تاريخ الإضافة : 05.05.2009 13:14

صبرا.... صبرا .... آل أم القرى الكرام

منذ كنت طفلا في المهد وأنا اقرأ حديث أنس رضي الله عنه في خبر وفاة رسول الله صلي الله عليه وسلم وأستغرب - في نفسي – قول فاطمة رضي الله عنها للصحابة بعد دفن الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم :\"أطابت أنفسكم أن تحثوا علي رسول الله صلي الله عليه وسلم التراب....

بيد أنني اليوم وجدت نفسي – وقد ترامي لمسامعي خبر وفاة الحبر العالم العارف العامل ركن الدين الشيخ محمد سالم ولد عبد الودود – أكرر نفس الكلمات ، وأقول في نفسي لأهل أم القرى الكرام: أطابت أنفسكم يا أهل أم القرى أن تحثوا علي \"الناه\" التراب.... أطابت أنفسكم أن تحثوا علي \"الناهي\" التراب.

ثم طفقت اردد مع أوس بن حجر قوله
أيّتها النّفس أجملي جزعا...إنّ الّذي تحذرين قد وقعا

وتذكرت أن الشيخ عدود:

إن مات مات الجود وانقطع النّدى ... من النّاس إلاّ من قليلٍ مصرّد

وردّت أكفّ السّائلين وأمسكوا ... من الدّين والدّنيا بخلفٍ مجدّد

وليس في الأمر – معاذ الله – أي نوع من أنواع عدم التسليم بما قدر الله وقضي ولكنها المشاعر والعواطف تغلب المرء في اللحظات العصيبة كلحظة رحيل الشيخ وانتقاله الي الرفيق الاعلي – مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا – إن شاء الله تعالي ، ورغم أن القلب يحزن والعين تدمع فانا لا نقول إلا ما يرضي الله ، بل وأنا ادرك أن الأمر كما قال الوليد بن عبد الملك حين صعد منبر المسجد الجامع بدمشق يوم وفاة أبيه فقال : \" لم أري مثلها مصيبة ، ولا مثلها نعمة فقد الخليفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، على عظم المصيبة. والحمد لله رب العالمين، على عظيم النعمة\" وأدرك والله أنه خير من \"الناه\" أجره بعده، والله خير منا ل\"الناه\"، وهو اليوم يؤوي الي ركن شديد ، يؤوي الي رحمة الله - وكفي – بين ظهراني \"محمد عالي \" و \" النجاح \" و \"حي\" و \"التاه\" و \"وحنود\" وكل اهله الكرام في ربوع \"اكماط\" تغمدهم الله بر حمته وأسكنهم فسيح جناته فهم الذين:

ساق إليهم ربنا غيث أرضه عماد المعالي ذ اليمينين بالندي

أجل لقد ترجل الفارس ووضع العمامة التي طالما أظلته وميزته لتكون له – اليوم – رداء وكفنا وغطاء ، ومهما طرز الشعراء والمغنون وابدع الكتاب والمثقفون والسياسيون في وصف الراحل والثناء عليه فلن يفوه شطر حقه فقد كان
:
فَتًى كَمُلَتْ خيْراتُهُ غَيْرَ أَنَّهُ ... جَوَادٌ فما يُبْقِى منَ المال باقِيا

فَتًى تَمَّ فيه ما يَسُرُّ صَدِيقَهُ ... على أَنَّ فيه ما يَسُوءُ الأَعادِيَا

يُدِرُّ العُروقَ بالسَّنَانِ ويَشْترِى ... منَ المَجْدِ ما يَبقَى وإِنْ كان غالِيَا

بل قل عنه إنه كان بحق رجلا من السلف \"أدخره\" الله لهذ القرن ليعيش بين ظهراني أبناء هذه الأمة يجدد لها دينها ويقوم لسانها ويبين أنسابها وتاريخها ويبسط لها في أحكام شرعها ، ولو لا أن اللغة العربية حوت كلمات القرآن لقلت في نفسي إن حروفها أقل من أن تفي الرجل حقه في المدح والثناء ، لكأن ما عناه حسان بن ثابت رضي الله حين قال:

