تاريخ الإضافة : 11.06.2009 18:56
موريتانيا وخطوات على الطريق
محمد علي ولد خياتي
khoyate@gmail.com
تمر الشعوب بمراحل عديدة في حركتها من طور الطفولة الاجتماعية إلى الرشيد الاجتماعي ومن طور البداوة إلى طور المدينة يقترب حالها في ذلك من حال الإنسان حين ينتقل من طور الطفولة إلى الرشد مروراً بالمراهقة ثم الشباب الباكر ، ومنذ قرون عاشت موريتانيا في طور البداوة بحكم الطبيعة الجغرافية والثقافة السائدة ومنذ الاستقلال بدأت مرحلة الطفولة الاجتماعية أو المدينة و التي استمرت إلى ظهور دستور يوليو/ تموز 1992 أي حوالي 30 سنة تقريباً وهي فترة طفولة متوسطة للأمم و الشعوب ثم مرحلة المراهقة الاجتماعية والسياسة منذ سنة 1992 والتي ربما لم تتجاوزها موريتانيا حتى الآن إلا أنه ومنذ 2003 ظهرت بعض الأحداث التي ربما تمثل خطوات على طريق الخروج من تلك المرحلة عبورا إلى مرحلة الشباب الباكر التي تعتبر من بواكير مرحلة النضج السياسي و الاجتماعي ........ وفي هذه المقالة أحاول رصد بعض تلك الخطوات وهي وإن كانت في معظمها خطوات على الصعيد السياسي إلا أن التغير على الصعيد السياسي كثيراً ما يحمل بين طياته تغيراً على الصعيد الاجتماعي والثقافي بصورة عامة .......ومن تلك الخطوات :-
1- محاولة انقلاب 2003 بقيادة النقيب صالح لقد كانت هذه المحاولة في نظري أولى الخطوات الجزئية التي أظهرت أنه توجد في المجتمع بعض القوى التي لم تعد تحتمل تصرفات المراهقة السياسية في أيام الرئيس معاوية ، لقد كانت تلك المحاولة استجابة لنداء لسان حال المجتمع الذي سئم تلك المرحلة ... ومع أن الكثيرين بعد فشل الانقلاب أدانه ، وهللوا وكبروا بعد عودة الرئيس وذلك مظهر من مظاهر المراهقة السياسية في المجتمع الموريتاني إلا أن تلك المحاولة كانت بمثابة إلقاء حجر كبير في مستنقع المراهقة السياسية الراكدة مالبثت الموجات الناتجة عنه لإحداث أثر كبير .....
2- انقلاب 2005 وتكوين المجلس العسكري للعدالة والديموقراطية مع أن هذا الانقلاب لم يكن سوى رجع الصدى لمحاولة الانقلاب السابقة 2003 ومن ثم لم يكن هو الحدث الأبرز في دلالاته إنما ما صاحبه من أحداث أدت إلى إحياء الأمل في قيام مشروع إصلاح اجتماعي تعتبر خطوة بارزة فالأمل في التغيير هو أهم عناصر الحراك السياسي و الاجتماعي الهادف إلى الخروج من الواقع السيئ إلى واقع مشرق جميل ، و كانت الأيام التشاورية الجادة التي عقدت في تلك الفترة خطوة ثانية للابتعاد عن أساليب المراهقة السياسية في الحكم والرجوع إلى المجتمع والقوى السياسية للتوافق على مصالح وطنية عليا ...
3- فضيحة عقود النفط مع أن فترة المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية في مجملها كانت حافلة بالكثير من علامات المراهقة السياسية مثل تقديم المصالح الفردية على المصالـــح العامة و النفاق السياسي للمجلس العسكري وكذلك بعض الفساد المالي الذي لم يعد سرا في موريتانيا إلا أن فضيحة عقود النفط الفاسدة ووقوف المجلس بقوة في هذه القضية واعتقال الوزير لأيام وإرغام الشركة الاسترالية على تصحيح الوضع كان خطوة مهمة في طريق الخروج من المراهقة السياسية وإحياء مفهوم حرمة المال العام وسيادة القانون فوق الجميـع ، لقد أدت تلك الحادثة إلى التقليل بشكل كبير لمظاهر الفساد المالي في الإدارات العامة ...
