تاريخ الإضافة : 04.05.2009 12:56

شيخنا المرابط من يعزي ومن يعزى فيك؟

عبد الله بن أحمد بن منياـ كاتب موريتاني مقيم في السعودية menneyya@gmail.com
رحيل الشيخ المرابط/ محمد سالم بن عبد الودود(عدود) مصاب جلل،أصيبت به العالم اليوم؛ فموت العلماء مصيبة عظيمة؛ حيث يرتفع العلم بموت العلماء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) ولكن ما أعظم المصيبة في الشيخ محمد سالم أنه جمع علوما كثيرة ، بإتقان وحفظ وعمق قل نظيره في هذه الأيام،ومصاب قطاعات واسعة من المجتمع مضاعف؛ الأقارب، والجيران، والطلاب، و الأصدقاء.
وكنت أبكي لفقد الفقه منفردا***فصرت أبكى لفقد الفقه والأدب.
مصاب الأمة:
إن مصاب الأمة اليوم بمثل الشيخ محمد سالم بن عدود ـ وهي في ما هي فيه من صدود الشباب وعزوفهم عن العلم والعلماءـ لمصاب عظيم ، فقل أن يوجد للشيخ مثيل اليوم في العالم الإسلامي؛ في تبحره ، وموسوعيته، وحفظه.
فما تطلع الشمس المنيرة فوقهم *** على مثله فيهم أعز وأعظما
وقد عايش هذا التبحر والحفظ والموسوعية أناس كثير؛ من طلاب الشيخ وزملائه، في العالم الإسلامي، فانبهروا بما شاهدوه،فكتبوا عن ذلك وتحدثوا به ، مع تواضع جم، وزهد شديد يشهد به الجميع، زهد يذكر بقول الأوزاعي ـ وقد ذكر عنده أحمد بن حنبل ـ : فقال: رحمه الله، عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه، عرضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها. وكأن الشاعر يعنيه بقوله:
جمع التقى والزهد في دُنياهم ... والعلم بعد طهارة الأردانِ
نعم . ممن أصيب طلاب اللغة العربية والمتخصصون فيها حيث فقدوا من يرجعون إليه في عويصات المسائل، ودقائق المعاني، فقدوا موسوعة جمعت لهم علوم اللغة العربية، وأغنتهم عن البحث في مصادر ومراجع مفرقة ومبعثرة، في رفوف المكتبة العربية، مع عمق في الفهم،واستيعاب للدلالات، واستعداد لسرد الشواهد، والرد إلى القواعد والأصول.
كما أصيب المتخصصون في علوم القرآن الكريم، الذين دأبوا على طرح إشكالاتهم على من كان يعيش مع القرآن يتلوه ويتدبره ، وقد مكنه تبحره في اللغة العربية ـ التي هي لغة القرآن ـ من فهم عميق لمعاني لهذا الكتاب، الذي أنزله الله {بلسان عربي مبين}
وأصيب ـ أيضا ـ الأدباء الذين كانوا يستمدون من موسوعيته الفريدة في لغة العرب، وأنسابها، وتاريخها، وأيامها.. وهوـ رحمه الله أديب شاعر ، لم تتأثر فنية الأدبية الرصينة بتخصصه الفقهي،وهو نظامة من الطراز الأول بلا منافس؛ وذلك جلي في نظمه لمختصر خليل، والعمدة، وغيرها.
والمجامع الفقهية هي الأخرى فقدت فقيها قاضيا أمضى جل حياته في حل النزاعات، والنظر في المستجدات.
تضامن في الحياة والموت:
ومصاب الأسر التي تربطها وشائج وعلاقات قرابة، أو جيرة، أو تلمذ بالشيخ عظيم كذلك، ولكن مصابنا نحن ليس كمصاب غيرنا؛ فعلاقتنا به وبأسرته الكريمة المباركة علاقة وطيدة وممتدة الجذور والأعماق، ولقد عايش الشيخ تلك العلاقة في طفولته، وشبابه، وكهولته، وتعاهدها بالصلة والمحبة الصادقة ، ورعاها فأحسن رعايتها، وكم تحدث الشيخ عن تلك الذكريات الجميلة، وكم حن إليها بلهفة وشوق صادق، يعرف ذلك القريبون منه ، والمتتبعون لإنتاجه الأدبي ، وإنتاج والده المرابط / محمد علي يدركون ذلك بوضوح.
ولعل من إشارات القدر العجيبة، ما حصل من تزامن وفاته مع وفاة أحد أعز أفراد أسرتنا (أحمد بن سيديا) في حادث سير، وهو راجع من تشييع جنازة الشيخ، فكأن في ذلك إشارة إلى الترابط القوي والمحبة الراسخة بين الفقيدين وأسرتيهما، وهو ما يمكن أنعبر عنه بـ(التضامن في الحياة والممات). وكأن أحمد بن سيديا قال وهو قافل بعد دفن الشيخ محمد سالم:
يا سيّدي ومَراح الرُّوح في جَسدي***هلا دَنا الموتُ منّي حين مِنْك دنا
حتى يعود بنا في قعْرِ مُظْلمــــــــة***لَحْدٍ وُيلْبسَنا في واحــــــــــدٍ كَفَنا
نسأل الله أن يرحمهما ، وأن يجمعهما في الفردوس الأعلى من الجنة! آمين.

