*أحمد أبو المعالي
بداية لو استطعت بقدر قادر أن أجمع مفردات الرثاء في صعيد واحد منذ أول راث على المعمورة ومنذ أول شاك من خنى الأحداث ..أتخير منها يمنة ويسرة أكثرها صدقا وعاطفة ...ولو تمكنت من لم شتات قواميس العزاء ومناجيده أنهل منها صافية تدر علي بما أحلم به من مواساة وسلوى .
..لو تمكنت من كل ذلك ذات يوم لما أسعفني في الحديث عن الشيح رثاء أو عزاء .ولما أفلحت في تحقيق ما أحاوله في هذه السطور الحزينة ..فهيهات هيهات...
ولو قدر لغيري ذات الشيء لما وفى الشيخ معشار قدره .. فأنى لكلام محدود العبارات ..منتهي الدلالات أن يصور أوجاعنا .أ.وأن يرسم أحزاننا.أو يخفف لوعتنا .. ونحن نتلقى نبأ تمنى كل سامع له أن تخونه الأذن ..وكل راء أن تخذله العيون ..فقد :
طوى الجزيرة أمر لا عزاء له ** فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يجد لي صدقه أملا * * شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
.....وتمنى كل واحد منا أن لا يكون الشيخ مبتدءا لذلك النبإ العظيم .
نبأ ما نابنا مصمئل ** جل حتى دق فيه الأجل.
.لكن الإيمان بالقضاء والقدر أكبر من الرزء والمصاب..والله خير وأبقى..
نبأ ستدمع منه المحاظر نجيعا مدرارا ..ويطول ليلها بالذوائب ويغم .. كما هو حال ليل المهلهل ..بل أشد منه وطئا وأثقل قيلا..ولسان كل طالب علم ينشد حسرة من وجع الفؤاد وما يلاقيه .."ولم تعلم بديلة ما ضميري ".فمن لنا بأن تغور النجوم ..وينزاح الليل.؟؟.وعلى أية حال نناشد هذه الليلة "إذا أنت انقضيت فلا تحوري"...وكان الله في عون (بديلة) أيان تستذكر أباها أو تسأل عنه أ و تستعيد تلك الليلة الظلماء بعد رحيل القمر في ليل بهيم .وما ليل النابغة عنها ببعيد
ستنوح اللغة أنينا بائسا.. وتمتلئ مآقيها بالعبرات حتى يبل المحمل ..فقد كان الشيخ أنيسها البار وأليفها الصادق.يعرف - إن جال في مرابع ذويها- من أين تؤكل الكتف ...تنتشي حينما يلملم أطراف الحديث محدثا عن شواردها النادة .مقتنصا طرائدها العصية .. جائلا بحرية تامة وراء أوابدها التائهة..نستمع إليه فنتعلم منه مخرج " الضاد" وأخواتها غضة طرية كأنما يعيدنا إلى مرابع ربيعة أو مضر..ويتفيأ ظلال أشعارها ..كأنما يرحل بين أولئك الأقحاح ..أكلة الشيح والقيصوم .." بلغاء اللغى في البوادي"
..هاهي " الضاد" مرزأة ثكلى ترن وتعول".. تصرخ في وجوه العائدين من ليل "اكماط "أطاوعتكم أنفسكم أن تحثو التراب على الشيخ ؟؟؟.. وهل سأسلم من أن ينالني بعض الحصى الذي أهلتموه على الجدث الطاهر؟؟..أسئلة حرى تنتظر الجواب....ثم تعود إلى نفسها تناجيها:
عز العزاء فهل لنا من راث أو من معز قبل فوت ثلاث
وترتعد فرائصها خوفا من أن يلتبس مقصورها بمدودها ...وإغراؤها بتحذريها ....وقواعدها بمسوعاتها .أو أن تتداخل الاستعارة المكنية بالتصريحية ..وربما أشكل الفرق بين الزحاف والعلة في القريض ..
..فقد كان الشيخ حصنها الحصين ...وحامي حماها من كل الخطوب ...
سيكتب الكثيرون عن الشيخ شعرا ونثرا وسيحفل ذلك المكتوب بأروع ما سطر في الرثاء والعزاء ..وسيختار الراثون مفرداتهم وعباراتهم ما وسعهم الجهد ..لكنهم لن يستطيعوا أن يعزوا "الضاد" أو يعيدوا ها سيرتها الأولى....ومن سيصف "الرائد الحماد " بيننا ؟
أما الفقه بأصوله وفروعه فحاله لن يكون بأقل وجعا من تماضر ..وهي تتساءل بعد ما أراقت ما تمتلكه من دموع كحر القلب أو أشد لظى
قذى بعينك أم بالعين عورا أم أقفرت أ ن خلت من أهلها النار؟
فهاهي ترنو حزينة " صوب " أكماط" حيث القبر الجديد ..وقبله قبور البدور القديمة...قلبها واجف وبصرها خاشع كأنما ترجف الراجفة تتبعها الرادفة..
عجبا لعين لا تريق دموعها ** في مثل هذا الوقت كيف تطيق
..وحق للفقه أن يعلن الحداد ..وأن يهجر المداد ..وأن يلبس السواد ...بعد مصابه في الشيخ الذي لم يفن " شبابه غير هر "وها هو الآن نزيل رمس بعيدا عن الأهل والأحبة
( رمس) تقاصر دونه لبنان ويهون دون ترابه المرجان ..
يارمس)( لو نبتت الحديث ببلدة ** نبت الحديث عليك والقران
لقد كان يحن على "لأمهات"والمدونات حنو المرضعات على الفطيم ...ويجلو غموضها ..وتمنحه -دون غيره من أربابها - أسرارها ..وتدلف إليه بأخبارها ..كأنما منحته مفاتيحها منذ الطفولة ...حيث كان "الطلاب" يتوسلون إليه وربما يحملون "الصغير " على أكتافهم لمساعدتهم في "التكرار" بعد سماع حافل من الشيخ محمد عالي رحمه الله
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل
ومنذ تلك الفترة وحتى أثخنه المرض لم يترك "مربعا" من تلك المدونات إلا وترك فيه بصمات جلية شارحا ومدرسا ..مفصلا للمجمل ..ومجملا للمفصل ..ومختصرا للمطول ...وناظما للمنثور..وكاشفا للمستور...لم تشغله عن ذلك المهام الجسام التي أنيطت به في خدمة بلده الذي كان يباهي به في المؤتمرات والندوات واللقاءات العلمية والفكرية:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ** إذا جمعتنا ياجرير المجامع
وطالما رفض الوظائف السامية خارج الدولة حتى لا يفارق المحظرة ..وحتى لا تغيب عن ناظريه أفواج الطلاب.
وكان الله في عون "الموريتانيين" وهم يستقبلون رمضان القادم في ظل غياب "شيخ رمضان" الذي كان يزف إليهم "فتاوى " العالم الورع الفطن " الذي ترتاح لفتواه كل النفوس .
.لله تلك المنابر الرمضانية التي كانت تشغل جل وقت الشيخ الطاعن في السن فيمضي وقته- وهو "الصائم نهاره .القائم ليله- ما بين "روضة الصيام" ظهرا..والسهرة الرمضانية "مساء ما بين الإذاعة والتلفزة ..علاوة على مختلف الدروس والمحاضرات دون كلل أو ملل..
أما طلاب المحظرة في "أم القرى" فحدث عن الحزن واللوعة وهم يودعون في موكب جنائزي رهيب "علما في رأسه نار"
وقل ذات الشيء في مختلف العلوم والفنون قديمها وحديثها ..فقد كان الشيخ موسوعة علمية متنقلة
علمي معي حيثما يممت يتبعني **قلبي وعاء له لا جوف صندوق
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ** أو كنت في السوق كان العلم في السوق
وقد أضاف الشيخ إلى ذلك تواضع العلماء حتى ليخيل لكل جالس أو ملتق بالشيخ انه يخصه بما لا يخص غيره من الود ...مع وقار منقطع النظير ...وبشاشة لا تفارق محياه المبارك..