4- الانتخابات الرآسية 2007 مع انتخابات 2007 لم تخل من سمات البداوة و المراهقة في ممارسة العمل السياسي مثل التركيز على الجهوية والقبلية كمتمركزات للعمل السياسي وكذلك استخدام المال لشراء الأصوات ... إلا أن في خلوها من التزوير المباشر الذي كان سائداً في كل الانتخابات السابقة وتقارب النتيجة بين المرشحين مثلت خطوة على الطريق ....
ومثلت عملية التسليم السلمي للسلطة من طرف العقيد اعل ولد محمد فال والعسكر من خلفه إلى الى الرئيس الجديد مثلت خطوة جريئة هزت كافة أركان الوطن العربي وإن كان تسليماً ظاهرياً للسلطة لرجل العسكر آنذاك سيدي ولد الشيخ عبد الله ... إلا أنه مثل أول تطبيق عملي لانتقال السلطة ولو في الظاهر طواعية وتلك خطوة مهمة في طريق الخروج من المراهقة السياسية ...
5- الأزمة بين الرئيس والعسكر ...
لقد كانت تلك الأزمة سيئة بصورة إجمالية إلا أنها كانت خطوة مهمة جداً على طريق الخروج من مرحلة المراهقة السياسية ... مهمة جداً لوقف مسرحية حكومة الظل التي كتب السيناريو لها المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية وأخرجها الجنرال محمد ولد عبد العزيز إلا أن أبرز إيجابيات تلك الأزمة هي إبراز دور البرلمان في مصير الدولة لقد كان البرلمان قبل هذه الأزمة عبارة عن إدارة حكومية مثلها مثل أي وزارة تمثل صدى لكلام الرئيس وتجسيدا لأحلامه بغض النظر عن ما إذا كانت لصالح المجتمع أم لا ، إن الرجوع للبرلمان حتى ولو كان لحياكة المؤامرات السياسية يساعد في إبراز دور هذه المؤسسة و توضيح مدى استقلالها عن مؤسسة الرئاسة ، بل ويساعد كثيرا في رفع الوعي العام بمؤسسات الدولة واختصاص كل منها .
6- مشاركة المعارضة في حكومة ولد الواقف
إن المراهقة السياسية في موريتانيا رسخت بعض المفاهيم السلبية التي لابد من تغييرها ومنها أن للحكومة أفرادا خلقت لهم وخلقوا لها كما للمعارضة أحزابا نشأت فيها ولا محيد لها عنها ، وجاءت خطوة مشاركة أحزاب بارزة في المعارضة (حزبي اتحاد قوى التقدم و تواصل ) لتأكد أن المعارضة ليست من أجل المعارضة و أنما لظروف نسبية مرتبطة ببرامج و سلوكيات محددة ، وأن العملية السياسية عملية ديناميكية ، لقد أصبح اليوم بمقدور المثقف الموريتاني أن يختار أي حزب ينسجم مع رؤيته للحياة من غير الخوف من أن المعارضة ستكون قدره الأبدي ، كما أصبح تيار السلطة - الذي ظنها نعيما لا ينقطع- يدرك أن عليه أن يقدم برامج مقنعة فقد دخلت عليه المعارضة الباب الذي ظن أنه سيظل مغلقا إلى الأبد ...
