تاريخ الإضافة : 28.04.2009 17:41
أطلال العاصمة
محمد عبد الله بن الشيباني
لا أدري .. كلمة أكرهها إلى حد الارتياع لأسباب حديثية \"برزخية\" حين يجري ذكر البخاري وأسانيده، وفي ذلك الشعور شيء من كراهة الاعتراف بالجهل وإحراج الموقف.. وهي كذلك كلمة أكبرها وأجلها لأسباب فقهية حين يجري ذكر مالك وطريقته في الفتوى.
لكني قلتها اليوم دون كراهة ولا إجلال.. في لحظة إغفاءة يقظان حين أغمضت عيني ثم فتحتهما دون أن يبصرني النظر أو يحجبني الإغماض.
\" لا أدري هل يولد المرء شاعرا حتى تـُـقسِيه الحياة و تجتاله الطبيعة عن هذا المهيع المشرع، أم يولد خامد الشعور متبلِّد الإحساس حتى يتاح له من عاديات الزمن أو ابتسام الحياة \"الحلوة الخضرة\" ما يبكيه على حين غفلة أو يضحكه رغم جهامة حظ\"
أحمد بن حنبل وصف يوما شعورا مهيبا حين نظر في المرءاة فرأى شيب رأسه فقال:\"ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في يدي ثم سقط\" لا أدري أيضا هل استقصت تلك الكلمات شعور الإمام بيد أنها استطاعت أن تنقل لنا شيئا من صدق العاطفة أو بلاغة الصدق.. نظرة أحمد في المرءاة لم يشك معها أن شيئا كان في يده ثم سقط أما أنا -يوم قلت لا أدري تلك - حين نظرت في مرءاة الأرض العراء التي تصدؤها أطلال بنايات \"بلوكات\" لم يستطع تكراري للنظر أن يبصرني أمام توالي الذكريات هل أنا أمام شيء لم يكن في يدي ثم سقط أو أمام شيء كان في يدي فعلا ثم سقط.
لا أفهم كثيرا في طريقة عمل الدماغ وازدواجية الشعور لكن دعوني أتصور أن توالي منبهات عالية التوتر على المركز يحدث تلك الحالة وهو أمر يشهد له حتى آخر إصدارات الكومبيوتر حين تستقبل عدة أوامر في آن واحد.
منبهات ذلك اليوم كانت عالية التأثير يوم وقفت مندهشا ثم اقتربت منجذبا إلى أطلال – نعم أطلال وإن كانت وسط العاصمة \" مقهى أنترنت\" أولى الأثافي التي أبصرت في الركام.. رجال يتعاركون على حديد قالوا من زمن ما قبل الغش الاقتصادي قفزُ أحدِهم في الركام المنهار ونجاته سالما بأعجوبة فهمت معها أن \" طبيعة اللحظة \" لا تتجاوز الأحكام الشرعية فقط كما قالت \" فتاة القطب الجنوبي في فتواهاالشهيرة بل تتجاوز الأحكام الكونية العادية أيضا.
يذكر الذين قاربوا الموت و بعض من أجريت لهم عمليات جراحية أن شريطا مر عليهم يعرض تفاصيل حياتهم حتى لقطاتها التافهة.. وقد يكون وقع لي شيء من ذلك مع فارق بسيط هو أن مما استعدت ذلك اليوم أحداثا لا علاقة لها بحياتي ولا بحياة تلك الدور ولا ساكنيها.
وقبل أن أدلف من هذا الشعور إلى تلك المنبهات- أذكر أني قد جربت هذا الشعور من قبل – حين توفي جدي محمد الأفضل- كان على جوانب البيت الداخلية الأربعة ملخصات مكتوبة بالفحم في متشابهات ألفاظ القرءان يستعين بها في الحفظ دون أن يفتح المصحف .. و حين تحمس أحدهم لطلاء البيت كنا جميعا ضد الفكرة وبدون تنسيق وما كنت أحسب الفكرة قابلة للتنفيذ وحين عدت يوما من الإعدادية و وجدت تلك الكلمات اختفت إلى الأبد شعرت كأني أشاهد موت جدي من جديد.
إنها الذكريات حين يتعلق بها الناس عوضا عن المفقود أو يسلوا بها الحزين، فتصبح ظلا موجودا للمفقود و مع العهد وتقادمه تصبح المفقود نفسه في نفوسهم.
منبهات ذلك اليوم كانت صورا من حياة أهل \"بلوكات\" أولها - والحق يقال- قرءان يسمع من بيوت مرتلا بالصفة والمخرج، على حين كانت أغان تنبعث و دخان سيجارة و أضواء كهرباء من أخرى وفي أخرى كانت ترتسم أفلام و نشرات على شاشات التلفاز في بيوت ضافها من نكهة الشاي ودوراته مثل ما ضاف كل البيوت الموريتانية.
حكم الموقع وطبيعة السكان والبيوت الموريتانية يجعلني أجزم أني لست وحدي من يذكر تلك الحياة ، بل أكثر من دخل أقسام الباكلوريا في التسعينات ، دخلوا تلك البنايات مراجعة مع زميل أو إعارة لمراجع أو قيلولة عند قريب أو مبيتا عند صديق.
ثلاث منبهات فقط وسأطوي ذكر غيرها.. أولها مع توالي صور نادبي الأطلال من الشعراء الأقدمين.. \"حين انتبهت وردائي فوق رأسي \" بعد أن توهمت آيات لها \" عشية مالي حيلة – في رد تلك الذكريات- غير أنني بلقط الحصى والترب في الدار مولع\" لكني لن ألوم شاعرا ندب الأطلال بعد اليوم ولن أتهمه بتزوير الشعور أو استصحابه \" فقد \" اتفقت الأحوال فلا غرابة أن تتفق الأقوال.
نقلني المنبه الثاني وأنا أرى الجرافات تسوي آخر تلك البنايات إلى مشاهد تدمير المنازل في فلسطين فلمست مظلمتهم بالشعور وكنت ألمسها بمجرد العقل والعاطفة وفهمت كذلك ذلك البحث العبثي بين الركام عن صورة أو لعبة طفل مات كنت أقول – تصبر و تزغرد أم ثكلى- على موت ابنها ثم تحرص مثل هذا الحرص على قطعة قماش و صورة حائط نعم هو بحث عبثي لازلت أعتقد ذلك لكنه عبثي وجداني عميق.
وحين عبرت ببصري الشارع الرئيسي شمال أطلال العاصمة.. لمحت على الجانب الآخر مقاعد كنا نجلس منها للسمع فيكون سماعنا أدبا ونكتا حين يمضي ثلث الليل الأول ..كنت رابع ثلاثة شتتهم أيدي النوى بين(دمشق والمغرب وكندا والسنغال) بعد ذلك كانوا ينادون يومها ( بلبلاَّه.. محمدو.. محمد يحظيه.. عبد الله) وكانوا هناك ليلة من الأسبوع أو بعضهم على الأقل حتى في أيام اشتداد وطأة منظمة \"دخَّلْ ش\"
واحد من الأربعة وقف يوما فيما بين البلوك الخامس مما يلي الشارع الرئيسي تحت ظلال أشجار سميت يوما \" بمحطة الباصات\" ليكون بقصيدة تحمل نفس العنوان أكثرنا شاعرية وشعرا لكنه سافر للمغرب فما إخاله اليوم يميز بين بسيط وطويل من الشعر لكني على ثقة أنه حين يقف اليوم على أطلال حياته السابقة \" حيث حفظ القرءان وروض الشعر\" فسينطق بأحسن من قوله
سقت ساريات توجنين جميـعا إلى عرفات فالرياض هواطل
بلاد عهـدناها بلاد سـعــادة يدار بها كأس المنى يتبــادل
زمانا مضى يالهف نفسي إليه ما سبيلي إلى استرجاعه والوسائل
ولكن حتى إن شاهد تلك الأطلال فقال فسأبقى رغم ذلك \" لا أدري هل يولد المرء شاعرا حتى تقسيه الحياة وتجتاله الطبيعة عن هذا المهيع المشرع، أم يولد خامد الشعور متبلد الإحساس حتى يتاح له من عاديات الزمن أو ابتسام الحياة \" الحلوة الخضرة\" ما يبكيه على حين غفلة أو يضحكه رغم جهامة حظ\"
لا أدري .. كلمة أكرهها إلى حد الارتياع لأسباب حديثية \"برزخية\" حين يجري ذكر البخاري وأسانيده، وفي ذلك الشعور شيء من كراهة الاعتراف بالجهل وإحراج الموقف.. وهي كذلك كلمة أكبرها وأجلها لأسباب فقهية حين يجري ذكر مالك وطريقته في الفتوى.
