تاريخ الإضافة : 01.05.2009 09:43
مظاهر الأزمة في موريتانيا ومآلاتها
عبد الرحمن المصطفى
لا يماري أحد في وجود أزمة سياسية خانقة تعيشها موريتانيا الغالية، لها ما بعدها، ومن الفضول في نظر الساسة والإعلاميين وحتى لدى بعض العامة التدليل عليها بمظاهرها.
لكن التذكير بتلك المظاهر ربما يعتبر نوعا من التشخيص التقريبي لأزمة لا صوت يعلوا فوق صوتها المتشنج.
أحاول في الأسطر التالية أن أشخص المظاهر السلبية للأزمة السياسية التي تعصف بموريتانيا والتي وصفها بعض قادة "الأغلبية العسكرية" بمعركة الاستقلال الثانية، متطرقا إلى جوانب الأزمة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والمآلات التي يمكن أن تضع لها حدا أو تفتح لها آفاقا – لا قدر الله -.
المظاهر الاجتماعية
يرجع كثير من الباحثين المحايدين – وما أقلهم – جذور الأزمة السياسية إلى صراع في الأفكار، والمصالح، والمواقع، بين طرفين أساسيين وصلوا مرحلة "توازن الرعب" في موريتانيا، أحدهما، وتمثله المعارضة التقليدية، يتبنى رؤى حداثية للتسيير والمواطنة والديمقراطية والحرية، بينما يرى الطرف الآخر، المكون أساسا من زعامات تقليدية وتجار لهم تاريخ طويل في "صنع الزعامات" المحلية، يرى هذا الطرف أن النظام الذي سارت عليه موريتانيا خلال 50 سنة هو الأفضل، ويحتج ب"خصوصية" موريتانيا و"بداوتها"، ومع كل الطرفين غاضبون من الطرف الآخر لا ينتمون إليه بالضرورة.
فالصراع إذا في جوهره هو صراع اجتماعي بامتياز بين طبقة "النبلاء" والقوة الشابة ذات البرامج "المستوردة"، ويمكن للقوى "الشابة" أن تستسيغ الهزيمة، بل والتنكيل بقادتها، في الماضي، أما اليوم، فترى أن ذلك – بسبب حضورها السياسي المعتبر – غير ممكن، ومن أجل ذلك فهي تدافع بكل ما تملك حتى لا تفقد ما اكتسبته من نضال طويل وشاق.
في المقابل ترى طبقة "النبلاء" أنها إذا لم تظهر بمظهر الممسك بكل المفاتيح فإنها ستسقط أمام الجيل الجديد الهادر، لا سيما وأنه أوشك على إسقاطها في آخر انتخابات برلمانية ورئاسية على حدٍّ سواء.
وبين الطرفين الذيْن يبدوا – من خلال الواقع- أنه لا يوجد غيرهما في الساحة السياسية، تبقى موريتانيا مترنحة ما بين حاكم قريب من أولئك، وآخر يؤمن بما تؤمن به القوى الشابة لكنه لا يعرف "مفاتيح" طريق "النبلاء".
المظاهر الاقتصادية
لا يمكن لحامل أي مشروع التفكير في أبسط الأهداف الصغيرة دون أن يكون في ذهنه العامل الاقتصادي باعتباره وقود الحركة، وضامن استمراريتها، وقد كان الاقتصاد المتضرر الأكبر من الأزمة، فالاقتصاد الوطني الآن – دون الرجوع إلى تقارير طرف معيّن – يشهد أقوى ركود له منذ أيام الجفاف في العام 1973م، ويكفينا أن ننظر في المساعدات والالتزامات التي أثرت عليها الأزمة بقطعها أو تأجيلها، كما أن المعيار الأهم في الاقتصاد هو القوة الشرائية للمواطن البسيط، إضافة إلى قيمة العملة المحلية، وهذه الأخيرة تعتبر مؤشرا أكثر من كونها مظهرا للأزمة، لاشتراك عاملي السياسة والاقتصاد في هبوطها وصعودها.
فالمساعدات الأوروبية والأمريكية قطعت بالكامل، ماعدا ما يسمى بالجانب الإنساني منها، والتزامات المجموعة الاستشارية في باريس أجلت في أغلبها، إضافة إلى بعض المشاريع التنموية مثل بناء بعض المدن والفنادق، والمطار الجديد، ويبقى السؤال المهم هو مَن الذي فوضه الشعب الموريتاني ليوقف كل هذه الأعمال التنموية والمصادر الاقتصادية؟ لا أحد عنده جواب يصدقه الآخر فيه!
أما القوة الشرائية للمواطن فهي تحت الحضيض يسومه التجار خسف ارتفاع الأسعار، ويعيش واقعا أمله فيه أن يملك قوت يومه، في الوقت الذي يوجد فيه أفراد قليلون منه متخمون بالثراء الفاحش، مجهول الأصل، أما العملة الوطنية فرغم التحسن الواضح الذي شهدته خلال فترة " الاستقرار السياسي"، فإنها ما لبثت أن تهاوت "كدُليٍّ خان ماتحَها أشطانُها"، فقبل الأزمة كان الدولار الأمريكي يود حامله لو وجد فيه 220 أوقية، أما اليوم فلا يبالي باعه لفلان أو علان، ثمنه يزاحم الثلاثمائة، وقد يصلها قبل انتهاء كتابة هذه الأحرف.
