تاريخ الإضافة : 11.05.2009 09:06

يا له من مُصاب جلل!

الدكتور/ أحمد ولد السعد  جدة السعودية

الدكتور/ أحمد ولد السعد جدة السعودية

في القرون المتأخرة، اشتهرت بلاد شنقيط، أو موريتانيا، بتراثها الثقافي الذي تجلى من خلال عطاء وتألق محاضرها أو تلك الجامعات الأهلية المتخصصة في معارف اللغة العربية والفقه وعلوم العقائد والمنطق. وكان من بين رجالات هذه المحاضر أعلام شمخت هاماتهم في علياء المجد حتى غدا ذكرهم رديفاً لمعاني الضبط وقيم الحفظ وقدرات الاستظهار وقوة الحفظ والاستذكار، وأصبحوا منارات مضيئة في سماء المعرفة والعلم.
ولئن اعتدنا على أن يستأثر من انتقل إلى جوار ربه تعالى بسرد الحديث في محاسنه واستحضار مناقبه ومزاياه، فإنه من النادر أن نستشعر عظمة الرجل وحقيقة تأثيره وهو ما يزال بيننا، ومن الأندر ألاّ تختلف أحاديث الإعجاب عن أحدهم خلال حياته وبعد مماته. تلكم كانت حالة الظاهرة المرابط محمد سالم بن عبد الودود رحمه الله برحمته الواسعة وصب على ثرى تربته الطاهرة بشهلات شآبيب المغفرة والرحمة والرضوان.
ظل المغفور له بإذن الله تعالى، العلامة محمد سالم، بما آتاه الله من سعة الاطلاع وكرم الأخلاق ومحمود الشيم، حديث المجالس المختلفة وهو حي بين ظهرانينا يتحدث الجميع عن مآثره وخصاله، كلٌ بحسب ميولاته ومثار إعجابه بهذا الرجل الظاهرة. فالجميع انبهر بذاكرة الشيخ التي احتوت معاجم اللغة بمختلِف تفريعاتها الاستشهادية وأنظام الفقه ومتونه بتعدد شروحها وحواشيها، والجميع تملكه الإعجاب بحافظة المرابط الذي كان يحل بالمجالس فيربط علاقات القربى بين الحاضرين من مختلِف القبائل عصبة وأرحاماً. والشعراء وهم يدبّجون ما تجود به قرائحهم يحنون الجباه لعبقرية شاعر الفقهاء وفقيه الشعراء. والجمهور ظل متعطشاً دوماً إلى طلعة الشيخ الوقور عبر شاشات التلفزيون يشاهد ويستمع إلى أحاديثه التي لا يملّها المتابع.
كان العلامة محمد سالم ولد عبد الودود تاجاً على رؤوس قمم معارف الشرع وعلوم اللغة العربية مُجلِياً لأسرارها وذخائرها، وعنواناً بارزاً للشغف بجميل المعاني واستكناه ما اعتاص من خفي كنوزها ودررها، فمثّل بذلك ظاهرة جمعت كريم الأخلاق في أحسن صورها مع باهر القدرة المعرفية في أبهى تجلياتها. فظلل عطاؤه عموم المغرب العربي ودول غرب إفريقيا، وامتد ألَقه إلى المشرق، بل عم إشعاعه مناطق مختلفة من أنحاء الأمة الإسلامية بشهرته في نشر علوم الدين ومعارف اللغة العربية.
وحتى لا أغرق في استقصاء ما لا يمكن حصره وعده، يستذكر الجميع ملَكة الشيخ في الاستطراد، حيث لا يحدّه موضوع عن موضوع مهما دقت العلاقة بينهما، فتجده يدارس علوم الشرع عن فقه، ويشرح أدب اللغة عن علم، ويعالج بيانها عن طبع.
وإلى جانب ما حباه الله به من معرفة واسعة واستقصاء عميق لدقائق علوم الشرع واللغة وضبط لمداركها، كان لما طُبع عليه، جبلّةً، من كرم نفس ودماثة أخلاق أثره في نفوس كل من رأوه أو التقوه أو عرفوه، فكان وجهه الصبوح الباسم أبداً ظلاً يفيء طلبة العلم ومريدوه إلى كنفه وحماه يستشعرون معه اطمئناناً في نفوسهم وثقة بما يصدر عن قلب يملؤه الخوف من الله الخالق والتلطف بعباده المخلوقين. ويخال المرء أن إغماض الشيخ لعينيه ما هو إلاّ فتح لبصيرة قلبه على كنوز المعارف يستخرجها ويستجليها مهما كانت دقيقة المهيع أو عميقة المنـزع.
وفي حاضرة أم القرى، حيث تجلى عطاء الشيخ الثر، سطرت الثقافة الإسلامية العريقة أنصع صفحاتها في نشر مكنونات المعرفة اللغوية والعلم الشرعي. وبحضرة الشيخ الوقور، كان لندى علوم اللغة ونفح معارف الشرع أريج فوّاح، فكنت ترى الانبهار بالشيخ يكتسح قلوب الناس ووجدانهم باختلاف جنسياتهم وألوانهم، فاستحق بذلك هذا المنار العلمي السامق، الذي يفد إليه الوافدون من كل أقطار المعمورة، أن يكون لؤلؤة في جيد العصر وبسمة على شفاه الزمن.
وحيثما يمم الشيخ أو حل وارتحل كان ينشر عطاءه المعرفي مما انطوى عليه صدره الواسع من مكنونات العلم وشوارد المعرفة. وإذا كُتِب لك اللقاء بهذا العلاّمة الفهّامة، فاعلم أن قد قيّض الله لك فرصة كان يجب عليك اغتنامها للنهل من معين علمه الغزير والاستفادة من فهمه الثاقب في إزالة الغبش في بعض الدقائق التي تجده يستمتع باستجلاء مكنوناتها ويمتع الحاضرين والسامعين باستيضاحها في ربط علمي آسر وبيان لغوي ساحر.
حُقّ لمحاضر شنقيط أن تفخر بأمثال العلاّمة عدّود، والعزاء كل العزاء لطلبة العلم، فمصابهم عظيم جلَل، والذين يعرفون هذا الرجل الفذ ليس بوسعهم أن يتخيلوا حجم الفراغ الناشئ عن غيابه! لكن مما يعزي النفس يقيننا أن سيستمر العطاء بإذن الله من ظلال دوحة أم القرى الوارفة.

الرياضة

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026