تاريخ الإضافة : 09.06.2009 19:12

الشيخ بداه.. العلامة المجدد والداعية المصلح

وصلني نعي الشيخ محمد بن البصيري "بداه" فكان وقعه علي شديدا كما كان شديدا على كثير من الناس..
كان وقعه علينا شديدا، لا لأننا نبتغي له الخلود أو نعترض على القدر معاذ الله فالموت سنة الله في خلقه و"كل شيء هالك إلا وجهه"، ولكن لأن الأرض ستوحش بعد الشيخ بداه العلامة المجدد والداعية المصلح الذي ظل بحرا زاخرا وسراجا منيرا في هذه البلاد منذ عقود..
ظل بحر علم يغترف الناس منه عبر محضرته التي كانت أول محضرة في مدينة نواكشوط، وظل سراج تربية وأخلاق يستنيرون به عبر خطبه التي كانت تحيي القلوب وتسمو بالأرواح في أول مسجد بني بالعاصمة..

العلامة المجدد
لقد كان الشيخ رحمه الله تعالى علامة في علوم شتى.. كان علامة في القرآن الذي حفظه في طفولته ونبغ في قراءاته وعلومه، ولازم ترتيله وتجويده حتى غلبت نبرته على خطبه وكلامه.. وكان علامة في الحديث وعلومه حافظا لكثير من متونه وشروحه، وكان علامة في العقيدة وعلم الكلام متضلعا فيما ألف فيهما من شروح وأنظام.. كما كان علامة في الفقه أصولا وفروعا ومذاهب وشيوخا.. وفي السيرة والتاريخ واللغة وسائر علوم الآلة.

وقد أخذ معظم المتون العلمية في شبابه ثم طالع الشروح والموسوعات وتتبع مسالك الأدلة وقواعد الأحكام فاختط لنفسه منهجا تجديديا قوامه التبصر والدوران مع الدليل حيث دار.
- ففي الفقه سعى الشيخ بداه إلى تجديد منهج التلقي وطرق الاحتجاج وأقبل على الفقه المالكي فغربله وبحث عن أدلته، وسعى إلى تجديد المذهب بربط فروعه بأدلتها من الكتاب والسنة، وتنقيته من التعصب للأشخاص والروايات.
وكان يدعو إلى اعتماد الراجح ولو خالف المشهور في المذهب.
وقد سمعته يوما في إحدى حلقاته يعلل ذلك قائلا: الراجح ما قوي دليله، والمشهور ما كثر تابعه، وقوة الدليل تعود إلى صحة النصوص، أما كثرة التابع فترجع إلى التقليد وقد يكون سببها قوة السلطان كما حدث بالأندلس حيث كان أمراؤها يشترطون على القضاة ألا يحكموا بما يخالف رواية ابن القاسم.
وكان رحمه الله يذم التقليد الأعمى ويسمي أصحابه "الجامدين"، ويقول دعوا عنكم "فقه السلاطين"، ويدعو الفقهاء إلى التبصر والبحث عن الدليل، ويقول في تواضع: أنا لست مجتهدا ولكني أستطيع أن أرجح.
وقد ألف في ذلك رسائل وكتبا تؤصل الفقه المالكي وتبين الراجح في مسائل فقهية كثيرة، وتؤكد أن ذلك هو المذهب بعينه مثل "أسنى المسالك في أن من عمل بالراجح ما خرج عن مذهب الإمام مالك"، و"القول السديد في الرد على أهل التقليد".

- وفي العقيدة دعا الشيخ بداه رحمه الله تعالى إلى اعتماد الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح في أمور الاعتقاد، وسعى لتنقية مسائلها وطرق البرهنة عليها من أغلال المنطق وعلم الكلام. كما دعا إلى اعتماد ذلك في مجال التربية باتباع ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من هدي في التزكية وسمت في السلوك، والابتعاد عن البدع والخرافات.

