تاريخ الإضافة : 20.05.2009 09:13

الأستاذ محمد غلام يكتب للأخبار: أوقفوا هذا النزيف

لا أنكر أنني قد أتجاوز في حق الانقلابين إذا ما حسب القارئ الكريم أنني أحملهم مسؤولية ما سأكتب عنه من مآسي تجرعتها مع غيري في المستشفى الوطني؛ فعمرها طويل بطول عمر الدولة الموريتانية الراشدة زمنا لا إنجاز.ا قصة المأساة تمر يوميا بمواطنينا بدون أن تلفت انتباها، بل تعد معاملة كريمة تستحق التقدير.

وقبل الدخول في الموضوع أعترف بأن المسؤولية يتحملها الجميع. وأخص بالذكر المواطن العادي الذي دأب على سلوك مدمر يتلخص في الفوضي حيث لا يؤمن بقانون النظام، ويكفر بالموانع والمستحيلات، وهو ما يدفعه إلى استخدام الرشوة والوساطة لأتفه الأسباب. كما أن الإدارة تتحمل مسؤولية أكبر عند مالا تعطي العامل ما يسد خلته ويكفي حاجته، فيندفع ضعاف العقول والمروؤة إلى الغلول والارتشاء.

بدأت المأساة بأول من لقينا من الحراس عند بوابة الحالات المستعجلة، فرغم أنني كنت مرافقا لمريض يبدو عليه أثر الألم فقد منعني الشرطة من الدخول بحجة أنني محتال ولست مرافقا لذلك المريض. وبعد شجا ر وبيان مني بأن تأخري عن المريض كان لإيقاف السيارة سمح لنا أن ندلف إلى البوابة السوداء أجاركم الله مما وراءها من إهانة لكرامة الآدميين. أول ما يلقاك في الحالات المستعجلة هو الفوضي العارمة. خلق كثير يتماوج هائما قد أقبل كل واحد منه علي بلواه يحاول جاهدا الحصول على معاينة أو دواء لعلاته. يذكرك المشهد الرهيب بيوم القيامة فالناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن غياب العناية رهيب. حال المرضى وما يعانون ينسيك نفسك ومن معك. فهذا مكسور يصرخ من الألم وبعد أن تجرع الإهمال وفد إليه أخرق من الممرضين ليذيقه من الألم ما لم يذق. أمسك الفظ الغليظ برجل الضحية المكسور في الساق وبدأ يلويه كما لو كان حبلا يراد فتله، وبالغ الجريح في الصراخ واستمر الأخرق في الإيذاء وحوله أهل المريض يبكون. تدخلت وقلت يرحمك الله يا هذا رفقا بهذا المريض وأهله. نظر إلي نظرة المدرب العسكري قائلا: ماذا يعنيك؟ اذهب من هنا وإلا تركته وانصرفت إلى غيره. ثم استدار نحوا الأقارب وهم يبكون ألم ولدهم قائلا أعينوني فأعانوه بتثبيت أطراف ولدهم كالشاة يسلخها هذا المعتوه وكأنه أراد تخديرهم والقضاء على الإحساس عندهم بالمشاركة في الجريمة.

أومأ إلي أحد العارفين بشأن التمريض قائلا إن هذا الرجل ليس طبيبا ولا ممرض دولة، بل أحد الذين تسلقوا هذه المهنة فصار كما ترى يمارس كالطبيب المختص. آخر ما تلحظ هو الإحساس المرهف أو العناية بالمرضى أو التخفيف عن المكلومين. دخل مسن ومن حوله أهل يلهثون خلف والدهم الوقور. جيء بمن وضع الآلة علي قلبه وقياس الضغط في ذراعه وما هي إلا ثوان حيث عاجلهم بكل جلافة قائلا: "مات منذو زمان" وكأنه يحدثهم عن شاة تحلب لاعن أب حنون. ولك أن تتخيل الصدمة التي حلت بأهل الشيخ فلاذوا بالفرار كل يكابد وقع الصدمة وهول الفاجعة.