لكني قلتها اليوم دون كراهة ولا إجلال.. في لحظة إغفاءة يقظان حين أغمضت عيني ثم فتحتهما دون أن يبصرني النظر أو يحجبني الإغماض.
\" لا أدري هل يولد المرء شاعرا حتى تـُـقسِيه الحياة و تجتاله الطبيعة عن هذا المهيع المشرع، أم يولد خامد الشعور متبلِّد الإحساس حتى يتاح له من عاديات الزمن أو ابتسام الحياة \"الحلوة الخضرة\" ما يبكيه على حين غفلة أو يضحكه رغم جهامة حظ\"
أحمد بن حنبل وصف يوما شعورا مهيبا حين نظر في المرءاة فرأى شيب رأسه فقال:\"ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في يدي ثم سقط\" لا أدري أيضا هل استقصت تلك الكلمات شعور الإمام بيد أنها استطاعت أن تنقل لنا شيئا من صدق العاطفة أو بلاغة الصدق.. نظرة أحمد في المرءاة لم يشك معها أن شيئا كان في يده ثم سقط أما أنا -يوم قلت لا أدري تلك - حين نظرت في مرءاة الأرض العراء التي تصدؤها أطلال بنايات \"بلوكات\" لم يستطع تكراري للنظر أن يبصرني أمام توالي الذكريات هل أنا أمام شيء لم يكن في يدي ثم سقط أو أمام شيء كان في يدي فعلا ثم سقط.
لا أفهم كثيرا في طريقة عمل الدماغ وازدواجية الشعور لكن دعوني أتصور أن توالي منبهات عالية التوتر على المركز يحدث تلك الحالة وهو أمر يشهد له حتى آخر إصدارات الكومبيوتر حين تستقبل عدة أوامر في آن واحد.
منبهات ذلك اليوم كانت عالية التأثير يوم وقفت مندهشا ثم اقتربت منجذبا إلى أطلال – نعم أطلال وإن كانت وسط العاصمة \" مقهى أنترنت\" أولى الأثافي التي أبصرت في الركام.. رجال يتعاركون على حديد قالوا من زمن ما قبل الغش الاقتصادي قفزُ أحدِهم في الركام المنهار ونجاته سالما بأعجوبة فهمت معها أن \" طبيعة اللحظة \" لا تتجاوز الأحكام الشرعية فقط كما قالت \" فتاة القطب الجنوبي في فتواهاالشهيرة بل تتجاوز الأحكام الكونية العادية أيضا.
يذكر الذين قاربوا الموت و بعض من أجريت لهم عمليات جراحية أن شريطا مر عليهم يعرض تفاصيل حياتهم حتى لقطاتها التافهة.. وقد يكون وقع لي شيء من ذلك مع فارق بسيط هو أن مما استعدت ذلك اليوم أحداثا لا علاقة لها بحياتي ولا بحياة تلك الدور ولا ساكنيها.
وقبل أن أدلف من هذا الشعور إلى تلك المنبهات- أذكر أني قد جربت هذا الشعور من قبل – حين توفي جدي محمد الأفضل- كان على جوانب البيت الداخلية الأربعة ملخصات مكتوبة بالفحم في متشابهات ألفاظ القرءان يستعين بها في الحفظ دون أن يفتح المصحف .. و حين تحمس أحدهم لطلاء البيت كنا جميعا ضد الفكرة وبدون تنسيق وما كنت أحسب الفكرة قابلة للتنفيذ وحين عدت يوما من الإعدادية و وجدت تلك الكلمات اختفت إلى الأبد شعرت كأني أشاهد موت جدي من جديد.
إنها الذكريات حين يتعلق بها الناس عوضا عن المفقود أو يسلوا بها الحزين، فتصبح ظلا موجودا للمفقود و مع العهد وتقادمه تصبح المفقود نفسه في نفوسهم.