علم الله ..لا..أعرف كيف أصف لحظات نقل الشيخ من مقر إقامته في بيته في أم القرى بعد أن توقف عن التحرك ..وآذنت النفس المطمئنة بالوداع .. وبدأ ذووه ومحبوه مشوار الوداع الأخيرة....لا أعرف كيف انقضت لحظات تبديل ملابس الشيخ الطاهرة التي شهدت تك اللحظة العصيبة ليلف "في البياض" ويوضع على الآلة الحدباء..
لا أعرف كيف أصف شعور أهل " أم القرى ومن حولها" وهم يشكلون طوابير للصلاة على ا لشيخ بعد أن ألفوا الصلاة خلفه يستمعون إليه يقرأ القرآن كما أنزل ..ثم يلتف إليهم ناثرا شذرات علمية "من دونها سلب النفوس ونار حرب توقد "
....لا أعرف كيف أصف لحظات تحرك السيارا ت من أم القرى إلى اكماط دون ن يكون للشيخ الحاضر - الغائب في تلك الرحلة أي رأي أو مشورة..وهو الذي كانت نفسه تشتاق الرحلة صوب مرابع صباه وأيام شبابه في تلك الربوع التي لن يفارقها قبل "النشر".
.لا أعرف كيف أصف شعور أم القرى التي عودها على أن يذهب لتدبير شؤون الأمة ونشر العلم وزيارة المرضى وصلة الأرحام وقضاء حوائج المسلمين وغير ذلك من أعمال البر و الخير التي حفلت بها حياته ثم يئوب...لكن الشيخ لن يؤوب من هذه الرحلة الأليمة....وربوع اكماط التي احتضنت صباه لن تسلمه لغيرها بعد اليوم .وسيرافق الشيخ محمد عالي ووالدته النجاح وإخوته محمد يحي ولبحر ومحمد محمود وساكنة تلك المضارب من من سبقوه إلى ذلك القضاء المحتوم. رحمهم الله جميعا ..ولن تشكو اكماط فراق الشيخ ولن يشكو الشيخ فراقها بعد اليوم.. فقد ضمت "قرينها وكناسها"
وإن أعزي كل الأمة علماءها ودهماءها وأهل أم القرى.. فمن الواجب أن أخص السيدة الفاضة والعالمة الجليلة سليلة العلماء وأخت العلماء وأم العلماء –حفظها الله أمنا "أم المؤمنين
تبكي خناس على صخر وحق لها** إذ رابها الدهر إن الدهر ضرار
سيدتي الفاضلة ...لا أجد ما أعبر به عن حالي وحال الأمة وحالك إلا أن أتمثل قول الشاعر
اصبر نكن بك صابرين فإنما ** صبر الرعية عند صبر الراس
خير من العباس أجرك بعده ** والله خير منك للعباس
أما أبناء الشيخ وبناته فأقدر مدى الألم والحسرة التي يعيشونها هذه الأيام ...لكنهم أملنا الوحيد...وهم أسوتنا في التحلي بما كان الشيخ يعلمنا من الصبر والإيمان بالقضاء والقدر..أ عرف أن الدموع ستعرف طريقها.صوب الخدود والنحور ..وأعرف أن القلوب ستبلغ الحناجر حزنا ...ولكنني أعرف أنكم لن تقولوا إلا ما يرضي الرب ...ذلك منهج الشيخ وطريقه ..وذلك الظن بكم ....فاقبلوا مني كل خالص العزاء
لن أتحدث عن العلاقة التي كانت تربط بين أسرتي وأسرتكم منذ أمد بعيد ...ولن أتحدث عن الود الذي كان بين الوالد والشيخ رحمهما الله سواء في موريتانيا أو في دورات الدراسة التي جمعتهما فيا لخارج أيام تأسيس الدولة بيننا فلذلك سياقه ووقته...ولكنني أشير عليه من باب "أن يصل الرجل ود أبيه
سيطول الحزن .....وسيطول الليل ...ولكن ما لنا إلا ارتياد الصبر والجزاء الأوفى
فالصبر خير مآزر ومؤانس ** والرزء كل الرزء حين يضيع
*كاتب وشاعر موريتاني مقيم بالإمارات
AHMAD_ABOUALMAALY@HOTMAIL.COM
بداية لو استطعت بقدر قادر أن أجمع مفردات الرثاء في صعيد واحد منذ أول راث على المعمورة ومنذ أول شاك من خنى الأحداث ..أتخير منها يمنة ويسرة أكثرها صدقا وعاطفة ...ولو تمكنت من لم شتات قواميس العزاء ومناجيده أنهل منها صافية تدر علي بما أحلم به من مواساة وسلوى .
..لو تمكنت من كل ذلك ذات يوم لما أسعفني في الحديث عن الشيح رثاء أو عزاء .ولما أفلحت في تحقيق ما أحاوله في هذه السطور الحزينة ..فهيهات هيهات...
ولو قدر لغيري ذات الشيء لما وفى الشيخ معشار قدره .. فأنى لكلام محدود العبارات ..منتهي الدلالات أن يصور أوجاعنا .أ.وأن يرسم أحزاننا.أو يخفف لوعتنا .. ونحن نتلقى نبأ تمنى كل سامع له أن تخونه الأذن ..وكل راء أن تخذله العيون ..فقد :
طوى الجزيرة أمر لا عزاء له ** فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يجد لي صدقه أملا * * شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
.....وتمنى كل واحد منا أن لا يكون الشيخ مبتدءا لذلك النبإ العظيم .
نبأ ما نابنا مصمئل ** جل حتى دق فيه الأجل.
.لكن الإيمان بالقضاء والقدر أكبر من الرزء والمصاب..والله خير وأبقى..
نبأ ستدمع منه المحاظر نجيعا مدرارا ..ويطول ليلها بالذوائب ويغم .. كما هو حال ليل المهلهل ..بل أشد منه وطئا وأثقل قيلا..ولسان كل طالب علم ينشد حسرة من وجع الفؤاد وما يلاقيه .."ولم تعلم بديلة ما ضميري ".فمن لنا بأن تغور النجوم ..وينزاح الليل.؟؟.وعلى أية حال نناشد هذه الليلة "إذا أنت انقضيت فلا تحوري"...وكان الله في عون (بديلة) أيان تستذكر أباها أو تسأل عنه أ و تستعيد تلك الليلة الظلماء بعد رحيل القمر في ليل بهيم .وما ليل النابغة عنها ببعيد
ستنوح اللغة أنينا بائسا.. وتمتلئ مآقيها بالعبرات حتى يبل المحمل ..فقد كان الشيخ أنيسها البار وأليفها الصادق.يعرف - إن جال في مرابع ذويها- من أين تؤكل الكتف ...تنتشي حينما يلملم أطراف الحديث محدثا عن شواردها النادة .مقتنصا طرائدها العصية .. جائلا بحرية تامة وراء أوابدها التائهة..نستمع إليه فنتعلم منه مخرج " الضاد" وأخواتها غضة طرية كأنما يعيدنا إلى مرابع ربيعة أو مضر..ويتفيأ ظلال أشعارها ..كأنما يرحل بين أولئك الأقحاح ..أكلة الشيح والقيصوم .." بلغاء اللغى في البوادي"
..هاهي " الضاد" مرزأة ثكلى ترن وتعول".. تصرخ في وجوه العائدين من ليل "اكماط "أطاوعتكم أنفسكم أن تحثو التراب على الشيخ ؟؟؟.. وهل سأسلم من أن ينالني بعض الحصى الذي أهلتموه على الجدث الطاهر؟؟..أسئلة حرى تنتظر الجواب....ثم تعود إلى نفسها تناجيها:
عز العزاء فهل لنا من راث أو من معز قبل فوت ثلاث
وترتعد فرائصها خوفا من أن يلتبس مقصورها بمدودها ...وإغراؤها بتحذريها ....وقواعدها بمسوعاتها .أو أن تتداخل الاستعارة المكنية بالتصريحية ..وربما أشكل الفرق بين الزحاف والعلة في القريض ..
..فقد كان الشيخ حصنها الحصين ...وحامي حماها من كل الخطوب ...