وكان الشيخ رحمه الله تعالى متبعا للسنة سائرا على طريق السلف في جميع أموره، فانتصر لمذهب السلف في العقيدة والسلوك ودعا إلى الاتباع ونهى عن الابتداع، ووضع لتلامذته "الحجر الأساس لمن أراد شرعة خير الناس"، ونثر بين أيديهم "الدر النضيد في علم الكلام وحقيقة التوحيد".
وكان يعتبر أن الجهل هو سبب الابتداع والتعصب، وكثيرا ما استشهد على ذلك بأنه كان في شبابه يعادي ابن تيمية ويعتبره زائغا تأثرا بما كان يسمع عنه، لكنه حين قرأ كتبه واطلع على أدلته تبين له خلاف ذلك فقال فيه أبياته المشهورة:
تقي الدين أحمد لا يبـارى ** * بميدان العلوم ولا يمارى
تقي ماجد برّ كريـــــــــم ** * يدور مع الأدلة حيث دارا
برئت إلى المهيمن من سماعي *** مقالات تقال له جهارا

كان الشيخ مجددا في كل ذلك بمقاييس عصره وبيئته، مخالفا النسق السائد في العهود المتأخرة، لكنه كان معتدلا منصفا فلم يحمله اتباعه لهدي السلف على تضليل الخلف، وكان يقول: أنا سلفي لكني لا أهاجم المتصوفة ولا الأشاعرة، وأعتبر أن الأمة أحوج إلى التعاون والتراحم منها إلى التقاطع والتناحر.
أتذكر أننا كنا عنده يوما في حلقة الحديث فحذرنا من الفتن وقال إن ترك سنة أولى من إثارة فتنة وضرب لذلك مثلا بأنه يعتبر الجلسة الخفيفة في أوتار الصلاة سنة ويعمل بها لكنه ربما يصلي بأناس يجهلون ذلك فيسبحون له ظنا منهم أنه ساهٍ فيقوم ويتابع صلاته حتى لا يقع ضجيج ولا فتنة.

الورِع الزاهد
ولم يكن علم الشيخ رحمه الله تعالى علما نظريا مجردا بل كان يتجلى في سلوكه وأخلاقه، فقد كان كريم الخلق طيب السجايا حلو المعشر يعلوه البشر وتصحبه الدعابة في دروسه وحلقاته دون أن تخل بوقاره أو تغض من جديته.
وكان ورِعا حذِرا من الإثم يتحرى في الفتوى ويراعي أحوال المستفتين وظروفهم فيشدد على الأقوياء ويرخص للضعفاء، ويحاول تجنب الفتوى، وكثيرا ما يؤجل الإفتاء ويضرب للسائل موعدا ويقول لتلامذته إذا كان هذا محتاجا للفتوى جادا في طلبها فسيرجع، وإلا استرحنا منه. وكان يمتنع عن الإفتاء في الوقائع التي لم يطلع عليها فيتخلص من سائله حين يسأل عما يجري في الجزائر مثلا بقوله "أولئك عندهم علماء يفتونهم".
وكان كريما معطاء ساعيا في تنفيس كرب الناس، يغشاه أصحاب الحاجات من أطراف المدينة بل ربما شدوا إليه الرحال من أماكن بعيدة، هذا يطلب مالا وذاك يريد رفع مظلمة وآخر يبتغي شفاعة، فيسعى الشيخ في قضاء كل ذلك دون تبرم أو ضجر.
أما الزهد فهو ديدنه ووكده فقد عايش رحمه الله تعالى نشأة الدولة وتعاقب عليه حكامها وكان في إمكانه أن ينال ما يشاء من مال فيثري بسهولة كما أثرى كثير ممن عايشوا تلك الحقب، لكنه رغب عن ذلك ممتثلا الحديث "كن في الدنيا كأنك غريب" فرفض وظائف الدولة وعطايا الحكام، واكتفى من الدنيا ببيت يسكنه ومحضرة يبث عبرها علمه في تلك البلاد القاحلة معتبرا ذلك جهادا ورباطا في سبيل الله رافضا مغريات الهجرة إلى الخارج ولو كانت إلى المدينة المنورة. حدثني أحد تلامذته أنه عرضت عليه الإقامة في السعودية فلم يقبلها، وقال إن المجاورة هي مجاورة الكتاب والسنة، مؤكدا بذلك أن الارتباط الحقيقي بالنبي صلى الله عليه وسلم هو التمسك بسنته وهديه وأن نشر الدين وتعليمه في أصقاع الأرض أولى من الجلوس في المدينة.