7-موقف الجبهة من انقلاب الجنرال محمد ولد عبد العزيز
لقد كان موقف الجبهة تعبيرا واضحا لرفض فئة كبيرة من المجتمع السياسي الموريتاني لفكرة الرجوع للوراء في مرحلة المراهقة السياسية ...إلا أن ذلك الموقف حمل بين طياته معنى مهما وخطوة كبيرة على طريق النضج السياسي ، تلك الخطوة هي اجتماع عدد من الأحزاب و الشخصيات التي تنتمي لاتجاهات مختلفة و تنحدر من مشارب شتى على قضايا مبدئية مع احتفاظ كل منهم بانتمائه على قاعدة العمل من الأهداف المشتركة أو الصالح العام ، فما الذي يجمع حزب "تقدم" الذي يوصف بأنه ذو ميول شيوعية و "تواصل" ذي الميول الإسلامية وكيف يقف الحزبان جنبا إلى جنب مع بعض الشخصيات التي طالما ذكرت بأنها من رموز الفساد في زمن معاوية ، إن فكرة تلاقي القوى السياسية على كلمة سواء مع احتفاظ كل منهم بخصوصية خطابه فكرة جديدة على المجتمع السياسي في موريتانيا ، وخطوة أخرى لا تقل أهمية عن السابقة خطاها الفكر السياسي الموريتاني من خلال ثبات الجبهة على موفقها الرافض للانقلاب وانتهاجها الوسائل السلمية لمكافحته و تحمل قادتها للأذى في سبيل ذلك ، ومن يتذكر صورة رئيس الجمعية الوطنية مسعود ولد بلخير وما أصابه من قوات الشرطة في سيبل تفريق المسيرات الرافضة للانقلاب ، إن تلك الخطوة تغرس في وجدان المجتمع أنه لابد من التضحية في سبيل المبادئ ومن أجل الحصول على المكاسب وهذا المعنى وإن كان الإسلاميون قدمو نماذج مشرفة له في الماضي إلا أن نقله من حيز حزب إلى ثقافة مجتمع خطوة كبيرة أيضا على الطريق الصحيح .
8- التنازل السياسي في اتفاق دكار
إن موروث البداوة يطبع الأفراد بطابع التعصب وعدم التنازل عن الآراء أيا كانت ، و المراهقة السياسية تعد التنازل هزيمة ساحق و انتحارا سياسيا ، عن اتفاق دكار وتنازل الجنرال هز تلك القناعة و خطى بالثقافة السياسية خطوة نحو النضج ، فقد بات التنازل السياسي وسيلة لتحريك المياه الساكنة وطريقة لتغيير ساحة المواجهة وخلقا لواقع جديد شعار التوافق و ليس التصارع .
كانت تلك بعض الخطوات التي أرى أنها قربت المجتمع الموريتاني من الخروج من المراهقة السياسية باتجاه الرجولة السياسية تمهيدا لمرحلة النضج السياسي ، ولا تزال ثمة العديد من أفكار المراهقة السياسية أو من مظاهرها و التي لابد ان تتوجه لها أقلام الكتاب و أفكار الساسة و برامج الأحزاب كي نخرج من تلك المرحلة ، ومن تلك المظاهر :-
1-كثرة الأحزاب السياسية التي قاربت السبعين حزبا لا يختلف لا يمكن التمييز بين معظمها إلا عن طريق الاسم الذي أصبح عملة نادرة في سوق الأحزاب السياسية حيث أصبحت مفردات مثل ( التغيير و التقدم والاصطلاح و الحرية و الديمقراطية و الوطن وغيرها ) مفردات متكررة في التسميات فكلمة الديموقراطية مثلا توجد في أسماء حوالي عشرة أحزاب ،وأدى ذلك بالأحزاب إلى لعبة الاختصارات من أجل المساعدة في التمييز بينها .
2-تحول الأحزاب إلى شكل من أشكال التنظيم القبلي والتي تبرز فيها قوة زعيم الحزب مثل زعيم القبيلة فلا يتغير إلا بالموت مما جعل الشيخوخة سمة للطبقة السياسية الموريتانية ، إن الحزب هوى حزب الرئيس من أعجبه الحال فليظل ومن لم يعجبه فليذهب ويكون حزبا له .
3- ظاهرة النفاق السياسي لكل من يتوقع أن يحكم لأنه يتحكم في العباد و البلاد أو هكذا يظن المنافقون ، كذلك ظاهرة شراء الو لاءات و الأصوات .
4- الجهوية و الطبقية في ممارسة العمل السياسي ، وليس أدل على ذلك من مسرحية المرشحين قبل اتفاق دكار فمرشح للحراطين ومرشح للزنوج وثالث للبيظان وهكذا .
