تاريخ الإضافة : 04.06.2009 20:37
أزمة موريتانيا فكرية.... لا سياسية..!
بقلم : أبوبكرن بن أحميّد* ـ دمشق
في معمعان الاضطرابات السياسية التي تعيشها موريتانيا منذ مدة، يبدو الحديث لدى الكثيرين غريباً عن دور رئيسي للفكر السياسي في خلق الأزمة السياسية الحالية وسابقاتها. إذ إن عودة سريعة إلى تاريخ الحياة السياسية في هذا البلد تكفي لاستكشاف الواقع المتردي الذي بات فكر طبقتنا السياسية يتخبط فيه.
فالسمة الغالبة على هذا الفكر، منذ العقدين الماضيين، كادت أن تنحصر، باستثناء حالات نادرة، في التحالف المطلق مع الحاكم السياسي لهذا البلد، بغض النظر عن سلوكه وطريقة وصوله إلى الحكم؛ بل وانعدام الحياء في أحيان كثيرة من الجهر بهذا التحالف، من خلال إعلانه أمام العالم، إذ ترى بعضهم في مرحلة ما يدبّجون الخطب الرّنانة لامتداح حاكم البلد، مرة بأنه "الرئيس المنتخب"، ومرة بأنه "قائد التصحيح"، وربما مرة ثالثة بـ"قائد تصحيح التصحيح"، وهلم جرا.. كما أن أدعياء الشعر والأدب ظلوا جزءاً مهماً من هذه الطبقة، فهم بحق، حماة مشروعها، وراضعوا لبان فكرها بامتياز.
ولعلّ من خصائص فكرنا السياسي المهمة، التي أجزم أنه لا يشاركه فيها أي فكر سياسي في العالم، هي "التذبذب" و"التقلب"، و"السلطوية المطلقة"، ذلك أن إرضاء السلطة سبيلاً للحصول على امتيازاتها المادية، تُعدّ في عرف القوم من الأولويات التي لا يمكن التفريط فيها تحت أي ظرف، أما الدفاع عن المصلحة العامة للوطن، من خلال المطالبة بإنصاف المظلومين، وحماية مال الشعب، ومحاسبة سارقيه ومُبذّريه، فتلك من المفردات الغريبة، التي لا يعرف سياسيونا وبرلمانيونا لها وجوداً في قواميسهم، التي غلبت عليها مصطلحات "الولاء" و"النفاق" والوفاق"..!
ويبدو أن من أسباب تجذُّر هذه الثقافة في فكرنا السياسي، مُخلفات الفهم السيّء لـ"فقه الضرورات"، و "فقه المرحلة"، إذ استصحب سياسيونا ـ بعلم أو بدون علم ـ وجوب العمل بهذين الفقهين، سبيلاً إلى "تحمل أخفّ الضررين" في نظرهم، وهو "موالاة السلطة" درءاً لعقابها، وجلباً لرضاها، لكن الحقيقة أن هذا النهج أدى بهم إلى الهاوية، وارتكاب ما يمكن أن نسميه بـ"الجريمة الإنسانية" بحق شعبهم، إذ باتوا لا يتذكرونه إلا في مواسمهم الانتخابية "الكرنفالية" المتكررة.. أما فيما عدا ذلك فلا يهمهم ما عاناه وكابده نتيجة المحن المتتالية التي أردته فيه سياساتهم التي أقل ما يمكن أن نصفها به أنها "غبية" و"آنية" وتفتقد لأبسط مُقومات النضج والتفكير في المستقبل.
وهكذا، وبسبب سيطرة هذا الفكر "السلطوي" الأرعن، ظل البلد يعيش حالة مستمرة من عدم الاستقرار السياسي، الناتج بالدرجة الأولى عن تضارب المصالح بين أطراف السلطة الموزعة بين الجيش الذي ظل يغتصبها منذ انقلابه على الشرعية سنة 1978، وبين سدنة الطيف السياسي المساند له، والمستند في الأساس إلى ثقل شيوخ القبائل المتنفذين، الذين يرون أنهم الأقوى موقعاً بسبب أصوات أفراد قبائلهم وأتباعهم.. وهو ما أدى بالجملة إلى غرق البلاد في مسلسل متواصل من الانقلابات المتكررة والانتخابات العبثية التي لا تؤدي إلا إلى أسرع عودة لحكم قادة الجيش المتعطشين للسلطة، الرافضين للتفريط فيها، لأن عقليتهم تَعدُّها حقاً من حقوق الجيش التي يهدد مستقبله فقدها.