الداعية المصلح
كان الشيخ بداه رحمه الله تعالى يفهم الإسلام على أنه دين شامل صالح لكل زمان ومكان، ويرفض تهميشه وإبعاده عن مجالات السياسة، وفي ذلك يقول حكمته المشهورة "دين بلا سياسة لا يستقيم وسياسة بلا دين عار الدنيا ونار الجحيم". وكان يدعو إلى إصلاح أوضاع الدولة والمجتمع بالعودة إلى النظام الإسلامي في جميع مجالات الحياة ونبذ الأنظمة الغربية الموروثة عن الاستعمار، وفي ذلك ألف كتابه "الكتائب الشرعية في صد هجوم القوانين الوضعية". أما علاقته بالساسة والحكام فكانت قائمة على النصح والصدع بالحق أمامهم والزهد فيما عندهم، فقد كان يدعوهم إلى تطبيق الشريعة والعدل بين الناس ويحذرهم من الجور والظلم يصدع بذلك في خطبه ومؤلفاته، ويواجههم به في لقاءاته واتصالاته، وكان يتصدى لكل إجراء من الدولة يرى فيه مخالفة للشريعة أو مسّا بمصالح المجتمع، فقد عارض مشروع الدستور الذي دعت إليه الدولة (عام 1981) وقاد مسيرة لإجهاضه، كما رفض سعي وزارة الشؤون الإسلامية للسيطرة على خطب الجمعة وتقييد حرية الأئمة وهدد بالإضراب عن الخطابة إذا فرضت الوزارة ذلك، ورفض تطبيع العلاقات مع الصهاينة وأفتى بحرمته ولم يستطع أنصار الحكومة ودعاتها ثنيه عن موقفه.

وكان رحمه الله ينهى عن التهافت على الحكام ويعتبر كثرة مخالطتهم والتعلق بوظائفهم مدعاة إلى الركون إليهم والسكوت على مظالمهم، وكان يقول لنا: أنتم الأساتذة لا تستطيعون معارضة الحكومة لأنكم تعيشون على رواتبها!
وسواء أغاب عن الشيخ رحمه الله تعالى أن الراتب حق للموظف مقابل عمله وليس قيدا يمنعه من التعبير عن موقفه أم لم يغب عنه ذلك، فإنه كان يريد أن يغرس في الناس التعفف والاستغناء عن الأيادي التي تسعى لاستعبادهم وتدجينهم.. يريد أن يكونوا أحرارا يقبلون ما يشاؤون ويرفضون ما يشاؤون دون إكراه أو ضغوط. وقد أثبتت الأيام وجاهة رأي الشيخ ونور بصيرته! فكم من إمام أو عالم اجتالته الحكومة فما لبث أن صار من أجنادها وسماسرتها ضاربا عرض الحائط بما كان يدعو إليه من خير وإصلاح!!