لا يمكن لأي مكابر أن ينكر بعض التحسن الذي طرأ على المستشفيات منذو الزيارات المتكررة التي قام بها الرئيس الشرعي سيدي ولد الشيخ عبد الله، إلا أن بعض الجوانب بقيت على حالها لم يتغير فيها شيء. من تلك الجوانب نظام الحراسات، وهذا النظام يذكرني بما قاله الأستاذ فهمي هويدي عن مصلحة ضباط الآمن في الوطن العربي في بقاء الإرهاب كبعبع يخوفون به ويبتزون ماليا وسياسيا. فكذلك أزعم أن نظام الحراسة في المستشفي الوطني خصوصا هو من هذا الباب، لا يماثله إلا كثرة المخبرين المنبثين في الأحياء الشعبية هذه الأيام. فالقوم قد وزعوا ساحات المستشفى إلي معاول ومستوطنات تنفرد كل مغتصبة منها بنظام ابتزاز محكم.

سألت أحد المرافقين لمريض -أسأل الله له العافية والشفاء العاجل- عن طريق كريمة لدخولي بشكل دائم كمرافق، فقال أمر سهل. يحتاج فقط إلى مهارة وحسن تصرف. قلت: وما ذاك يرحمك الله؟ قال: الرخصة هنا هي النقود تصرف عند كل بوابة بحسب الأهمية ويعاد تجديدها كل أربع وعشرين ساعة إذا لم تتغير القوائم في أقل من ذلك. ففي المرة الأولى تملأ جيبك من جميع فئات النقود الورقية فتعطي لشرطة الباب 500 ولصاحب العناية المركزة 1000 أوقية وتوزع على بعض الحراس المتجولين 200 وتعطي صاحب البوابة الغربية للعناية المركزة 400 حتى إذا وصلت إلى المبنى الرئيسي أحسن التصرف في ما تبقى فحراس هذه المناطق أشد وأغلظ فأعط كل واحد منهم ألفا وكن مستعدا للبقاء فترة وللإيذاء فترة فالقوم يتحكمون في راحة مريضك كما تتحكم المحكمة العليا في الوزير الأول وصحبه فتفرض عليهم الإتاوات الغلاظ. رافقت المريض من مبنى المستعجلات إلي غرف الحجز فكان العامل يقطع الطريق المشمس الطويل يجر السرير بدون رفق كأنه مهرب يقود رباعية الدفع لا تعنيه الحفر التي يسقط فيها، المهم أن يصل إلى مثواه الأخير، أو كالجنرال يقصد يوم السادس من يونيو لا يهمه ما سيتعرض له الشعب من مآسي وهزات أثناء الطريق.

باختصار ليست مشكلة نازلة المستشفى الفواتير الغالية الثمن مقدمة الدفع بل ما تتعرض له من إذلال وابتزاز يشعر معه المواطن بغلبة الرشوة وقهر الأوباش الذين مردوا على مص آلام المرضى. من يدخل إلى حظيرتهم يحس كأن الشرطة "قطع" من الطمع، أما عموم الحراس فهم مغارات يرمي فيها المرضى أوجاعهم وما يملكون فتنسيهم ما جاءوا من أجله فيصرخون داعين بتبتل ربنا أخرجنا... إلخ.

هذه مشاهد عشتها من ما يسمى المستشفى الوطني مع ذلك لا أنكر بأن في الظلمة ثقوبا تشع منها خيوط الأمل وهم الأطباء المضحون الذين ضاعفوا المقاييس الدولية في عدد من يداوون من مرضى رغم قلة الوسائل المعينة على المهمة الشاقة، وإن كنت أرجوهم الأخذ على يد بعض الممرضين: شارات واضحة على الصدور تبين من يحق له كتابة أنواع حرجة من الأدوية، وإقامة دورة ولو واحدة في العمر لمعاونيهم عنوانها الرفق بالحيوان.

إنني أكتب هذه الملاحظات لعل أن يكون في إدارة قطاع الصحة من ينتصر للضعاف المحتاجين بوضع حد لتصرفات عصابات البغي وعلي رأسها الشرط والحراس وخلق من الممرضين.

الجاليات

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026