سيكتب الكثيرون عن الشيخ شعرا ونثرا وسيحفل ذلك المكتوب بأروع ما سطر في الرثاء والعزاء ..وسيختار الراثون مفرداتهم وعباراتهم ما وسعهم الجهد ..لكنهم لن يستطيعوا أن يعزوا "الضاد" أو يعيدوا ها سيرتها الأولى....ومن سيصف "الرائد الحماد " بيننا ؟
أما الفقه بأصوله وفروعه فحاله لن يكون بأقل وجعا من تماضر ..وهي تتساءل بعد ما أراقت ما تمتلكه من دموع كحر القلب أو أشد لظى
قذى بعينك أم بالعين عورا أم أقفرت أ ن خلت من أهلها النار؟
فهاهي ترنو حزينة " صوب " أكماط" حيث القبر الجديد ..وقبله قبور البدور القديمة...قلبها واجف وبصرها خاشع كأنما ترجف الراجفة تتبعها الرادفة..
عجبا لعين لا تريق دموعها ** في مثل هذا الوقت كيف تطيق
..وحق للفقه أن يعلن الحداد ..وأن يهجر المداد ..وأن يلبس السواد ...بعد مصابه في الشيخ الذي لم يفن " شبابه غير هر "وها هو الآن نزيل رمس بعيدا عن الأهل والأحبة
( رمس) تقاصر دونه لبنان ويهون دون ترابه المرجان ..
يارمس)( لو نبتت الحديث ببلدة ** نبت الحديث عليك والقران
لقد كان يحن على "لأمهات"والمدونات حنو المرضعات على الفطيم ...ويجلو غموضها ..وتمنحه -دون غيره من أربابها - أسرارها ..وتدلف إليه بأخبارها ..كأنما منحته مفاتيحها منذ الطفولة ...حيث كان "الطلاب" يتوسلون إليه وربما يحملون "الصغير " على أكتافهم لمساعدتهم في "التكرار" بعد سماع حافل من الشيخ محمد عالي رحمه الله
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل
ومنذ تلك الفترة وحتى أثخنه المرض لم يترك "مربعا" من تلك المدونات إلا وترك فيه بصمات جلية شارحا ومدرسا ..مفصلا للمجمل ..ومجملا للمفصل ..ومختصرا للمطول ...وناظما للمنثور..وكاشفا للمستور...لم تشغله عن ذلك المهام الجسام التي أنيطت به في خدمة بلده الذي كان يباهي به في المؤتمرات والندوات واللقاءات العلمية والفكرية:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ** إذا جمعتنا ياجرير المجامع
وطالما رفض الوظائف السامية خارج الدولة حتى لا يفارق المحظرة ..وحتى لا تغيب عن ناظريه أفواج الطلاب.
وكان الله في عون "الموريتانيين" وهم يستقبلون رمضان القادم في ظل غياب "شيخ رمضان" الذي كان يزف إليهم "فتاوى " العالم الورع الفطن " الذي ترتاح لفتواه كل النفوس .
.لله تلك المنابر الرمضانية التي كانت تشغل جل وقت الشيخ الطاعن في السن فيمضي وقته- وهو "الصائم نهاره .القائم ليله- ما بين "روضة الصيام" ظهرا..والسهرة الرمضانية "مساء ما بين الإذاعة والتلفزة ..علاوة على مختلف الدروس والمحاضرات دون كلل أو ملل..
أما طلاب المحظرة في "أم القرى" فحدث عن الحزن واللوعة وهم يودعون في موكب جنائزي رهيب "علما في رأسه نار"
وقل ذات الشيء في مختلف العلوم والفنون قديمها وحديثها ..فقد كان الشيخ موسوعة علمية متنقلة
علمي معي حيثما يممت يتبعني **قلبي وعاء له لا جوف صندوق
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ** أو كنت في السوق كان العلم في السوق
وقد أضاف الشيخ إلى ذلك تواضع العلماء حتى ليخيل لكل جالس أو ملتق بالشيخ انه يخصه بما لا يخص غيره من الود ...مع وقار منقطع النظير ...وبشاشة لا تفارق محياه المبارك..
