تاريخ الإضافة : 10.05.2009 11:15
بالأمس عدود واليوم بداه رحمهما الله
في هذه الأيام كتب علينا أن يرحل علماؤنا . بالأمس وارينا الثرى عبقري شنقيط محمد سالم ولد عدود عليه من الله وابل صيب من الرحمات ، واليوِم إمام الأئمة ، وبقية السلف الصالح بداه نوّر الله ضريحه ، وأسكنه فسيح جناته .
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر
فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
كان عدود رحمه الله يقول : إن عاصمة نواكشوط لا تدب فيها الحياة دون شيئين اثنين هما سر قوامها :
أولا : بداه . ثانيا: ماء ((إديني)) .
ولكوني أعيش خارج البلاد منذ فترة ، فلم أحظى بلقاء بداه كثيرا، ولكنــه كان ملء السمع والبصر ، ومبعـــث الفخـــر و الاعتزاز لشنقيط ومصدر الإلهام لكل الدعاة .
وكنت كلما عدت إلى العاصمة ، أجدني أبحث عن وقت من الأوقات أصلي خلفه ، وكان مهم عندي يوم ذاك أن أصلي في جمع هو إمامه أو على الأقل هو فيه ، لأن أئمتنا شفعاؤنا ، والصلاة ترفع على أتقى قلب رجل في الجماعة ، وكما قال لي شيخي / محمد سالم رحمه الله ذات مرة : إن أهمية الجماعة تكمن في أن الجمع الكبير مظنة أن يوجد فيه رجل صالح ترفع عليه الصلاة ، وكان اعتقادي أن بداه من هؤلاء الذين ترفع عليهم صلاة المصلين معه .
وفي الثمانينات من القرن الماضي كنت أقرأ وصية الرجل الصالح والعالم المتبحر محمذن فال ولد منالي رحمه الله ، وكنت قد نسختها بيدي قبل أجهزة التصوير الحديثة ، فتوقفت عند قوله : عليكم بزيارة الصالحين أحياء وأمواتا فكان من أقرب من توسمت فيه الصلاح يوم ذاك الإمام بداه ، وكان في تلك الفترة على طريق الأمل مع حاضرة أهل كرار،وهم من عشيرتي الأقربين ،يستنشق الهواء بعيدا عن ضوضاء المدينة ، كانت زيارتي له في أحدى العشيات واستمتعت واستفدت كثيرا من لقاءه ذاك.
ولا يمكن أن تمر قولة (( عدود )) رحمه الله فيه دون أن نتأمل في مدلولها فمن ثمارها أنه من الشيوخ الذين يدفع الله بهم البلاء عن البلد كما فهمت ، فكنت كلما وقفت في زيارة عابرة لشاطئ المحيط الهادر وأنا أرى الأمواج تتلاطم كنت أخشى أن يبلتع هذا البحر نواكشوط بأكملها وأقول: سبحان من ألجم البحر؟ ولكني أقول : مدينة إمامها بداه لا يمكن أن تغرق لأنه يصــدع بالحق ، ويأمر بالمعروف وينهـــى عن المنكرات ، وكان يسمعنا صوتا مجلجلا قويا حتى لا تقام علينا الحجة جميعا .
كان كلما يقع في قاع المدينة من منكرات يجد سبيله إليه فيعظ الناس بخطبة بليغة تأخذ الألباب .
وهكذا كان صمام أمان بالنسبة لنا لولا شيوخ ركع وهو منهم .
وكان الخيرون من أبناء هذا البلد من دعاة ومصلحين عندما يتألمون وينزعجون من المخالفات والمنكرات يجدون الملاذ لتوصيل رسالتهم من خلال منبره الأسبوعي أو من خلال ذهابه إلى أولي الأمر ناصحا أو واعظا .
وبالإضافة إلى دوره الريادي في القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن محظرته قد مثلت مدرسة فكرية مستقلة أحدثت ثورة قوية عندما أظهر آراءه بقوة في وقت لم يكن المجتمع ليستسيغ الخروج عن المألوف في المنهج المتعارف عليه في الفقه والعقائد .
وفي المرات القليلة التي تمكنت فيها من حضور دروسه بين العشائين ، تصادف أن حضرت تفسير قوله تعالى:) إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلواة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (
وكان في مسجده (( بلكصر )) محاطا بجمع من أهل المال يداعبهم ويسمي أحدهم بعينه ويقول له : أنفق مما أتاك الله سرا ، وأنفق منه أيضا علنا .
