تاريخ الإضافة : 05.05.2009 09:28

في صحبة عدود رحمه الله

ديدي المهدي كاتب موريتاني مقيم في مكة المكرمة

ديدي المهدي كاتب موريتاني مقيم في مكة المكرمة

لماذا اكتب ؟
لم أكن أنوي في هذه الآونة خاصة أن أكتب عن شيخي وأستاذي ومرشدي (الناه) رحمه الله ، مكتفيا بالتأمل والتفرغ لاستذكار ما جمعني بالشيخ وترتيب ما يليق بشخصيته الفذة التي تستحق منا أن نعرف لها حقها ومكانتها .
ومبعث ترددي أنني وجدت نفسي أمام قمة شامخة وجبل عظيم ينهد ، وشجرة سامقة تتدلى أغصانها بشتى أنواع العلوم والمعارف .
فعدود كان نجمة في سماء موريتانيا مضيئة تنقض على الشياطين فتهزهم هزا،كان قمرا مضيئا وسط ليل حالك ، وهكذا هو حال العلماء الربانيين الذين هو منهم يعملون بفتح الميم ويعلمون بضم الميم ، فهو من هؤلاء الذين كانت لهم بصمة في تاريخ موريتانيا المعاصرة بما قدم وساهم به بعيدا عن الأضواء في بناء الدولة والمجتمع ، وبما مثل به بلادنا في مختلف أصقاع العالم .
ترددت أيضا في الكتابة لأني لو استحضرت كل عبارات ومفردات اللغة لما تمكنت من التعبير عن الفقيد حالا و مقاما ، فالعلامة لا يبلغ عنه إلا من عايشه وخالطه أو كان قريبا منه ، وأنى لي ذلك ؟
لذلك أتجاسر لأسطر ولو كلمات قليلة بعيدة عن أخيلة الألقاب المصطنعة وعبارات التفخيم والألفاظ التي كان يمكن لأي شخص أن يستعيرها من أي كتاب من كتب التراجم .
فالعلامة لا تزيده تلك الكلمات - وهو لا يحبها - فقد عهدناه مولعا بكلمة "لمرابط" حقا إنه مرابط على ثغر مهم من ثغور المسلمين وظل كذلك حتى لقي ربه ، ورآه من رآه بعد وفاته يعلم الناس العلم .
إني أريد أن أكتب عنه طبق ما رأيت وشاهدت وضمن حدود الواقع .
وحقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق ، وخلاصة القول أن المبتغى من هذه العجالة أن أتطرق إلى جوانب في شخصيته تدفعنا إلى الاعتبار والتأسي بالفقيد ونقرأ قوله تعالى.. (( لمثل هذا فليعمل العاملون )) .