كيف أرثيه؟
سألني أحد أصدقائي هل كتبت رثاء في الشيخ عدود؟ فتذكرت قول الشاعر:
قالوا قضى حسن المناقب فارثه*** فأجبتهم ومدامعي تتحــــدر
لا أستطيع رثاء من لمصــــابه *** أضحى لساني في فمي يتعثر
وأتخيل نفسي أنا واقف على نعش الشيخ أردد ما قاله محمد بن الحنفية في الحسن بن علي رضي الله عنه: لئن عزت حياتُكَ، لقد هَدَّتْ وَفَاتك، ولنعم الروح روح تضمنه كفنك، ولنعم الكفن كفن تضمن بدنك، وكيف لا تكون هكذا وأنت خَلَفَ أهل التقوى، غَذتْكَ بالتقوى أكفُّ الحق، وأرضعتك ثُدِيُّ الإيمان، وَرُبِّيتَ في حِجْرِ الِإسلام، فطِبْتَ حيّاً وميتاً، وإن كانت أنفسنا غير سخية بفراقك، رحمك اللهّ أبا محمد!.
وكنني أناديه بقول ا لشاعر:
ناديته والحزن خامر مهجتي*** والقلب فيــــــــــــــه لوعة وأوار
يا من ببطن الأرض أصبح آفلاً*** أتغيب في بطن الثرى الأقمار
وكأني بالشاعر عبد الله بن محنض بابه الديماني يقف على مقبرة (الأجم) ـ كما وقف من قبل على مقبرة (تندوجه)ويقول:
حَلْيُ الزمان وغُرَّة الإنسان***ومَحَلُّ ما يُرْجَى من الإحسان
شَمْسان قـــــد حَلاَّ بِبُرْجٍ واحِدٍ***فاعْجَبْ لِبُرْجٍ حَلَّهُ شَمْسان

وبكت عيون المحاضر أيضا:
وللمحضرة الموريتانية أن تقول بعد غياب بدر أضاء سماءها ردحا من الزمن، فأزال الله به ظلمة الجهل، وأنار به دروب العلم والمعرفة، للشباب المسلمين، الذين أتوا إليه رجالا وعلى كل ضامر، يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم، للمحضرة أن تقول وهي صادقة:
بكت عيون العلا وانحطَّت الرُّتَبُ*** ومزَّقت شملَها من حزنها الكتبُ
ونكسَّتْ رأسها الأقلامُ بــــــــاكيةً *** على القراطيس لمَّا فاحت الخُطبُ
وكيف لا وسماء العلم كنت بـــها *** بدراً تمـــاماً فحالت دونك الحجُب
يا شمسَ فضلٍ فدتك الشهبُ قاطبةً *** إذ عنك لا أنجمٌ تُغني ولا شهبُ
وهنا لا يمكن أن تجاوز حتى أشير على خلفه الصالح وأبنائه البررة ، وتلامذته النجباء:أن امسحوا دموع محضرة أم القرى العريقة، وطوروها حتى يستمر هذا العلم النافع،وهذا العطاء المبارك، أجرا للسلف وذخرا للخلف.
واعملوا على جمع وتدوين كل ما يتعلق بآثار الشيخ العلمية والثقافية؛ مكتوبا، أو مسموعا، أو مصورا. ففي جمعه وتوثيقه ثم نشره خير كثير للأمة.
وفي الختام أقول:
يا رَحْمةَ الله جاوِرِي جَدَثاً ... دفَنْتُ فيه حُشَاشتي بِيَدي
ونَوِّري ظًلْمة القُبور على ... مَن لم يَصِلْ ظُلْمُه إلى أحد
من كان خِلْواً من كل بائقِةِ ... وطَيِّبَ الرُّوح طاهرَ الجَسَد.

المناخ

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026