تاريخ الإضافة : 06.06.2009 14:02

قراءة في ما بعد الوفاق

محمد المامى ولد مولاي أعل
يستحق أطراف الأزمة السياسية في البلد وقفة إكبار وإجلال لقبولهم الجلوس على طاولة المفاوضات أولا ـ وإن بضغوط أجنبية ودولية ـ ثم لاستطاعتهم التوصل إلى اتفاق ثانيا ـ وإن بنفس الضغوط ـ هذا الاتفاق الذي انتظره جميع المواطنين ـ موالاة ومعارضة ـ بصبر وقلق عبروا عنه أكثر من مرة ، وارتاحت له جميع الفصائل السياسية ، وغير السياسية وطنيا وإقليميا ودوليا .
هذا الوفاق الذي يدل على روح وطنية عالية ورغبة في الوئام ونبذ لكل ما من شأنه أن يثير القلاقل في البلد ، والعودة بالتالي إلى الحياة الدستورية والممارسة السياسية التعددية الحقة وهو ما أثبتت كل الأطراف حسن النية في الوصول إليه
يمهد هذا الاتفاق لمرحلة انتقالية قصيرة تهيئ لانتخابات حرة ونزيهة أو يراد لها على الأقل أن تكون كذلك ، هذه المرحلة وتلك الانتخابات ستشهد تجاذبات سياسية وربما مفارقات ومفاجآت بفعل مؤثرات قوية ستلعب دورا لا يستهان به في تحديد الرئيس القادم للبلد ، وهي نفس المؤثرات التي سيحاول الأطراف أن يلعبوا عليها لجعلها ترجح كفة هذا المرشح أو تهوي بالآخر .
إن ما جاءت به وثيقة الوفاق من تقاسم للحكومة الانتقالية بين أطراف الأزمة بحيث تحصل المعارضة على وزارة الداخلية ووزارة المالية ووزارة الإعلام وتبقى بقية الوزارات للأغلبية ، سيجعل عامل السلطة كمؤثر في الانتخابات عاملا غير مستقر ، إذ سيكون نصيب المعارضة في الوزارات الأكثر تأثيرا في السياسة فكثيرا ما يستخدم المال العام وموارد الدولة لأغراض انتخابية وتكثر العطايا والتسخرات المالية وهو ما لا يتأتى إلا بالتحكم في تسيير المال العام وبديهي أن وزارة المالية هي المعنية بذلك ، أما وزارة الإعلام فهي الراعي الأول للإعلام الرسمي والموجه له والذي كثيرا ما يكون واجهة إعلامية وناطقا باسم ولحساب المرشح الذي في السلطة ، ولا يخفى ما لوزارة المالية من دور كبير من خلال التهيئة للاقتراع ومراجعة اللوائح وتنظيم مراكز التصويت وإعلان النتائج الأولية للانتخابات .
أضف إلى هذا أن تقاسم الحكومة يعني تقاسم السلطة والتي هي في حد ذاتها عامل قوي في اجتذاب المؤيدين لهذا المرشح أو ذاك ، فقد اعتاد الموريتانيون على دعم من في السلطة أيا كان توجهه ، ويعزز هذا التقاسم أن مرشح الأغلبية لم يعد في القصر الرمادي وهو ما يعني ابتعاده عن السلطة ـ على الأقل في مظهرها الخارجي ـ وإن كان ما زال يدعى حتى الآن من مؤيديه ومناوئيه بالجنرال .
أما المال كمؤثر سياسي فتأثيره لن يكون مرجحا بالقوة التي كان بها في الاستحقاقات الماضية ، فرغم أن رجال الأعمال حتى الآن يدعمون جانب الأغلبية فإن الأطراف الأخرى لن تكون بمنآي عن استخدام المال السياسي لما تضمه من عناصر معروفة باستخدام المال للسياسة .
وبالنسبة للولاءات التقليدية القبلية والجهوية فستتناصفها الأطراف إذ تتوزع القبائل والجهات بين مختلف الفر قاء .
وستبقى الحركات السياسية ـ إسلاميين ، كادحين ، قوميين ، الحر ـ ستبقى في غالبها في صف المعارضة .
والجديد أن الصراع الأخير بين المناوئين للإنقلاب والمؤيدين له والذي انتهى بالإتفاق كما رأينا في صغة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها تشرع الانقلاب أو تعيد الشرعية ـ حسب اختلاف الرؤى ـ ستجعل الثقة في القوة السياسية للعسكر وبالتالي من يدعمون تهتز وتتزعزع ، بنفس الدرجة التي اهتزت بها الثقة في المعارضة بسبب احتضانها لمن كانوا يوصفون إلى وقت قريب بالمفسدين .
وعندما نبحث في قدرة الأطراف على العمل السياسي ومدى خبرتهم في سبر أغواره ـ وهو لا شك مؤثر مهم ـ نجد أن الأغلبية بمن فيها من مريدي الإصلاح الذين سئموا الوقوف في صف المعارضة ووجدوا ضالتهم في أبواب الأمل التي يرون أن مرشحهم قد فتحها ، ومن فيها ممن يمكن وصفهم بالمزمرين الجدد ,الذين يطمحون للحصول على ما حصل عليه سابقوهم من مطبلي الأنظمة المتعاقبة ، سنجدهم في أغلبهم جديدون على الممارسة السياسية وهو ما سيؤثر على فاعلية أدائهم ، بينما نجد المعارضة بما تضمه من مريدي الإصلاح الذين خبروا الصراع مع الأنظمة المتعاقبة وما تضمه من مطبلين سابقين وقفوا مع الأنظمة المتعاقبة وأيدوها ، نجدها أقوى أداءا لعامل الخبرة هذا .
ثم إن الرعاية والمواكبة والرقابة الدولية للانتخابات ستعزز بدورها الثقة في الاقتراع وبالتالي في قدرة الصناديق على تحديد الرئيس المقبل لموريتانيا.
كل هذا يجعلنا نقول إن الأيام القادمة ستشهد حراكا سياسيا عنيفا وتنافسا حقيقيا وجادا وربما شاق وقلق أيضا ، لصعوبة التنبؤ بالنتائج قبل وقوعها استنادا لتردد العوامل والمؤثرات التي ذكرنا ، وهو ما يجعل المفاجآت غير بعيدة

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026