وفي إحدى السنوات في مدينة الحجاج القديمة في جدة قدمت مع مجموعة من الحجاج بعد منتصف الليل ينتظرون السفر لنجد الحجاج يغطون في نوم عميق وقد أنهكهم التعب لا تحس منهم من أحد ، ولا تسمع لهم ركزا.
ووسط هذا الجمع الكبير لمحت رجلا وقورا وقد انتصب واقفا يصلي فإذا هو بداه ...وهذا هو دأب الصالحين يتعرضون لنفحات ربهم ، ويترصدون وقت النزول الإلهي.
وفي إحدى حجاته لقيته وحدث أن رمى بعد منتصف الليل ليلة العيد وذلك هو مذهب الحنابلة ، وكان مرافقه يصر على الانتظار حتى طلوع الفجر لأن ذلك هو الوقت المختار عند المالكية لرمي جمرة العقبة فأنتظر صاحبه وهو يقول له : (أحمد ابن حنبل الشيباني شيباني من أهل السنة )
لم يكن بداه كما هو معروف عنه متعصبا كان من رواد إحياء فقه الدليل في بلاد موريتانيا المعاصرة ، ومع ذلك كان يدرس كل النصوص الفقهية المعتمدة في المحظرة الموريتانية وكان يلتمس المخرج الحسن لكل الفقهاء ، ويبحث عن الأدلة ، ويسعى إلى إحياء السنة وإماتة البدعة ، ويرسل كلمة الحق مجلجلة مدوية من خلال منبره الأسبوعي أو من خلال دروسه ولقاءاته.
وأنا أختم هذه العجالة ، أشعر بقلبي يخفق وفرائصي ترتعد لما يخبئه المستقبل لبلادنا بعد رحيل علماءها الكبار سدنة العلم ،وحراس الفضيلة.
إن عدود ، وبداه رحمهما الله يمثلان جبلين كانا يكتنفان البلد كله ويقفان سدا منيعا في وجه التغريب واختراق المجتمع بما يتناقض مع ثوابته العقدية وقيمه ومثله الأخلاقية .
أما وقد رحلا ؟ ما العمل ؟
كيف نستنسخ رجالا أمثالهما ؟
فالله يتولانا ، ويقينا عواقب ما قضى فنحن نؤمن بالقدر خيره وشره ، حلوه ومره ، ولا نقول إلا ما يرضى الله .
ولا تنسوا أن ترددوا معي بحضور قلب ابتهال جدتي مريم بنت أحمد بزيد رحمها الله:
علينا من الرحمن سور مدور
وسور من الجبار ليس يصور
وسور من السبع المثاني وراءه
ويا حي يا قيوم والله أكبر.
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر
فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
كان عدود رحمه الله يقول : إن عاصمة نواكشوط لا تدب فيها الحياة دون شيئين اثنين هما سر قوامها :
أولا : بداه . ثانيا: ماء ((إديني)) .
ولكوني أعيش خارج البلاد منذ فترة ، فلم أحظى بلقاء بداه كثيرا، ولكنــه كان ملء السمع والبصر ، ومبعـــث الفخـــر و الاعتزاز لشنقيط ومصدر الإلهام لكل الدعاة .
وكنت كلما عدت إلى العاصمة ، أجدني أبحث عن وقت من الأوقات أصلي خلفه ، وكان مهم عندي يوم ذاك أن أصلي في جمع هو إمامه أو على الأقل هو فيه ، لأن أئمتنا شفعاؤنا ، والصلاة ترفع على أتقى قلب رجل في الجماعة ، وكما قال لي شيخي / محمد سالم رحمه الله ذات مرة : إن أهمية الجماعة تكمن في أن الجمع الكبير مظنة أن يوجد فيه رجل صالح ترفع عليه الصلاة ، وكان اعتقادي أن بداه من هؤلاء الذين ترفع عليهم صلاة المصلين معه .
وفي الثمانينات من القرن الماضي كنت أقرأ وصية الرجل الصالح والعالم المتبحر محمذن فال ولد منالي رحمه الله ، وكنت قد نسختها بيدي قبل أجهزة التصوير الحديثة ، فتوقفت عند قوله : عليكم بزيارة الصالحين أحياء وأمواتا فكان من أقرب من توسمت فيه الصلاح يوم ذاك الإمام بداه ، وكان في تلك الفترة على طريق الأمل مع حاضرة أهل كرار،وهم من عشيرتي الأقربين ،يستنشق الهواء بعيدا عن ضوضاء المدينة ، كانت زيارتي له في أحدى العشيات واستمتعت واستفدت كثيرا من لقاءه ذاك.