محامي الصحوة
وكان الشيخ رحمه الله تعالى أبا حنونا للدعاة محاميا مضحيا عن الصحوة يهب لنجدتها ونصرتها كلما تطاول عليها جاهل أو طغى عليها حاكم، يدافع عن أفكارها ويزكي القائمين عليها.. وكثيرا ما قال على منبره: "هؤلاء الشباب مني وأنا منهم، وليس لديهم إلا الحق ولا يسعون إلا إلى الخير".
وكانت نصيحته لهم الدائمة هي الاعتدال وعدم التطرف والصبر على الدعوة والسير بها في طريق آمن لا إفراط فيه ولا تفريط. وكان حريصا على توحيد كلمة المسلمين عموما وأبناء الصحوة خصوصا، نفورا من الفتن والتفرق، إذا سئل عن تيارات الصحوة الإسلامية امتدح كلا منها بأحسن ما فيه، وحثهم على التعاون والتناصح مؤكدا أن الأمة تواجه خطرا أكبر يستهدف الإسلام في أساسه.
وقد رضي شباب الصحوة عن الشيخ بداه كما رضي عنهم، فالتفوا حوله يغترفون من علمه ويأتمرون بأمره، وجعلوه مرجعهم في العلم والفتوى وأسوتهم في السلوك والتقوى، ولعل خير ما يصور ذلك قول أحدهم مرحبا به (من قصيدة للأستاذ بابه بن أحمدو استقبل بها الشيخ بداه في نواذيبو عام 1992):

مرحبا جئت تحمل الإسلاما *** تحمل النور كي تزيح الظلاما
شيخنا العالم المجاهد أهلا *** أنت بداه من علوت مقاما
إن هذي الحشود جاءت بوعي *** لم تعد أيها الإمام نياما
تنشد الدين لا تريد سواه *** ترفض الجور أن يظل مقاما
ترفض الدار غير دار سلام *** ترفض الواقع المرير تماما
أنتم وحدكم أولو الأمر فيها *** أسلمتكم أمورها والزماما
إن تقولوا توقفوا نتوقف *** أو تقولوا الأمامَ نمضي الأماما
قد رضيناك للفتاوى تماما *** واعتبرناك المرجع العلاما
أنت في قطرنا المجدد حقا *** أنت عنه الذي أزحت الركاما
قد عرفناك مذ ثلاثين عاما *** ورضيناك قائدا وإماما

ولم تقتصر تزكية الشيخ وتبيان منزلته على شباب الصحوة بل جاءت من جهابذة العلماء وكبار المشايخ.. جاءت منهم عبر تقريظ مؤلفاته وتسليم فتاواه، وجاءت عبر الثناء عليه والإشادة بمراميه. وخير ما يمثل ذلك قول العلامة محمد سالم بن عدود رحمه الله تعالى:
الشيخ بداه الإمام دون شكْ
مصنف مدرس مفت مزكْ
موئل ذي حاج منير في حلك
شفيع جان مرشد من ارتبك
يجمعه والعذب قدر مشترك
لولاهما لمصرنا هذا هلك
ما زال مذ طلع بدرا في الفلك
في درج وحاسدوه في درك
شهادة ليست كتسليم بفك
من باب أسلفني على أن أسلفك
رمت بها إمامنا أن أنصفك

المُرابط الأسوة
تلك نبذ من حياة الشيخ بداه أردت بها أنا كذلك أن أنصف هذا المرابط الذي رابط على ثغور كثيرة.. رابط على ثغر العلوم فتعلمها وعلمها، ورابط على ثغر السنة فأحياها وعمل بها، ورابط على ثغر الدعوة فآزرها ودافع عنها.. رابط الشيخ على تلك الثغور وغيرها من ثغور الخير طوال حياته حتى توفي وهو محمود السيرة طيب الذكر، فكان بذلك أسوة وقدوة.. أسوة للشباب ليقبلوا على طلب العلم ليكون سراجا لهم في مسيرتهم وزادا في خدمة أمتهم.. وأسوة للأئمة والعلماء ليتجردوا لتعليم الناس ودعوتهم إلى الخير ويزهدوا فيما عند الحكام.. وأسوة لعامة الناس وخاصتهم ليقبلوا على الله ويثقوا بأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ويكونوا دعاة خير وسعاة أخوة ومحبة في عهد كثر فيه التفرق وغلبت الأثَرَة وغابت التضحية.

المختار بن أحمد بن محم
الدوحة –قطر
البريد الإلكتروني moctar57@gmail.com

الجاليات

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026