أغرّ كضوء البدر من آل هاشمٍ ... أبيٌّ إذا سيم الظّلامة يجسر

فصار مع المستشهدين ثوابه ... جنانٌ وملتفّ الحدائق أخضر

لقد كان الشيخ بحق \" رجلا\" والرجل كثير..... فكان عالما محدثا يعتني بكتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم ويقدمهما علي ما سواهما ، وكان فقيها بارعا وكان قاضيا كأحسن ما يكون القضاء وكان محدثا لبقا لا يمل حديثه دون أن يفقده ذالك وقار الشيخ وهيبة القاضي وجلال العالم وكان نسابة يحدث العرب والعجم عن أنسابهم وتاريخ مدنهم ووقائعهم ، ولكل أن يحدث عن بعض من صفات الشيخ بما شاء فهي أكثر من أن تحويها قصيدة أو مقال غير أن صفتين من تلك الصفات شدتني وحيرتني في أمر الشيخ أكثر من أي صفة أخري ألا وهما : الزهد في الدنيا والقوة في الحق ، أما الزهد في الدنيا فهو ديدن الشيخ وصفته البارزة الي يعرفها كل قريب منه أو بعيد كأنما عناه عيسي بن يونس في ما يرويه عن بشر بن الحارث حين قال:

\"زاهد في دنياه بصير بزمانه وفساد أهله، فهو يحذرهم على دينه، مقبل على شأنه، مهموم بإصلاح ما فسد من أمره، حافظ للسانه مميز لكلامه. إن تكلم: تكلم بعلم، إذا رأى الكلام صواباً. وإذا سكت: سكت بعلم إذا كان السكوت صواباً، قليل الخوض فيما لا يعنيه، يخاف من لسانه أشد مما يخاف من عدوه. قليل الضحك مما يضحك منه الناس لسوء عاقبة الضحك إن مر بشيء مما يوافق الحق تبسم.

أو كأنما عناه معاوية ابن أبي سفيان حين ما قال يصف عبد الله بن عمر في وصيته الشهيرة لابنه يزيد :\"فأما عبد الله فرجل قد وقذته العبادة وتخلى من الدنيا وشغل نفسه بالقرآن\".
ومسكن الشيخ ومركبه ينبئانك نبأ ذلك اليقين، وقد كان يكره أن ينادي بالعلامة بل وكل الألقاب ويحب أن ينادي بالمرابط أو الشيخ وخصوصا في فترة عمره الأخيرة حينما وهن العظم واشتعل الرأس شيبا ، وسيكتب التاريخ للشيخ أنه مر بعشرات المناصب والمراكز من التدريس إلي القضاء إلي الوزارة واعتلي مئات المنابر في الداخل والخارج وكان عضوا في عشرات المجامع والمنظمات والهيئات ليخرج من كل ذلك وهو لا يملك غرفة -أحري منزلا- في مدينة نواكشوط ، وحسبه منزل متواضع في أم القرى العامرة يتقاسمه مع طلبة العلم والضيوف والغرباء يتخذ منه مكتبا ومسكنا ومعتكفا.... وللشيخ قصص لا تعد ولا تعص في احتقاره الدنيا الفانية – تطبيقا لا تنظيرا- أذكر أنني مرة كنت معه بأحد الفنادق بمدينة ابوظبي بالإمارات العربية المتحدة وقد جاء ضيفا علي الشيخ زايد رحمه الله ضمن وفود العلماء التي كانت تفد إليه في رمضان من كل الدول الإسلامية وكنا في مستهل العشر الأواخر من رمضان والشيخ انهي للتو آخر المحاضرات المبرمجة ويستعد للسفر بعد ساعات فإذا بأحد العلماء المشاركين يخبره -والسرور باد علي محياه- أن الوفود المشاركة ستقابل الشيخ زايد في الغد وان عليه أن يغير حجزه ويتأخر للغد إن شاء – ولم يكن بالطبع خافيا ما يصاحب ذلك اللقاء من إكرام مادي للعلماء – وفوجئت كما الجميع معي في الغرفة!.