وفي الختام إن طريق النمو الحضاري للأمم والشعوب شاق و طويل إلا أنه محمود العقبى ، وعلى الموريتانيين أن يدركوا ما حققوه على هذا الطريق ، وأن يواصلوا التقدم أيا كان الرئيس القادم وأيا كان شكل حكومته .
khoyate@gmail.com
تمر الشعوب بمراحل عديدة في حركتها من طور الطفولة الاجتماعية إلى الرشيد الاجتماعي ومن طور البداوة إلى طور المدينة يقترب حالها في ذلك من حال الإنسان حين ينتقل من طور الطفولة إلى الرشد مروراً بالمراهقة ثم الشباب الباكر ، ومنذ قرون عاشت موريتانيا في طور البداوة بحكم الطبيعة الجغرافية والثقافة السائدة ومنذ الاستقلال بدأت مرحلة الطفولة الاجتماعية أو المدينة و التي استمرت إلى ظهور دستور يوليو/ تموز 1992 أي حوالي 30 سنة تقريباً وهي فترة طفولة متوسطة للأمم و الشعوب ثم مرحلة المراهقة الاجتماعية والسياسة منذ سنة 1992 والتي ربما لم تتجاوزها موريتانيا حتى الآن إلا أنه ومنذ 2003 ظهرت بعض الأحداث التي ربما تمثل خطوات على طريق الخروج من تلك المرحلة عبورا إلى مرحلة الشباب الباكر التي تعتبر من بواكير مرحلة النضج السياسي و الاجتماعي ........ وفي هذه المقالة أحاول رصد بعض تلك الخطوات وهي وإن كانت في معظمها خطوات على الصعيد السياسي إلا أن التغير على الصعيد السياسي كثيراً ما يحمل بين طياته تغيراً على الصعيد الاجتماعي والثقافي بصورة عامة .......ومن تلك الخطوات :-
1- محاولة انقلاب 2003 بقيادة النقيب صالح لقد كانت هذه المحاولة في نظري أولى الخطوات الجزئية التي أظهرت أنه توجد في المجتمع بعض القوى التي لم تعد تحتمل تصرفات المراهقة السياسية في أيام الرئيس معاوية ، لقد كانت تلك المحاولة استجابة لنداء لسان حال المجتمع الذي سئم تلك المرحلة ... ومع أن الكثيرين بعد فشل الانقلاب أدانه ، وهللوا وكبروا بعد عودة الرئيس وذلك مظهر من مظاهر المراهقة السياسية في المجتمع الموريتاني إلا أن تلك المحاولة كانت بمثابة إلقاء حجر كبير في مستنقع المراهقة السياسية الراكدة مالبثت الموجات الناتجة عنه لإحداث أثر كبير .....
2- انقلاب 2005 وتكوين المجلس العسكري للعدالة والديموقراطية مع أن هذا الانقلاب لم يكن سوى رجع الصدى لمحاولة الانقلاب السابقة 2003 ومن ثم لم يكن هو الحدث الأبرز في دلالاته إنما ما صاحبه من أحداث أدت إلى إحياء الأمل في قيام مشروع إصلاح اجتماعي تعتبر خطوة بارزة فالأمل في التغيير هو أهم عناصر الحراك السياسي و الاجتماعي الهادف إلى الخروج من الواقع السيئ إلى واقع مشرق جميل ، و كانت الأيام التشاورية الجادة التي عقدت في تلك الفترة خطوة ثانية للابتعاد عن أساليب المراهقة السياسية في الحكم والرجوع إلى المجتمع والقوى السياسية للتوافق على مصالح وطنية عليا ...
3- فضيحة عقود النفط مع أن فترة المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية في مجملها كانت حافلة بالكثير من علامات المراهقة السياسية مثل تقديم المصالح الفردية على المصالـــح العامة و النفاق السياسي للمجلس العسكري وكذلك بعض الفساد المالي الذي لم يعد سرا في موريتانيا إلا أن فضيحة عقود النفط الفاسدة ووقوف المجلس بقوة في هذه القضية واعتقال الوزير لأيام وإرغام الشركة الاسترالية على تصحيح الوضع كان خطوة مهمة في طريق الخروج من المراهقة السياسية وإحياء مفهوم حرمة المال العام وسيادة القانون فوق الجميـع ، لقد أدت تلك الحادثة إلى التقليل بشكل كبير لمظاهر الفساد المالي في الإدارات العامة ...
