تاريخ الإضافة : 14.06.2009 12:18

موريتانيا نموذجا - للمرة الثانية

بقلم: د. منصف المرزوقي (*)

منصف المرزوقي (أرشيف الأخبار)

منصف المرزوقي (أرشيف الأخبار)

عندما أجهض الانقلاب العسكري الأخير التجربة الديمقراطية الواعدة في موريتانيا تعالت أصوات الشماتة في الذين "تسرعوا" - ومنهم كاتب هذه السطور- للتعبير عن إعجابهم بالكيفية السلمية والحضارية التي صفّي بها النظام العسكري الاستبدادي لولد الطايع، والنضج المدهش الذي أظهره الشعب الموريتاني في إدارة أول انتخابات حرة وشفافة.

الأخطر تشمتهم في الموريتانيين والعرب وكأنهم استبطنوا حقيقة ربانية أن الطلاق بين العرب والديمقراطية حصل بالثلاث يوم سوى الله خلقه ونذر بني يعرب لأنظمة الفساد والتزييف والقمع إلى يوم البعث.

منهم من أضافوا أن هؤلاء الأعراب العائشين على تخوم فضاء الأمة شاذة تحصى ولا يقاس عليها فهم مجرّد شعب هامشي لا وزن يذكر له كما وصفهم أحد الثرثارين المهنيين.

أما أصحاب الفكر العميق الذين لا تخدعهم المظاهر ولا يستسلمون للسذاجة السياسية ، فقد فسروا لنا أن الموريتانيين تلقوا ديمقراطية لم يستأهلوها وكان من الطبيعي أن تنزع عنهم بسهولة لأنهم أبعد من توفير شروطها الموضوعية التي يعرفونها هم لأنهم درسوها في كليات العلوم السياسية.

تأتي الأحداث الأخيرة لتجعلنا بدورنا نتشمت في من تشمتوا في الموريتانيين، خاصة الدرس الموريتاني متواصل بل يمكن القول أنه تعمق وتطور بعد النكسة الأخيرة، وقد يقال يوما فيها " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم".

حتى ولو لم يعد الرئيس الشرعي والرجل الشجاع سيدي ولد الشيخ عبد الله إلى القصر الرئاسي، فإنه من الثابت اليوم أن الشعب الموريتاني لم يركع طيلة العشرة شهور الأخيرة....أنه هو الذي سيقرر من يحكمه في انتخابات لن تكون تاسعة وتسعينية ...أن كل الأطراف ستتسابق لتأخذ منه لا من طابور دبابات شرعية الحكم... أن الرجل الذي تصور أنه سيحكمه من علياء دبابته سيضطر للنزول للشارع يغازل من تصور أنه سيملكه بالقوة... أن الانقلاب فشل... أن المعارضة حققت نصرا عظيما بفرض حكومة وفاقية ...أخيرا لا آخرا أن الموريتانيين استحقوا ديمقراطيتهم لأنهم ناضلوا من أجلها وفرضوها .

والآن العناوين الكبرى للدرس الثاني للشعب الصغير الكبير.

أن الزمن تطور وأنه يمكن إفشال مشروع ضابط يركب دبابة صبيحة يوم أسود ليلغي إرادة الشعب...حتى في بلد عربي.

أن القوة الوحيدة القادرة على كسر شوكة الدكتاتورية هي تنظم للمعارضة بكل طيفها العقائدي ،لا على الطلبات الدنيا مثل تسوّل بعض الإصلاحات أو الاقتناع بجميل الوعود ، وإنما على رفض المساومة في سيادة الشعب تحت أي ذريعة تتقدم بها أطراف انتهازية أو جبانة تحت الحجج الكاذبة للاعتدال والمصالحة.

إن الاعتدال فضيلة الفضائل عندما يتعلق الأمر بالتنازل من موقع القوة في الكبرياء والجزئيات والآجال، لكنه رذيلة الرذائل عندما يتعلّق الأمر بالتنازل من موقع الضعف في الكرامة والثوابت والمبادئ والحقوق غير قابلة للتصرف.

إن لحظة النزال المصيرية مع الدكتاتورية أيامها الأولى قبل استقرارها ومسكها لكل الأوراق .

أن العمل الجماعي لمعارضة موحدة فعّال إذا استطاعت أن تحرك داخليا الاحتجاج السلمي وأن تؤلب الخارج ضد تقنيات في الاستيلاء على السلطة أصبحت مرفوضة عالميا.

دروس بليغة للذين ينتظرون خلاصهم من منقذ من داخل النظام الفاسد ... للذين يتصورون أنهم بقدر ما تنازلوا للدكتاتورية بقدر ما سترضى بهم ...للذين لم يفهموا الطبيعة "الكلبية" للدكتاتور وأنه بقدر ما يشتمّ الخوف والضعف ممن يواجهونه، بقدر ما يستشرس، لا يتراجع على العكس إلا أمام من يرمونه بالحجر ويواجهونه بالحزم والعزم ... للذين يتحركون في إطار اللعبة المغشوشة التي تحددها لهم الأجهزة القمعية مع الأنين والشكوى من تجاوزاتها .

نعم يا لها من دروس بليغة، فهل من متعلّم؟
_______________
(*) حقوقي وأكاديمي تونسي

الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026