المظاهر السياسية
ولأن السياسة هي المؤشر الحقيق على التوافق والاختلاف، فقد ظهرت الأزمة فيها بشكل واضح، إذ لا تعتبر أكثر من فضاء حر لا يقيد إلا أخلاق خولت لصاحبها الدفاع عن المستضعفين ولو لم يكن منهم.
تتلخص المظاهر السياسية للأزمة في انعدام الثقة بين الطرفين، وعدم اقتناعهم بأنهم خصوم يدافعون عن حقوق الغير الذي وكلهم – عرفا أو قهرا -، وليسوا أعداء يهدرون حق الغير من أجل تسجيل نقطة لصالحهم، أو يفشلون أخرى للطرف الثاني.
من مظاهر الأزمة تغير مواقع بعض الأشخاص الذين عُهدوا في هذا الطرف أو ذك، لاعتبارات عدة من أهمها الخلاف " الشخصي" مع الصديق القديم، والتحالف " الظرفي" مع العدو العتيد.
مآلات الأزمة
لا أحد بما في ذلك بعض قادة الأغلبية العسكرية يقول بأن الأمور يمكن أن تستمر على هذا الموضع/ الشلل، ولكن الطرفين يختلفان في تفسير الحل الذي سيخرج من الأزمة.
والآن وقد هدأ غبار المسيرا ت والمسيرات المضادة بفعل السلاح والتبعية الإدارة للقرار الأمني – كما يزعمون – أرى أن أمام الأزمة السياسية في موريتانيا ثلاث احتمالات لا رابع لها، واحد يملكه الطرفان، ووهو صميم مصلحة موريتانيا، وواحد يملكه طرف واحد، وهو مصلحة ظرفية، وواحد لا يملكه أي من الطرفين الظاهرين في الساحة السياسية، وهو صميم الخطر على موريتانيا وأمنها، فالأول الوفاق، وإن كان هامش إمكانيته بدأ يضيق، والثاني الاعتصام من قبل الطرف الرافض للانقلاب، والثالث انقلاب لن يكون مثل سابقيه في الهدوء ولانسيابية.
فمتى يفهم الطرفان أن مصالحهم جميعا هي في الوفاق، لا غير، وأنهم غير معنيين بقول الشاعر:
كلانا غني عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا
لا يماري أحد في وجود أزمة سياسية خانقة تعيشها موريتانيا الغالية، لها ما بعدها، ومن الفضول في نظر الساسة والإعلاميين وحتى لدى بعض العامة التدليل عليها بمظاهرها.
لكن التذكير بتلك المظاهر ربما يعتبر نوعا من التشخيص التقريبي لأزمة لا صوت يعلوا فوق صوتها المتشنج.
أحاول في الأسطر التالية أن أشخص المظاهر السلبية للأزمة السياسية التي تعصف بموريتانيا والتي وصفها بعض قادة "الأغلبية العسكرية" بمعركة الاستقلال الثانية، متطرقا إلى جوانب الأزمة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والمآلات التي يمكن أن تضع لها حدا أو تفتح لها آفاقا – لا قدر الله -.
المظاهر الاجتماعية
يرجع كثير من الباحثين المحايدين – وما أقلهم – جذور الأزمة السياسية إلى صراع في الأفكار، والمصالح، والمواقع، بين طرفين أساسيين وصلوا مرحلة "توازن الرعب" في موريتانيا، أحدهما، وتمثله المعارضة التقليدية، يتبنى رؤى حداثية للتسيير والمواطنة والديمقراطية والحرية، بينما يرى الطرف الآخر، المكون أساسا من زعامات تقليدية وتجار لهم تاريخ طويل في "صنع الزعامات" المحلية، يرى هذا الطرف أن النظام الذي سارت عليه موريتانيا خلال 50 سنة هو الأفضل، ويحتج ب"خصوصية" موريتانيا و"بداوتها"، ومع كل الطرفين غاضبون من الطرف الآخر لا ينتمون إليه بالضرورة.
فالصراع إذا في جوهره هو صراع اجتماعي بامتياز بين طبقة "النبلاء" والقوة الشابة ذات البرامج "المستوردة"، ويمكن للقوى "الشابة" أن تستسيغ الهزيمة، بل والتنكيل بقادتها، في الماضي، أما اليوم، فترى أن ذلك – بسبب حضورها السياسي المعتبر – غير ممكن، ومن أجل ذلك فهي تدافع بكل ما تملك حتى لا تفقد ما اكتسبته من نضال طويل وشاق.
في المقابل ترى طبقة "النبلاء" أنها إذا لم تظهر بمظهر الممسك بكل المفاتيح فإنها ستسقط أمام الجيل الجديد الهادر، لا سيما وأنه أوشك على إسقاطها في آخر انتخابات برلمانية ورئاسية على حدٍّ سواء.