لكن بالرغم من كل هذه الصورة القاتمة، ظل الشعب دوماً ينتظر من ساسته أن يعودوا إلى رشدهم، فينصفوه في محنته، ويرجعوا قليلا عن مبدأ "الوفاق-النفاق" حتى يتمكنوا من ردع السلطة الحاكمة، وإجبارها على التمسك بالنهج السلمي، طريقاً وحيداً للوصول إلى السلطة، لكن طباع الطبقة السياسية غلبت عليها، فظلت تساند الجيش في انقلاباته الغبيّة المتكررة، بل عدّتها "حركات تصحيحية" لابُد للبلد منها.
على أنّ سيطرة هذا الفكر "الوصولي" على ثقافتنا، جعلت من المألوف والمستساغ عندنا أن نرى نواباً وسياسيين يدافعون بالأمس القريب عن حاكم يصفونه بـ"المُنتخب"، ويُوقّعون باسمه اتفاقات دولية تجرّم الوصول إلى السلطة بالقوة، وبعد أشهر قليلة يتحالفون مع عسكريين متمردين للانقلاب على هذا "الحكم الديمقراطي المنتخب"، لأنه أصبح يكرّس الفساد، كما يقولون، والحقيقة أن هذا النظام الذي انقلبوا عليه يُعدُّ جزءاً مهماً من مشروع الفساد الشامل، الذي اشترك هؤلاء النواب مع الجيش والطبقة السياسية في إرساء بنائه، ليظل ممسكاً بالسلطة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
لكن أليس عيباً أننا نرى العالم يتطور من حولنا كل يوم، ونحن ما زلنا ننفق عُمر بلدنا بسخاء في مراحل انتقالية عبثية "سيزيفية" هدفها الأساس، تزوير إرادة الشعب، والكذب على العالم، وإعادة السلطة للعسكريين بصفة مقبولة، مباشرة أو غير مباشرة.. لكي تهنأ هذه السلطة بمرحلة جديدة "شرعية" لحكم البلد، وهي التي أوصلته إلى حالة الانهيار والتخلف اللتين يتخبط فيهما منذ ثلاثة عقود من سياسات الفساد والمحسوبية هي الحصاد العظيم والانجاز التاريخي لحكم الجيش...؟
أما آن لطبقتنا السياسية بعد عقود من المتاجرة بقضية "الديمقراطية" واستغلال نفوذها لتوريط البلد في صراعات هو في غنىً عنها، أن تبلغ الرشد وتعلن التوبة إلى الله قبل فوات الأوان، وتُغلّب مرة واحدة في عُمرها مصلحة الشعب، عن طريق اتفاقها على كلمة سواء تخرج البلد من نفق الصراع المظلم الذي حاصرته فيه ؟
ما الفائدة من حل الأزمة السياسية الحالية، طالما أن الفكر المُسيطر على نخبنا السياسية ومثقفينا هو نفسه الذي خلق هذه الأزمة وسابقاتها، وربما لن يتورّع في المستقبل عن انتهاج الطريق نفسه، فيدفعه تكالبه على السلطة، والطمع في تحقيق المكاسب المادية، الفردية منها والقبلية، إلى دعم انقلابات جديدة أو "مبادرات لحجب الثقة" أو انتخابات سابقة لأوانها".. والسبب كما هو واضح، انعدام التقييم العلمي والموضوعي لفكرنا السياسي وقراراته الآنية، إلى جانب عدم استفادته حتى الآن من تجارب الأمم السياسية التي تحيط به من كل جانب.
وأخيراً يبقى الأمل معقوداً على الغيورين على مستقبل هذا البلد من أبنائه المخلصين لكي يقوموا بواجبهم في إصلاح الفكر السياسي الذي يهيمن على طبقتنا السياسية، لأن عدم إصلاح هذا الفكر يهدد مستقبل البلد وساكنته.. بل ويجعل جميع المشاريع الديمقراطية والتنموية في مهب الر يح..
فهل ينتهز المصلحون والمخلصون منا الفرصة التاريخية التي يمرّ بها البلد، فيقوموا بالمهمة النبيلة المتمثلة في تقديم النصح العاجل والإسعاف لفكرنا السياسي وقادته قبل أن يفوت الأوان... أم أن لهم أولوياتهم الخاصة بهم .. فضلا عن قراءتهم للواقع التي ربما لا ترى في واقع البلد ومستقبله ما يدعو للقلق...؟!
• كاتب موريتاني مقيم بدمشق
في معمعان الاضطرابات السياسية التي تعيشها موريتانيا منذ مدة، يبدو الحديث لدى الكثيرين غريباً عن دور رئيسي للفكر السياسي في خلق الأزمة السياسية الحالية وسابقاتها. إذ إن عودة سريعة إلى تاريخ الحياة السياسية في هذا البلد تكفي لاستكشاف الواقع المتردي الذي بات فكر طبقتنا السياسية يتخبط فيه.
فالسمة الغالبة على هذا الفكر، منذ العقدين الماضيين، كادت أن تنحصر، باستثناء حالات نادرة، في التحالف المطلق مع الحاكم السياسي لهذا البلد، بغض النظر عن سلوكه وطريقة وصوله إلى الحكم؛ بل وانعدام الحياء في أحيان كثيرة من الجهر بهذا التحالف، من خلال إعلانه أمام العالم، إذ ترى بعضهم في مرحلة ما يدبّجون الخطب الرّنانة لامتداح حاكم البلد، مرة بأنه "الرئيس المنتخب"، ومرة بأنه "قائد التصحيح"، وربما مرة ثالثة بـ"قائد تصحيح التصحيح"، وهلم جرا.. كما أن أدعياء الشعر والأدب ظلوا جزءاً مهماً من هذه الطبقة، فهم بحق، حماة مشروعها، وراضعوا لبان فكرها بامتياز.
ولعلّ من خصائص فكرنا السياسي المهمة، التي أجزم أنه لا يشاركه فيها أي فكر سياسي في العالم، هي "التذبذب" و"التقلب"، و"السلطوية المطلقة"، ذلك أن إرضاء السلطة سبيلاً للحصول على امتيازاتها المادية، تُعدّ في عرف القوم من الأولويات التي لا يمكن التفريط فيها تحت أي ظرف، أما الدفاع عن المصلحة العامة للوطن، من خلال المطالبة بإنصاف المظلومين، وحماية مال الشعب، ومحاسبة سارقيه ومُبذّريه، فتلك من المفردات الغريبة، التي لا يعرف سياسيونا وبرلمانيونا لها وجوداً في قواميسهم، التي غلبت عليها مصطلحات "الولاء" و"النفاق" والوفاق"..!
ويبدو أن من أسباب تجذُّر هذه الثقافة في فكرنا السياسي، مُخلفات الفهم السيّء لـ"فقه الضرورات"، و "فقه المرحلة"، إذ استصحب سياسيونا ـ بعلم أو بدون علم ـ وجوب العمل بهذين الفقهين، سبيلاً إلى "تحمل أخفّ الضررين" في نظرهم، وهو "موالاة السلطة" درءاً لعقابها، وجلباً لرضاها، لكن الحقيقة أن هذا النهج أدى بهم إلى الهاوية، وارتكاب ما يمكن أن نسميه بـ"الجريمة الإنسانية" بحق شعبهم، إذ باتوا لا يتذكرونه إلا في مواسمهم الانتخابية "الكرنفالية" المتكررة.. أما فيما عدا ذلك فلا يهمهم ما عاناه وكابده نتيجة المحن المتتالية التي أردته فيه سياساتهم التي أقل ما يمكن أن نصفها به أنها "غبية" و"آنية" وتفتقد لأبسط مُقومات النضج والتفكير في المستقبل.
وهكذا، وبسبب سيطرة هذا الفكر "السلطوي" الأرعن، ظل البلد يعيش حالة مستمرة من عدم الاستقرار السياسي، الناتج بالدرجة الأولى عن تضارب المصالح بين أطراف السلطة الموزعة بين الجيش الذي ظل يغتصبها منذ انقلابه على الشرعية سنة 1978، وبين سدنة الطيف السياسي المساند له، والمستند في الأساس إلى ثقل شيوخ القبائل المتنفذين، الذين يرون أنهم الأقوى موقعاً بسبب أصوات أفراد قبائلهم وأتباعهم.. وهو ما أدى بالجملة إلى غرق البلاد في مسلسل متواصل من الانقلابات المتكررة والانتخابات العبثية التي لا تؤدي إلا إلى أسرع عودة لحكم قادة الجيش المتعطشين للسلطة، الرافضين للتفريط فيها، لأن عقليتهم تَعدُّها حقاً من حقوق الجيش التي يهدد مستقبله فقدها.