علم الله ..لا..أعرف كيف أصف لحظات نقل الشيخ من مقر إقامته في بيته في أم القرى بعد أن توقف عن التحرك ..وآذنت النفس المطمئنة بالوداع .. وبدأ ذووه ومحبوه مشوار الوداع الأخيرة....لا أعرف كيف انقضت لحظات تبديل ملابس الشيخ الطاهرة التي شهدت تك اللحظة العصيبة ليلف "في البياض" ويوضع على الآلة الحدباء..
لا أعرف كيف أصف شعور أهل " أم القرى ومن حولها" وهم يشكلون طوابير للصلاة على ا لشيخ بعد أن ألفوا الصلاة خلفه يستمعون إليه يقرأ القرآن كما أنزل ..ثم يلتف إليهم ناثرا شذرات علمية "من دونها سلب النفوس ونار حرب توقد "
....لا أعرف كيف أصف لحظات تحرك السيارا ت من أم القرى إلى اكماط دون ن يكون للشيخ الحاضر - الغائب في تلك الرحلة أي رأي أو مشورة..وهو الذي كانت نفسه تشتاق الرحلة صوب مرابع صباه وأيام شبابه في تلك الربوع التي لن يفارقها قبل "النشر".
.لا أعرف كيف أصف شعور أم القرى التي عودها على أن يذهب لتدبير شؤون الأمة ونشر العلم وزيارة المرضى وصلة الأرحام وقضاء حوائج المسلمين وغير ذلك من أعمال البر و الخير التي حفلت بها حياته ثم يئوب...لكن الشيخ لن يؤوب من هذه الرحلة الأليمة....وربوع اكماط التي احتضنت صباه لن تسلمه لغيرها بعد اليوم .وسيرافق الشيخ محمد عالي ووالدته النجاح وإخوته محمد يحي ولبحر ومحمد محمود وساكنة تلك المضارب من من سبقوه إلى ذلك القضاء المحتوم. رحمهم الله جميعا ..ولن تشكو اكماط فراق الشيخ ولن يشكو الشيخ فراقها بعد اليوم.. فقد ضمت "قرينها وكناسها"
وإن أعزي كل الأمة علماءها ودهماءها وأهل أم القرى.. فمن الواجب أن أخص السيدة الفاضة والعالمة الجليلة سليلة العلماء وأخت العلماء وأم العلماء –حفظها الله أمنا "أم المؤمنين
تبكي خناس على صخر وحق لها** إذ رابها الدهر إن الدهر ضرار
سيدتي الفاضلة ...لا أجد ما أعبر به عن حالي وحال الأمة وحالك إلا أن أتمثل قول الشاعر
اصبر نكن بك صابرين فإنما ** صبر الرعية عند صبر الراس
خير من العباس أجرك بعده ** والله خير منك للعباس
أما أبناء الشيخ وبناته فأقدر مدى الألم والحسرة التي يعيشونها هذه الأيام ...لكنهم أملنا الوحيد...وهم أسوتنا في التحلي بما كان الشيخ يعلمنا من الصبر والإيمان بالقضاء والقدر..أ عرف أن الدموع ستعرف طريقها.صوب الخدود والنحور ..وأعرف أن القلوب ستبلغ الحناجر حزنا ...ولكنني أعرف أنكم لن تقولوا إلا ما يرضي الرب ...ذلك منهج الشيخ وطريقه ..وذلك الظن بكم ....فاقبلوا مني كل خالص العزاء
لن أتحدث عن العلاقة التي كانت تربط بين أسرتي وأسرتكم منذ أمد بعيد ...ولن أتحدث عن الود الذي كان بين الوالد والشيخ رحمهما الله سواء في موريتانيا أو في دورات الدراسة التي جمعتهما فيا لخارج أيام تأسيس الدولة بيننا فلذلك سياقه ووقته...ولكنني أشير عليه من باب "أن يصل الرجل ود أبيه
سيطول الحزن .....وسيطول الليل ...ولكن ما لنا إلا ارتياد الصبر والجزاء الأوفى
فالصبر خير مآزر ومؤانس ** والرزء كل الرزء حين يضيع
*كاتب وشاعر موريتاني مقيم بالإمارات
AHMAD_ABOUALMAALY@HOTMAIL.COM