ولا يمكن أن تمر قولة (( عدود )) رحمه الله فيه دون أن نتأمل في مدلولها فمن ثمارها أنه من الشيوخ الذين يدفع الله بهم البلاء عن البلد كما فهمت ، فكنت كلما وقفت في زيارة عابرة لشاطئ المحيط الهادر وأنا أرى الأمواج تتلاطم كنت أخشى أن يبلتع هذا البحر نواكشوط بأكملها وأقول: سبحان من ألجم البحر؟ ولكني أقول : مدينة إمامها بداه لا يمكن أن تغرق لأنه يصــدع بالحق ، ويأمر بالمعروف وينهـــى عن المنكرات ، وكان يسمعنا صوتا مجلجلا قويا حتى لا تقام علينا الحجة جميعا .
كان كلما يقع في قاع المدينة من منكرات يجد سبيله إليه فيعظ الناس بخطبة بليغة تأخذ الألباب .
وهكذا كان صمام أمان بالنسبة لنا لولا شيوخ ركع وهو منهم .
وكان الخيرون من أبناء هذا البلد من دعاة ومصلحين عندما يتألمون وينزعجون من المخالفات والمنكرات يجدون الملاذ لتوصيل رسالتهم من خلال منبره الأسبوعي أو من خلال ذهابه إلى أولي الأمر ناصحا أو واعظا .
وبالإضافة إلى دوره الريادي في القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن محظرته قد مثلت مدرسة فكرية مستقلة أحدثت ثورة قوية عندما أظهر آراءه بقوة في وقت لم يكن المجتمع ليستسيغ الخروج عن المألوف في المنهج المتعارف عليه في الفقه والعقائد .
وفي المرات القليلة التي تمكنت فيها من حضور دروسه بين العشائين ، تصادف أن حضرت تفسير قوله تعالى:) إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلواة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (
وكان في مسجده (( بلكصر )) محاطا بجمع من أهل المال يداعبهم ويسمي أحدهم بعينه ويقول له : أنفق مما أتاك الله سرا ، وأنفق منه أيضا علنا .
وفي إحدى السنوات في مدينة الحجاج القديمة في جدة قدمت مع مجموعة من الحجاج بعد منتصف الليل ينتظرون السفر لنجد الحجاج يغطون في نوم عميق وقد أنهكهم التعب لا تحس منهم من أحد ، ولا تسمع لهم ركزا.
ووسط هذا الجمع الكبير لمحت رجلا وقورا وقد انتصب واقفا يصلي فإذا هو بداه ...وهذا هو دأب الصالحين يتعرضون لنفحات ربهم ، ويترصدون وقت النزول الإلهي.
وفي إحدى حجاته لقيته وحدث أن رمى بعد منتصف الليل ليلة العيد وذلك هو مذهب الحنابلة ، وكان مرافقه يصر على الانتظار حتى طلوع الفجر لأن ذلك هو الوقت المختار عند المالكية لرمي جمرة العقبة فأنتظر صاحبه وهو يقول له : (أحمد ابن حنبل الشيباني شيباني من أهل السنة )
لم يكن بداه كما هو معروف عنه متعصبا كان من رواد إحياء فقه الدليل في بلاد موريتانيا المعاصرة ، ومع ذلك كان يدرس كل النصوص الفقهية المعتمدة في المحظرة الموريتانية وكان يلتمس المخرج الحسن لكل الفقهاء ، ويبحث عن الأدلة ، ويسعى إلى إحياء السنة وإماتة البدعة ، ويرسل كلمة الحق مجلجلة مدوية من خلال منبره الأسبوعي أو من خلال دروسه ولقاءاته.
وأنا أختم هذه العجالة ، أشعر بقلبي يخفق وفرائصي ترتعد لما يخبئه المستقبل لبلادنا بعد رحيل علماءها الكبار سدنة العلم ،وحراس الفضيلة.
إن عدود ، وبداه رحمهما الله يمثلان جبلين كانا يكتنفان البلد كله ويقفان سدا منيعا في وجه التغريب واختراق المجتمع بما يتناقض مع ثوابته العقدية وقيمه ومثله الأخلاقية .
أما وقد رحلا ؟ ما العمل ؟
كيف نستنسخ رجالا أمثالهما ؟
فالله يتولانا ، ويقينا عواقب ما قضى فنحن نؤمن بالقدر خيره وشره ، حلوه ومره ، ولا نقول إلا ما يرضى الله .
ولا تنسوا أن ترددوا معي بحضور قلب ابتهال جدتي مريم بنت أحمد بزيد رحمها الله:
علينا من الرحمن سور مدور
وسور من الجبار ليس يصور
وسور من السبع المثاني وراءه
ويا حي يا قيوم والله أكبر.