4- الانتخابات الرآسية 2007 مع انتخابات 2007 لم تخل من سمات البداوة و المراهقة في ممارسة العمل السياسي مثل التركيز على الجهوية والقبلية كمتمركزات للعمل السياسي وكذلك استخدام المال لشراء الأصوات ... إلا أن في خلوها من التزوير المباشر الذي كان سائداً في كل الانتخابات السابقة وتقارب النتيجة بين المرشحين مثلت خطوة على الطريق ....
ومثلت عملية التسليم السلمي للسلطة من طرف العقيد اعل ولد محمد فال والعسكر من خلفه إلى الى الرئيس الجديد مثلت خطوة جريئة هزت كافة أركان الوطن العربي وإن كان تسليماً ظاهرياً للسلطة لرجل العسكر آنذاك سيدي ولد الشيخ عبد الله ... إلا أنه مثل أول تطبيق عملي لانتقال السلطة ولو في الظاهر طواعية وتلك خطوة مهمة في طريق الخروج من المراهقة السياسية ...
5- الأزمة بين الرئيس والعسكر ...
لقد كانت تلك الأزمة سيئة بصورة إجمالية إلا أنها كانت خطوة مهمة جداً على طريق الخروج من مرحلة المراهقة السياسية ... مهمة جداً لوقف مسرحية حكومة الظل التي كتب السيناريو لها المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية وأخرجها الجنرال محمد ولد عبد العزيز إلا أن أبرز إيجابيات تلك الأزمة هي إبراز دور البرلمان في مصير الدولة لقد كان البرلمان قبل هذه الأزمة عبارة عن إدارة حكومية مثلها مثل أي وزارة تمثل صدى لكلام الرئيس وتجسيدا لأحلامه بغض النظر عن ما إذا كانت لصالح المجتمع أم لا ، إن الرجوع للبرلمان حتى ولو كان لحياكة المؤامرات السياسية يساعد في إبراز دور هذه المؤسسة و توضيح مدى استقلالها عن مؤسسة الرئاسة ، بل ويساعد كثيرا في رفع الوعي العام بمؤسسات الدولة واختصاص كل منها .
6- مشاركة المعارضة في حكومة ولد الواقف
إن المراهقة السياسية في موريتانيا رسخت بعض المفاهيم السلبية التي لابد من تغييرها ومنها أن للحكومة أفرادا خلقت لهم وخلقوا لها كما للمعارضة أحزابا نشأت فيها ولا محيد لها عنها ، وجاءت خطوة مشاركة أحزاب بارزة في المعارضة (حزبي اتحاد قوى التقدم و تواصل ) لتأكد أن المعارضة ليست من أجل المعارضة و أنما لظروف نسبية مرتبطة ببرامج و سلوكيات محددة ، وأن العملية السياسية عملية ديناميكية ، لقد أصبح اليوم بمقدور المثقف الموريتاني أن يختار أي حزب ينسجم مع رؤيته للحياة من غير الخوف من أن المعارضة ستكون قدره الأبدي ، كما أصبح تيار السلطة - الذي ظنها نعيما لا ينقطع- يدرك أن عليه أن يقدم برامج مقنعة فقد دخلت عليه المعارضة الباب الذي ظن أنه سيظل مغلقا إلى الأبد ...
7-موقف الجبهة من انقلاب الجنرال محمد ولد عبد العزيز
لقد كان موقف الجبهة تعبيرا واضحا لرفض فئة كبيرة من المجتمع السياسي الموريتاني لفكرة الرجوع للوراء في مرحلة المراهقة السياسية ...إلا أن ذلك الموقف حمل بين طياته معنى مهما وخطوة كبيرة على طريق النضج السياسي ، تلك الخطوة هي اجتماع عدد من الأحزاب و الشخصيات التي تنتمي لاتجاهات مختلفة و تنحدر من مشارب شتى على قضايا مبدئية مع احتفاظ كل منهم بانتمائه على قاعدة العمل من الأهداف المشتركة أو الصالح العام ، فما الذي يجمع حزب "تقدم" الذي يوصف بأنه ذو ميول شيوعية و "تواصل" ذي الميول الإسلامية وكيف يقف الحزبان جنبا إلى جنب مع بعض الشخصيات التي طالما ذكرت بأنها من رموز الفساد في زمن معاوية ، إن فكرة تلاقي القوى السياسية على كلمة سواء مع احتفاظ كل منهم بخصوصية خطابه فكرة جديدة على المجتمع السياسي في موريتانيا ، وخطوة أخرى لا تقل أهمية عن السابقة خطاها الفكر السياسي الموريتاني من خلال ثبات الجبهة على موفقها الرافض للانقلاب وانتهاجها الوسائل السلمية لمكافحته و تحمل قادتها للأذى في سبيل ذلك ، ومن يتذكر صورة رئيس الجمعية الوطنية مسعود ولد بلخير وما أصابه من قوات الشرطة في سيبل تفريق المسيرات الرافضة للانقلاب ، إن تلك الخطوة تغرس في وجدان المجتمع أنه لابد من التضحية في سبيل المبادئ ومن أجل الحصول على المكاسب وهذا المعنى وإن كان الإسلاميون قدمو نماذج مشرفة له في الماضي إلا أن نقله من حيز حزب إلى ثقافة مجتمع خطوة كبيرة أيضا على الطريق الصحيح .
8- التنازل السياسي في اتفاق دكار
إن موروث البداوة يطبع الأفراد بطابع التعصب وعدم التنازل عن الآراء أيا كانت ، و المراهقة السياسية تعد التنازل هزيمة ساحق و انتحارا سياسيا ، عن اتفاق دكار وتنازل الجنرال هز تلك القناعة و خطى بالثقافة السياسية خطوة نحو النضج ، فقد بات التنازل السياسي وسيلة لتحريك المياه الساكنة وطريقة لتغيير ساحة المواجهة وخلقا لواقع جديد شعار التوافق و ليس التصارع .
كانت تلك بعض الخطوات التي أرى أنها قربت المجتمع الموريتاني من الخروج من المراهقة السياسية باتجاه الرجولة السياسية تمهيدا لمرحلة النضج السياسي ، ولا تزال ثمة العديد من أفكار المراهقة السياسية أو من مظاهرها و التي لابد ان تتوجه لها أقلام الكتاب و أفكار الساسة و برامج الأحزاب كي نخرج من تلك المرحلة ، ومن تلك المظاهر :-
1-كثرة الأحزاب السياسية التي قاربت السبعين حزبا لا يختلف لا يمكن التمييز بين معظمها إلا عن طريق الاسم الذي أصبح عملة نادرة في سوق الأحزاب السياسية حيث أصبحت مفردات مثل ( التغيير و التقدم والاصطلاح و الحرية و الديمقراطية و الوطن وغيرها ) مفردات متكررة في التسميات فكلمة الديموقراطية مثلا توجد في أسماء حوالي عشرة أحزاب ،وأدى ذلك بالأحزاب إلى لعبة الاختصارات من أجل المساعدة في التمييز بينها .
2-تحول الأحزاب إلى شكل من أشكال التنظيم القبلي والتي تبرز فيها قوة زعيم الحزب مثل زعيم القبيلة فلا يتغير إلا بالموت مما جعل الشيخوخة سمة للطبقة السياسية الموريتانية ، إن الحزب هوى حزب الرئيس من أعجبه الحال فليظل ومن لم يعجبه فليذهب ويكون حزبا له .
3- ظاهرة النفاق السياسي لكل من يتوقع أن يحكم لأنه يتحكم في العباد و البلاد أو هكذا يظن المنافقون ، كذلك ظاهرة شراء الو لاءات و الأصوات .
4- الجهوية و الطبقية في ممارسة العمل السياسي ، وليس أدل على ذلك من مسرحية المرشحين قبل اتفاق دكار فمرشح للحراطين ومرشح للزنوج وثالث للبيظان وهكذا .
وفي الختام إن طريق النمو الحضاري للأمم والشعوب شاق و طويل إلا أنه محمود العقبى ، وعلى الموريتانيين أن يدركوا ما حققوه على هذا الطريق ، وأن يواصلوا التقدم أيا كان الرئيس القادم وأيا كان شكل حكومته .