وبين الطرفين الذيْن يبدوا – من خلال الواقع- أنه لا يوجد غيرهما في الساحة السياسية، تبقى موريتانيا مترنحة ما بين حاكم قريب من أولئك، وآخر يؤمن بما تؤمن به القوى الشابة لكنه لا يعرف "مفاتيح" طريق "النبلاء".
المظاهر الاقتصادية
لا يمكن لحامل أي مشروع التفكير في أبسط الأهداف الصغيرة دون أن يكون في ذهنه العامل الاقتصادي باعتباره وقود الحركة، وضامن استمراريتها، وقد كان الاقتصاد المتضرر الأكبر من الأزمة، فالاقتصاد الوطني الآن – دون الرجوع إلى تقارير طرف معيّن – يشهد أقوى ركود له منذ أيام الجفاف في العام 1973م، ويكفينا أن ننظر في المساعدات والالتزامات التي أثرت عليها الأزمة بقطعها أو تأجيلها، كما أن المعيار الأهم في الاقتصاد هو القوة الشرائية للمواطن البسيط، إضافة إلى قيمة العملة المحلية، وهذه الأخيرة تعتبر مؤشرا أكثر من كونها مظهرا للأزمة، لاشتراك عاملي السياسة والاقتصاد في هبوطها وصعودها.
فالمساعدات الأوروبية والأمريكية قطعت بالكامل، ماعدا ما يسمى بالجانب الإنساني منها، والتزامات المجموعة الاستشارية في باريس أجلت في أغلبها، إضافة إلى بعض المشاريع التنموية مثل بناء بعض المدن والفنادق، والمطار الجديد، ويبقى السؤال المهم هو مَن الذي فوضه الشعب الموريتاني ليوقف كل هذه الأعمال التنموية والمصادر الاقتصادية؟ لا أحد عنده جواب يصدقه الآخر فيه!
أما القوة الشرائية للمواطن فهي تحت الحضيض يسومه التجار خسف ارتفاع الأسعار، ويعيش واقعا أمله فيه أن يملك قوت يومه، في الوقت الذي يوجد فيه أفراد قليلون منه متخمون بالثراء الفاحش، مجهول الأصل، أما العملة الوطنية فرغم التحسن الواضح الذي شهدته خلال فترة " الاستقرار السياسي"، فإنها ما لبثت أن تهاوت "كدُليٍّ خان ماتحَها أشطانُها"، فقبل الأزمة كان الدولار الأمريكي يود حامله لو وجد فيه 220 أوقية، أما اليوم فلا يبالي باعه لفلان أو علان، ثمنه يزاحم الثلاثمائة، وقد يصلها قبل انتهاء كتابة هذه الأحرف.
المظاهر السياسية
ولأن السياسة هي المؤشر الحقيق على التوافق والاختلاف، فقد ظهرت الأزمة فيها بشكل واضح، إذ لا تعتبر أكثر من فضاء حر لا يقيد إلا أخلاق خولت لصاحبها الدفاع عن المستضعفين ولو لم يكن منهم.
تتلخص المظاهر السياسية للأزمة في انعدام الثقة بين الطرفين، وعدم اقتناعهم بأنهم خصوم يدافعون عن حقوق الغير الذي وكلهم – عرفا أو قهرا -، وليسوا أعداء يهدرون حق الغير من أجل تسجيل نقطة لصالحهم، أو يفشلون أخرى للطرف الثاني.
من مظاهر الأزمة تغير مواقع بعض الأشخاص الذين عُهدوا في هذا الطرف أو ذك، لاعتبارات عدة من أهمها الخلاف " الشخصي" مع الصديق القديم، والتحالف " الظرفي" مع العدو العتيد.
مآلات الأزمة
لا أحد بما في ذلك بعض قادة الأغلبية العسكرية يقول بأن الأمور يمكن أن تستمر على هذا الموضع/ الشلل، ولكن الطرفين يختلفان في تفسير الحل الذي سيخرج من الأزمة.
والآن وقد هدأ غبار المسيرا ت والمسيرات المضادة بفعل السلاح والتبعية الإدارة للقرار الأمني – كما يزعمون – أرى أن أمام الأزمة السياسية في موريتانيا ثلاث احتمالات لا رابع لها، واحد يملكه الطرفان، ووهو صميم مصلحة موريتانيا، وواحد يملكه طرف واحد، وهو مصلحة ظرفية، وواحد لا يملكه أي من الطرفين الظاهرين في الساحة السياسية، وهو صميم الخطر على موريتانيا وأمنها، فالأول الوفاق، وإن كان هامش إمكانيته بدأ يضيق، والثاني الاعتصام من قبل الطرف الرافض للانقلاب، والثالث انقلاب لن يكون مثل سابقيه في الهدوء ولانسيابية.
فمتى يفهم الطرفان أن مصالحهم جميعا هي في الوفاق، لا غير، وأنهم غير معنيين بقول الشاعر:
كلانا غني عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا







