تاريخ الإضافة : 27.05.2009 16:39

موريتانيا.. تشاؤم.. تفاؤل

محمدفال معاوية
Email: maawiya10@yahoo.com

تشهد الساحة السياسية الموريتانية، في الآونة الأخيرة، تطورات متلاحقة وخطيرة. ورغم تفاقم الأزمات وتنوعها، كما وكيفا، من البطالة وتدهور القدرة الشرائية للمواطن، إلى استشراء الفساد المالي والإداري، مرورا بالأزمة الأخلاقية والمعنوية الشاملة، يبقى الانسداد السياسي الخانق العنوان الأكبر والمحرك الحقيقي لمجمل ما يجري في البلد داخليا وخارجيا.
فالكل يدرك حجم الكارثة الوطنية التي أحالت موريتانيا \"ملكية سوقية\" رائدة في مجال النفاق السياسي وفن خداع الجماهير. والجميع يعلم أن الكم الهائل من العبارات الجذابة مثل \"من أجل موريتانيا\" و\"حركة التصحيح\" و\"تجذير الديمقراطية والتعددية\"، لا تعدو أن تكون واجهات تضفي، على نظام عسكري مستشري في الطبقة الحاكمة منذ أجيال، فاقد لأي شرعية، بريقا كاذبا ورونقا قبيحا.
ولن أحاول في مقالتي هذه تشريح الواقع السياسي الموريتاني أو تحليله أو نقده، ولن أكتفي أيضا بمجرد ابتسار ممكنات المستقبل، فقد كان ذلك كله من جهد الماضي، الذي يبقى على أهميته وضرورته دون استحقاقات اللحظة وهموم الوطن. إننا اليوم، كموريتانيين على أعتاب مفترق طرق متعدد الاتجاهات، تفرقنا إيديولوجيات مختلفة وتوحدنا مخاوف وآمال مشتركة. وليس أدل على توحدنا من سيل مبادرات السنة الجارية، التي تجمع، على اختلاف في المنطلقات والأهداف، على اعتبار النظام الحالي وعلى رأسه الجنرال محمد ولد عبد العزيز المسؤول الأول عن الأزمة الشاملة التي حلت بالبلاد منذ 9 أشهر، وأن لا حل لها إلا برحيله عن السلطة واعترافه بخطئه حتى ينقذ موريتانيا من منزلق أتون الحرب الأهلية أو التدخلات الخارجية التي لا تحمد عقابها، تمهيدا لمرحلة من الانتقال الديمقراطي تكون فضاء وطنيا لعملية إصلاح حقيقي و شامل. والسؤال الذي يطرح نفسه ضمن هذا الاعتبار.
هل أن رحيل النظام الحالي القائم حاليا في موريتانيا، وإعلان ولادة الدولة الديمقراطية ممكن في أفق 2009 أم أنه لا يعدو أن يكون سرابا تشرئب له أعناق شعب ليس له من مقومات السيادة والحكم إلا أضغاث أحلام؟ في محاولة للإجابة عن هذا السؤال، الذي يسكننا جميعا، أقول إنني متشائم ومتفائل في آن واحد.
متشائم لأن الظروف الوطنية والدولية لازالت، وأتمنى أن أكون مخطئا في تقديري، مؤاتية لاستمرار حكم العسكريين. فعلى الصعيد الوطني، ضربت كل المؤسسات الديمقراطية ودجنت لوبيات الضغط \"شيوخ القبائل ورجال الأعمال\" وعميت أبصار قطاعات واسعة من جماهير شعبنا المسكين بنزر وعود العسكريين.
أما على الصعيد الدولي- فلا أجد من نظام تربطه علاقات وطيدة مع دول المحور - إنه لمن الغباء حقا أن يتخلى سادة تلك الدول عن تلميذهم المدلل لفائدة ديمقراطية قد تجلب عليهم مصائب الأرض وكوارث السماء.
ولقائل أن يقول إن زمن عولمة القيم الديمقراطية لن يسمح بوجود نظام أثبتت كل المنظمات العالمية المختصة تورطه في انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان الأساسية، لأنه امتداد لنظام ولد الطايع الذي حكم البلاد (20 عاما) بحكم دكتاتوري عسكري في زي ديمقراطي، غير أنني أشكك كثيرا في سداد مثل هذه الرؤية، لسبب بسيط مفاده أن عديد المهازل الدستورية مرت قريبا أمام أعيننا (ديمقراطية ولد الطابع) فتجرعها الشعب الموريتاني، سما في دسم، وأنا اقول إن اللعبة أممية وأن الأزمة تتجاوز حدود الوطن.
متفائل، لأنني مؤمن بالله، ولأن إيماني هذا علمني بأنه ما ضاع حق وراءه طالب وأن صولة الباطل ساعة وصولة الحق إلى قيام الساعة. وبما أن النظام العسكري باطل.
متفائل، لأن الشعب الموريتاني ترسخت لديه قناعة حول طبيعة هذه الانتخابات ونتائجها التي في جوهرها عبارة عن مسرحيات هزلية معروفة النتائج قبل خوضها من قبل هذا الفصيل الذي يدّعي المعارضة أو ذا ك، رغم العمليات التجميلية التي لا تلفت النظر.ولكن الشيء الذي يستحق الذكر ويقتضي الوقوف أمامه هي ظاهرة عدم إيلاء الموريتانيين بسائر شرائحهم أية اهتمام بهذه الانتخابات.
متفائل، لأن جزءا مهما من النخبة الموريتانية قد استيقظ بعد سبات عميق وثاب إلى رشده (التكتل) فأدرك، بعد شهور عجاف من التملق والانتهازية العقيمة، أن عقله المستند إلى تقدير مصلحة البلاد حسب قوله قد حوله إلى مفعول به في عالم الفجور السياسي.
ولئن كان التحاق جل هؤلاء بخط الدفاع عن الديمقراطية (التكتل) محكوما باعتبارات سياسوية، في رأي كثير من المراقبين فإنه، ولمصلحة انتصار هذا الخط، ينبغي النظر إليه على أنه تطهير من آثام الماضي القريب وبراءة من دكتاتورية الجيش المستمرة منذ الاستقلال التي لا تقر لأحد فضلا.
وليس أمامنا، لفرض التغيير وتشييد صرح الدولة الديمقراطية، إلا مضاعفة الجهود وشحذ العزائم والهمم والتحول من المطالبة بالحقوق إلى ممارستها، وعدم التنازل عن أي جزء منها، وليكن خطاب المرحلة الرهنة، بالنسبة لكل القوى الوطنية الشريفة، هو خطاب التحريض والتحشيد والتجرئة، باستعمال كل الوسائل السلمية والديمقراطية، تمهيدا للعصيان المدني الشامل وانتفاضة الشعب العظيم.
وليعلم الجميع أن حكم العسكر أوهن من بيت العنكبوت، فلتكن الدولة الديمقراطية، دولة الحرية والكرامة والحداثة السياسية، حلم الجميع ولنعانق جميعا أحلامنا، فإن عشنا عشنا كراما وإن متنا متنا مبتسمين، ولنتسلح بسلاح الإيمان بالله.

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026