لحظة الفاجعة :
سرى النبأ كالصاعقة يزلزل أسلاك الهاتف وتتحرك به الشبكات العنكبوتية ، وصلني وأنا أتهيأ لصلاة المغرب في رحاب بيت الله الحرام ،كان الأذان قد انتهى وجرس هاتفي على الصامت ، فرفعت الجوال قبل الشروع في الصلاة لأتأكد أن الجوال لن يزعجنا بصوته ، فرأيت وميضه يتكرر ليوحي أن ثمة اتصال ، وما كان بودي أن أرد لولا أني عرفت أن الاتصال له علاقة بشأن صحة عدود رحمه الله
قربت الجوال من أذني لأسمع لأن جلبة المصلين والزحام في الحرم لا تترك فرصة لتمييز الأصوات ، كان الطرف المتصل ينعى محمد سالم رحمه الله ،كان يجهش بالبكاء تسمرت في مكاني ، وكنت في حال من الحزن والألم والحسرة لا أستطيع أن أعبر عنه جاءني النعي في ركن من الحرم كثيرا ما جلس هو فيه قبالة الكعبة مرابطا لانتظار الصلاة بعد الصلاة ، وسلمت من المغرب وخرجت لأفرغ علي ماء وأذهب إلى التنعيم فأحرم ملبيا عن الفقيد لعلي استعيد معه ذكرياتي في أقدس مكان ،كان لي جؤار بالتلبية:لبيك اللهم لبيك عن محمد سالم ولد عدود ، وأتوقف عند نفي الشريك في التلبية لبيك اللهم لبيك لا شريك لك ، كما كان يفعل في تلبيته ، وكنت أجهر بالتلبية عنه كما فعل هو ذات مرة لبيك اللهم لبيك عن عمته عائشة بنت عدود ، دخلت الحرم وبعد الطواف وقفت خلف المقام ودعوت (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ) كما كان هو يحب أن يقول كلما وقفنا معا خلف المقام .
ولما أنهيت عمرتي لم أتمالك حتى هاتفت أهل نواكشوط لأجد الناس قد عادوا من الدفن ، وفهمت أن عودتهم تزامنت مع نهاية العمرة تقبلها الله وجعلها في ميزان حسناته .
علاقتي بالمرابط :
في رحاب هذا البيت تعرفت عليه و صحبته أكثر من عشرين سنة حيث أعيش في رحاب هذه الأرض الطاهرة و كنت ملاصقا له ، لا أفارقه كلما جاء إلى بلد الله الحرام ،كان يأتي من حين لآخر للمشاركة في جلسات المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي ، وبعد ذلك جلسات المجمع الفقهي التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي أو لحضور مؤتمرات أخرى ، أو عندما يكون قادما لأداء نسك الحج والعمرة ولم يحدث أن تخلفت عن مصاحبته ومرافقته أبدأ معه من المطار وأبقى معه حتى يعود أسكن معه وأنام معه في النزل الذي يمكث فيه ، أرتب له لقاءاته ، وأقدم له طعامه وقد كان مقلا في الأكل ، فحسبه لقيمات يقمن صلبه ، عزوفا عن شرب المنبهات"الأتاي" و ما هو في شاكلته ، و كان يحب تعجيل الأوبة والعودة لما عليه من حقوق وواجبات التعليم والتدريس .
لم يكن يحب أن يمكث في الفندق أكثر من أيام العمل ،كان لطيفا ودودا ، لا تفارقه البسمة ، لا تحس معه بوحشة ولا ملل ، بل تتمنى لو أمتد بك الوقت معه ،كنت أتشرف بخدمته وأداء النسك معه أتعلم من دله وسمته ، وأستفيد من علمه وألتمس دعواته في أماكن الأجابة وأوقات النفحات الإلهية ، وأقول عنه كما قال أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. لم يقل لي يوما
لم فعلت ؟ ولم لم تفعل ؟
كان كل من رآه أو خالطه أدهشه وأثار إعجابه ، كانت المهابة تعلو محياه عندما يسير في الحرم ، أو في جلسات المؤتمرات تتبعه الأعين ، لما تراه من سمات الصالحين يشع نورا ووقارا ، كان يحتاط لنفسه في أمور دينه ، ويأخذ بعزائم الأمور، ومع الناس كان هينا لينا ،كان زاهدا وورعا وخلال هذه السنين التي عرفته فيها يرتاد السعودية لم يشأ أن يقدم ولو مرة واحدة ملفا يطلب مساعدة لمحظرته ، ولقد راودته عن ذلك فرفض في الوقت الذي كان يتقاطر عليه كثيرون يلتمسون منه توصية أو شفاعة فيكتب لهم فيجدون لشفاعته منفعة.
عدود سفير الثقافة الشنقيطية :
تحددت في شخصية الفقيد أبعاد الشخصية الشنقيطية العالمة العاملة المستوعبة لما عرف عن الشناقطة من سعة علم وحفظ وقوة ذاكرة ، فكان امتدادا للرعيل الأول من جيل محمد محمود ولد التلاميد وأضرابه.