منبهات ذلك اليوم كانت صورا من حياة أهل \"بلوكات\" أولها - والحق يقال- قرءان يسمع من بيوت مرتلا بالصفة والمخرج، على حين كانت أغان تنبعث و دخان سيجارة و أضواء كهرباء من أخرى وفي أخرى كانت ترتسم أفلام و نشرات على شاشات التلفاز في بيوت ضافها من نكهة الشاي ودوراته مثل ما ضاف كل البيوت الموريتانية.
حكم الموقع وطبيعة السكان والبيوت الموريتانية يجعلني أجزم أني لست وحدي من يذكر تلك الحياة ، بل أكثر من دخل أقسام الباكلوريا في التسعينات ، دخلوا تلك البنايات مراجعة مع زميل أو إعارة لمراجع أو قيلولة عند قريب أو مبيتا عند صديق.
ثلاث منبهات فقط وسأطوي ذكر غيرها.. أولها مع توالي صور نادبي الأطلال من الشعراء الأقدمين.. \"حين انتبهت وردائي فوق رأسي \" بعد أن توهمت آيات لها \" عشية مالي حيلة – في رد تلك الذكريات- غير أنني بلقط الحصى والترب في الدار مولع\" لكني لن ألوم شاعرا ندب الأطلال بعد اليوم ولن أتهمه بتزوير الشعور أو استصحابه \" فقد \" اتفقت الأحوال فلا غرابة أن تتفق الأقوال.
نقلني المنبه الثاني وأنا أرى الجرافات تسوي آخر تلك البنايات إلى مشاهد تدمير المنازل في فلسطين فلمست مظلمتهم بالشعور وكنت ألمسها بمجرد العقل والعاطفة وفهمت كذلك ذلك البحث العبثي بين الركام عن صورة أو لعبة طفل مات كنت أقول – تصبر و تزغرد أم ثكلى- على موت ابنها ثم تحرص مثل هذا الحرص على قطعة قماش و صورة حائط نعم هو بحث عبثي لازلت أعتقد ذلك لكنه عبثي وجداني عميق.
وحين عبرت ببصري الشارع الرئيسي شمال أطلال العاصمة.. لمحت على الجانب الآخر مقاعد كنا نجلس منها للسمع فيكون سماعنا أدبا ونكتا حين يمضي ثلث الليل الأول ..كنت رابع ثلاثة شتتهم أيدي النوى بين(دمشق والمغرب وكندا والسنغال) بعد ذلك كانوا ينادون يومها ( بلبلاَّه.. محمدو.. محمد يحظيه.. عبد الله) وكانوا هناك ليلة من الأسبوع أو بعضهم على الأقل حتى في أيام اشتداد وطأة منظمة \"دخَّلْ ش\"
واحد من الأربعة وقف يوما فيما بين البلوك الخامس مما يلي الشارع الرئيسي تحت ظلال أشجار سميت يوما \" بمحطة الباصات\" ليكون بقصيدة تحمل نفس العنوان أكثرنا شاعرية وشعرا لكنه سافر للمغرب فما إخاله اليوم يميز بين بسيط وطويل من الشعر لكني على ثقة أنه حين يقف اليوم على أطلال حياته السابقة \" حيث حفظ القرءان وروض الشعر\" فسينطق بأحسن من قوله
سقت ساريات توجنين جميـعا إلى عرفات فالرياض هواطل
بلاد عهـدناها بلاد سـعــادة يدار بها كأس المنى يتبــادل
زمانا مضى يالهف نفسي إليه ما سبيلي إلى استرجاعه والوسائل
ولكن حتى إن شاهد تلك الأطلال فقال فسأبقى رغم ذلك \" لا أدري هل يولد المرء شاعرا حتى تقسيه الحياة وتجتاله الطبيعة عن هذا المهيع المشرع، أم يولد خامد الشعور متبلد الإحساس حتى يتاح له من عاديات الزمن أو ابتسام الحياة \" الحلوة الخضرة\" ما يبكيه على حين غفلة أو يضحكه رغم جهامة حظ\"