لكن بالرغم من كل هذه الصورة القاتمة، ظل الشعب دوماً ينتظر من ساسته أن يعودوا إلى رشدهم، فينصفوه في محنته، ويرجعوا قليلا عن مبدأ "الوفاق-النفاق" حتى يتمكنوا من ردع السلطة الحاكمة، وإجبارها على التمسك بالنهج السلمي، طريقاً وحيداً للوصول إلى السلطة، لكن طباع الطبقة السياسية غلبت عليها، فظلت تساند الجيش في انقلاباته الغبيّة المتكررة، بل عدّتها "حركات تصحيحية" لابُد للبلد منها.
على أنّ سيطرة هذا الفكر "الوصولي" على ثقافتنا، جعلت من المألوف والمستساغ عندنا أن نرى نواباً وسياسيين يدافعون بالأمس القريب عن حاكم يصفونه بـ"المُنتخب"، ويُوقّعون باسمه اتفاقات دولية تجرّم الوصول إلى السلطة بالقوة، وبعد أشهر قليلة يتحالفون مع عسكريين متمردين للانقلاب على هذا "الحكم الديمقراطي المنتخب"، لأنه أصبح يكرّس الفساد، كما يقولون، والحقيقة أن هذا النظام الذي انقلبوا عليه يُعدُّ جزءاً مهماً من مشروع الفساد الشامل، الذي اشترك هؤلاء النواب مع الجيش والطبقة السياسية في إرساء بنائه، ليظل ممسكاً بالسلطة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
لكن أليس عيباً أننا نرى العالم يتطور من حولنا كل يوم، ونحن ما زلنا ننفق عُمر بلدنا بسخاء في مراحل انتقالية عبثية "سيزيفية" هدفها الأساس، تزوير إرادة الشعب، والكذب على العالم، وإعادة السلطة للعسكريين بصفة مقبولة، مباشرة أو غير مباشرة.. لكي تهنأ هذه السلطة بمرحلة جديدة "شرعية" لحكم البلد، وهي التي أوصلته إلى حالة الانهيار والتخلف اللتين يتخبط فيهما منذ ثلاثة عقود من سياسات الفساد والمحسوبية هي الحصاد العظيم والانجاز التاريخي لحكم الجيش...؟
أما آن لطبقتنا السياسية بعد عقود من المتاجرة بقضية "الديمقراطية" واستغلال نفوذها لتوريط البلد في صراعات هو في غنىً عنها، أن تبلغ الرشد وتعلن التوبة إلى الله قبل فوات الأوان، وتُغلّب مرة واحدة في عُمرها مصلحة الشعب، عن طريق اتفاقها على كلمة سواء تخرج البلد من نفق الصراع المظلم الذي حاصرته فيه ؟
ما الفائدة من حل الأزمة السياسية الحالية، طالما أن الفكر المُسيطر على نخبنا السياسية ومثقفينا هو نفسه الذي خلق هذه الأزمة وسابقاتها، وربما لن يتورّع في المستقبل عن انتهاج الطريق نفسه، فيدفعه تكالبه على السلطة، والطمع في تحقيق المكاسب المادية، الفردية منها والقبلية، إلى دعم انقلابات جديدة أو "مبادرات لحجب الثقة" أو انتخابات سابقة لأوانها".. والسبب كما هو واضح، انعدام التقييم العلمي والموضوعي لفكرنا السياسي وقراراته الآنية، إلى جانب عدم استفادته حتى الآن من تجارب الأمم السياسية التي تحيط به من كل جانب.
وأخيراً يبقى الأمل معقوداً على الغيورين على مستقبل هذا البلد من أبنائه المخلصين لكي يقوموا بواجبهم في إصلاح الفكر السياسي الذي يهيمن على طبقتنا السياسية، لأن عدم إصلاح هذا الفكر يهدد مستقبل البلد وساكنته.. بل ويجعل جميع المشاريع الديمقراطية والتنموية في مهب الر يح..
فهل ينتهز المصلحون والمخلصون منا الفرصة التاريخية التي يمرّ بها البلد، فيقوموا بالمهمة النبيلة المتمثلة في تقديم النصح العاجل والإسعاف لفكرنا السياسي وقادته قبل أن يفوت الأوان... أم أن لهم أولوياتهم الخاصة بهم .. فضلا عن قراءتهم للواقع التي ربما لا ترى في واقع البلد ومستقبله ما يدعو للقلق...؟!
• كاتب موريتاني مقيم بدمشق