تميز ظهوره في اندنوسيا عندما تم اختياره من بين كثيرين في الستينات من القرن الماضي ليتكلم باسم الوفود العربية ، فأبدع وأجاد ، وسلب الألباب كما أنه كان له حضور مميز في جلسات مجمع البحوث الإسلامية مع شيوخ مصر الكبار يوم ذاك أبو زهرة ، والفحام ، وغيرهما ، وفي مهرجانات الأدب والشعر كان له حضور في المربد ، نال فيه إعجاب الشعراء بما عرف عنه من رواية لأشعار العرب وأيامهم ، وفي اللقاءات العلمية لمؤسسة آل البيت في الأردن كان رئيسها حين ذاك ناصر الدين الأسد صاحب مصادر الشعر الجاهلي يستفسره عن الطوال في هذا الشعر ، ويستشكل عليه بعض الأبيات والكلمات التي لم يستوعبها وفي الأكاديمية المغربية اعتبروه اللغوي الأول والمرجع في مدلول الكلمات واشتقاقها وعلى هامش اللقاءات في اليونسكو كانت له حوارات مع أديب السودان الطيب صالح رحمه الله وكانت له معه جولات وصولات في فهم وقراءة شعر المتنبي .
وذات مرة حضرت معه حفلة في جدة على هامش لقاء علمي كبير فكان الشيخ صلاح أبو إسماعيل رحمه الله الداعية الإسلامي الكبير وصاحب البرنامج المشهور (الأحاديث الموضوعة)وعضو مجلس الشعب المصري السابق يستقبل الشيخ أمام جمع كبير مستبشرا بلقاءه قائلا هذا هو سيبويه العصر وهكذا كان الشيخ حاضرا في كل محفل ومكان يرفع اسم موريتانيا عاليا ، مما جعل كثيرين يبحثون ويتساءلون عن هذا البلد الذي أنجب هذه الشخصية .
و هذا ما جعل أحد زواره وهو الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش يسأله عن نوعية الأكل الذي يأكل وقد هالته حافظة الشيخ وغاب عنه أن الشيخ لا يأكل إلا قليلا ولا ينام إلا قليلا.
الشيخ في المجامع الفقهية:
صحبت الشيخ في جلسات المجامع الفقهية ما سمح لي نظام الجلسات بذلك كنت مستمعا ، وكان المجمع في الثمانينات من القرن الماضي يجمع علماء من أبرزهم حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية السابق صاحب كلمات القرآن،والشيخ عبد الله ابن حميد الذي كان الشيخ يرى أن له اليد الطولى في مختلف المذاهب الفقهية ، وعبد العزيز ابن باز ، وبكر أبو زيد ، ومصطفى الزرقاء ، رحمهم الله جميعا .
كان محل تقديرهم ، واعتبارهم ، سمعت ابن باز يقول له أفدنا من ما عندك ، وحضرت بكر أبو زيد يراجعه في المسائل الفقهية ، ووقفت مع مفتي لبنان رشيد قباني يتحدث إليه ، ومع الشيخ القرضاوي يستمع إليه ، لم يكن في الجلسات التي تمكنت من حضورها بكثير كلام ، كان يستمع أكثر مما يتكلم ، ولكنه في الوقت المناسب يتدخل ليصوب مسألة أو يبين غامضا بإسلوب موجز وبعبارة ترى القبول عند الحاضرين ، وأحيانا تكون فصل الخطاب في المسألة ، كان يضيق ذرعا بإهمال اللغة العربية وعدم العناية بها ، كان هو المرجع الأول عندهم فيها كان يضبط لهم الكلمات وكان بالنسبة لهم ـ ما شاء الله تبارك الله ـ محرك بحث بلغة العصر يدلهم على المسائل الفقهية في مظانها ، وذلك بما أعطاه الله وحباه به من ذاكرة ، وحفظ قل نظيرهما .
عبادته وورعه وزهده :
كان في كل حياته متعلما ومعلما وعاملا متعبدا له مع الله أحوال فكان يعيش مع القرآن تاليا ومتدبرا ومفسرا وله فيه نكات عجيبة وفتوحات لا تجدها في كتب التفاسير المعهودة ولم تكن عبادته محصورة في نوع من أنواع الطاعات بل كانت أحواله المختلفة وتقلباته المتنوعة مصبوغة بمعنى العبادة موصوله بشعور فياض من التبتل لله أو الخوف منه أو الثناء عليه كان قليلا من الليل ما يهجع , أما عن صومه فحدث ولا حرج .
وأذكر أنه قال لي ذات مرة أنه لا يعمل عملا إلا ويستحضر ويفكر في الجواب الذي سيقوله يوم يقوم الناس لرب العالمين وأن أكثر ما يمكن أن يقدم به على ربه هو صفاء السريرة فهو مع الله دائما وحتى في أحرج اللحظات السياسية التي مر بها البلد استوقف مرافقيه ذات مرة على الطريق وهم ذاهبون إلى مهرجان للحزب الجمهوري لينبههم على استحضار النية ومعرفة الموقف الشرعي لذهابهم وقد كانت للفقيد أدلته وبراهينه وحججه الواضحة في التعامل مع الحكام .
أما بالنسبة للجانب الذي يطغى على سيرة علمائنا والمتعلق بما يؤيد به الله عباده من كرامات فله منها الحظ الأوفر كان يحب الصالحين وهو منهم ويحكي حكاياتهم وهو منهم وبما أنه رحمه الله لا يود أن يتحدث فيما يتعلق به شخصيا فإني أعرض عن ذلك حتى أجد الوقت المناسب لأحكي الحكايات وهي جد مثيرة وعجيبة .
وحقيقة فقد جمع الله له من العلم والفضائل ومكارم الأخلاق والحلم والأناة ماعز توافره في إنسان إلا من اختصه الله بسابقة من عنده وفضل وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء

المناخ

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026