين وناصر الدين والشيخ محمد المامي والحاج عمر تال والشيخ سيديا والشيخ ماء العينين والحاج محمود با.
وقد استطاع ولد منصور أن يكسر بخطابه حصون الطبقية لتكون عنصر ثراء وعامل محبة وإخاء لا وسيلة هدم وإقصاء مسترشدا بهدي الإسلام في ربطه الأخوة بالدين لا بالعرق ودعوته لأن يكون تنوع الأعراق للتعارف والتكامل «إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا».
من هذا المنطلق جاء حزب "تواصل" مستوعبا لكل المكونات الاجتماعية في موريتانيا وأعطى هامشا لكل الأعراق لأن تعبر عن نفسها في الحزب باللسان الذي يناسب متلقيها.
ومن لتعزيز هذا النهج غير جميل؟ فلا غرابة إن قدمه حزب تواصل للناخب الموريتاني الذي عرفه منافحا في الفضائيات والملتقيات الدولية عن وحدة مكوناته الاجتماعية و حقها في العيش الكريم والمشاركة في الشأن السياسي.
وعرفه المواطن مجهوده في العمل الإنساني الميداني بمجالاته المختلفة في السلطات المحلية و التشريعية الذي جسد من خلاله آمال المواطنين وتطلعاتهم فما انتخبوه من أجله تجربة جميل ورفاقه في الاستحقاقات البلدية والنيابية وإن مكنتهم من بناء قاعدة جماهيرية عريقة حتى من غير المنتمين للحركة الإسلامية فإن التعويل عليها في هذه الاستحقاقات قد لا يخلو من غرور لأن الناخب الموريتاني لا عهود لديه ولا تأثير للبرامج فيه ما لم يصحب ذلك ببسط اليد والتلويح بالوعد ولا يهمل أمثال هؤلاء بالتوجيه والاتصال المرة بعد المرة فقلوب بني آدم "بين أصبعين".
ويجب التركيز في ذات الهدف على شيوخ المحاظر وطلبتها وأصحاب الربط والزوايا الصوفية فهم مادة المشروع الإسلامي إن وظفوا ووجهوا واستثمر استعدادهم الديني الفطري ولم يترك مصيدة للدعوات الإيديولوجية الأخرى أو الأحزاب السلطانية لتجعل منهم خصما للتيار الإسلامي.
فكم طالب علم متلهف للخطاب الإسلامي وجد من بعض مناضلي التيار الإسلامي صدودا عنه وعدم رغبة فيه فانقلب من متعاطف إلى عدو لدود لأنه رأى في تقديمهم لغيره ظلما له على حد قول الشاعر:
وظلم ذوى القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند
وقد ينصف أمثال هؤلاء المناضلين لأنهم حسبوه غير محتاج لتعليم ولا توجيه بناءعلى خلفيته الإسلامية.
وعلى حملة المشروع الإسلامي الخروج من عقده العمل السري والاتصال بالناس دون تمييز أو انتقاء ومخالطتهم في المنابر الجامعية والمنتديات الثقافية والمناسبات الشعبية لشرح مفردات مشروعهم الإصلاحي وأهدافه وما يميزه عن غيره من المدارس الإسلامية الأخرى.
فكثر من الناس ينظر بضبابية لما يعلنه التيار الإسلامي الوسطي من تمسك بالنظم المدنية مقارنة مع تقوم به تيارات الغلو والتطرف من تدمير وتخريب للنظم المدنية وما آلت إليه تيارات إسلامية أخرى وصلت إلى السلطة بالأساليب المدنية ما لبثت إن انقلبت عليها أو انقلب عليها فجرت الويلات على شعوبها بدل وعود البناء والتنمية.
ومع أن حركات أخرى استطاعت أن تنجح في تعاطيها مع الأساليب المدنية مثل حزب العدالة والتنمية في تركيا الذي قدم نموذجا فريدا في "علمنة" الدين وتدين العلمانية وأقنع الناخب التركي أن مرجعيته الإسلامية لا تنافي مدنيته وحفاظه على المكاسب التركية ونفس الشيء يقال عن الحركة الإسلامية في كل من الأردن والمغرب وإن كان هامش العمل ضيق بالمقارنة مع ما يتحرك فيه حزب العدالة والتنمية التركي.
وأرى مناسبة الحملات الدعائية سانحة لأن يحتك الإسلاميون بغيرهم فيوصلوا خطابهم لقاطعات من الشعب تنظر لتحركهم بكثير من الريبة والترقب والحذر وقطاعات أخرى تجهله تماما وأخرى ترى فيه سحبا لبساط توجيه المجتمع من تحتها .
لكن اختيار "تواصل" لجميل مرشحا و اختيار مدير حملته كفيل بتحقيق هذه المهمة .
فقد أراد الأخير للخطاب الرباني أن يكون شعارا حملته والتعفف عن الوقوع في الأعراض وتبذير الأموال ميزة زملاءه في الحملة وإخلاص النية لله والاتكال عليه دافعهم للعمل خدمة لدينهم ووطنهم فجسد بذلك الرباني الذي يريد للسياسة أن تكون وسيلة لغرس القيم والأخلاق مرتبطة بالدين ومنطلقة منه لا منفصلة عنه يعتز أهلها بعز الطاعة لا ذل المعصية سيماهم التعارف في الله كما في وصف النابغة لملوك بني غسان:
محلتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب
وإذا كان"أزدغان" ورفاقه في حزب العدالة التنمية التركي عمل على "تدين" السياسة فإن مدير حملة المرشح جميل منصور وضح بخطابه "الحملاتي" أسس ربانية. السياسة وقدسية هدفها وخرج على الصورة النمطية للحملات الدعائية بأصواتها الصاخبة ووعودها الحالمة المعلقة بالمستقبل.
ولا شك أن مثل هذا الخطاب حرى بالتفوق وتحقيق المفاجآت رغم ضعف الإمكانات المادية لا البشرية.