-وكنا في حدود العشرة - أن الشيخ لم يغير من برنامجه وانه ماض في ترتيب أوراقه للسفر، وحينما ألح عليه بعض الحضور لتغيير الحجز وانتظار الغد لم يزد أن تبسم في وقار وهو يقول : \" ليس ذاك الذي جاء بنا .... طلاب المحظرة أولي بالوقت."
.
أما القوة في الحق فهي أمر لا يخطئه عارف الشيخ ولا – حتى – جليسه من أول لقاء وليس بإمكان أيا كان في مجلس الشيخ أن يغتاب أو يلمز ،ووقوف الشيخ جبلا صامدا في موضوع المصافحة ورده لأمرها وهو الوزير والسفير المتجول في كل أصقاع العالم شرقه وغربه بل وهو الذي عرف السفر مبكرا لبلدان لا تفرق في المصافحة بين الرجل والمرأة لكنه أبي إلا أن يغادر هذا العالم وهو ولم يصافح قط أو تمس يده يد امرأة لا تحل له ، أما صرامته في تنفيذ الأحكام وقوته في ذلك يوم كان في المحكمة قاضيا ورئيسا فسل عنها جدران المحكمة العالية تخبرك الخبر اليقين..... ونفس الشيء حينما كان في الوزارة ، وقد حدثني فضيلة القاضي أحمد شيخنا ولد أمات حفظه الله أنه كان وكيلا للجمهورية في مطلع العام 1988م وتحصلت لديه معلومات تفيد بتنظيم بعض المنظمات الأجنبية والموريتانية لنشاط \" مشبوه\" يقصد منه اختيار \"ملكة جمال\" ومآرب أخري وذلك بمقاطعة تفرغ زينه بانوا كشوط وكان الشيخ \"عدود\" رحمه الله يومها وزيرا للثقافة والتوجيه الإسلامي وزيرا للعدل بالإنابة – يقول القاضي فحملت إليه بعض أوراق الدعاية المتعلقة بالحفل استطعت الحصول عليها بطرقي الخاصة ، وكان ذلك ظهر الخميس – أي ساعات قبل موعد انطلاق الحفل – المقرر مساء نفس الخميس – يقول القاضي ولم يزد الشيخ بعد أن حدثته في الأمر أن تناول القلم وكتب علي الورقة بخط واصح :\" السيد المدعي العام إجراء اللازم فورا لتوقيف الحفل والحيلولة دون قيامه\" ويحدث القاضي أن الشيخ حدثه أن الأمر أثار في اجتماع مجلس الوزراء الأربعاء الموالي ضجة كبري واغضب العديد من الوزراء لكن الشيخ كان همه الأول والأخير مرضاة الله وخوفه الأول والأخير –كذلك- من غضب الله وحده ....فرحمك الله يا \" عدود \" ما أحوجنا لمثلك اليوم.

....أخيرا ،عزاءنا أن الشيخ ترك من هديه ودله وكتبه ومؤلفاته ما ينير للسالكين دربهم وطريقهم وقبل ذلك كله ترك أهل أم القرى الكرام سواء من كان منهم اليوم في أم القرى أو \"حولها\" فهم أهل الشيخ وبنوه ووارثو علمه ومجده التليد المخلدى كأنما عناهم حسان بن ثابت رضي الله عنه حين قال:

وما زال في الإسلام من آل هاشمٍ ... دعائم عزٍّ لا ترام ومفخر

وهم جبل الإسلام والنّاس حولهم ... رضامٌ إلى طودٍ يروق ويقهر

بهم تفرح اللأواء في كلّ معركٍ ... عماسٍ إذا ما ضاق بالنّاس مصدر

هم أولياء الله أنزل حكمه ... عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهّر

اسلكو ولد ابهاه.

كوالا لمبور.

بالامس نشر موقع الأخبارانفو معلقة لفضيلة القاضي احمد شيخنا ولد امات يرثي فيها الشيخ: \"عددود\" وقد ذيلها بهذين البيتين:


قالوا أطلت فقلت الطول مختلف عن ابن عدود إن يهد الحديث يطل

وإن يكن بمجــــــــال غير ذالكم فالقول أحسنه ما منه قل ودل

المناخ

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026