تاريخ الإضافة : 28.04.2009 13:13

موريتانيا القديمة في طريق العودة

بقلم : محمد ولد أحمد الكريم

بقلم : محمد ولد أحمد الكريم

بقلم : محمد ولد أحمد الكريم

تملكني العجب و أنا اقرأ مقالا للكاتب أحمد ولد هارون ولد الشيخ سيديا يتساءل فيه عن إمكانية ميلاد موريتانيا جديدة علي يد هذا الضابط الذي استولي علي السلطة بالقوة و أطاح برئيس منتخب استوفي كل الشروط –الشكلية علي الأقل-للشرعية و ممارسة السلطة ، و كلما عرف عن هذا الرئيس خلال فترة حكمه القصيرة و المليئة بالمشاغبات و الزوابع المفتعلة من كل نوع أنه صادق و واقعي و متواضع و يحظي بثقة المانحين و الشركاء الاقتصاديين و هو مرن مع القوي السياسية في البلد موالاة و معارضة علي حد السواء،لكن يأخذ عليه البعض أنه طيب أكثر من اللازم .

انطلاقا من كل هذه الحقائق التي لا أعتقد أن في موريتانيا من نسيها بعد كيف يكمن للمرء أن يتصور ميلاد موريتانيا جديدة عنوانها العدل و التنمية و البناء من رحم نظام ما زال همه الأكبر منذ تسعة أشهر تشريع نفسه في الداخل و الخارج ولم ينجح في ذلك حتي الآن رغم ما بذل من جهود.
و هو تكريس حقيقي بالنظر إلي مكوناته و تاريخه للنظام الموريتاني القديم الذي بلوناه لأزيد من ثلاثة عقود و لا تزال نتائجه الوخيمة جاثمة علي البلد و ماثلة للعيان ومن أخطرها تخريب عقلية المواطن الموريتاني و ترويضها علي التزلف و الطمع و الخوف و التضليل و الاستسلام لعدم واقعية التغيير و الإصلاح .
نظام يقوده عسكر ملهمون و مشفقون و مخلصون –بزعمهم-ومع ذلك يتشبثون بالكراسي حتي الرمق الأخير و يتعاملون مع غيرهم بعقلية "ما أريكم إلا ما أري و ما أهديكم إلا سبيل الرشاد" و من ليس معنا فهو فهو عدو للوطن و فاسد بالضرورة .
أما الشق المدني لهذا النظام فهم مستثمرو ن سياسيون كانوا جزءا من الماضي كما هم من الحاضر ، و هم يحملون ألقابا و تصنيفات "ديمقراطية" مثل رؤساء أحزاب و نواب و شيوخ و عمد و مستشارين بلدين ، أما الذين خرجوا دائرة التصنيفات فأبتكر لهم تصنيف جديد "موريتانيا الأعماق" أو كما قال مرة رئيس البرلمان الموريتاني ساخرا من التسمية بل موريتانيا النفاق.إلا أن أصحاب كل هذه التصنيفات يتنكرون للديمقراطية كلما طلب منهم ذلك ،فهم يرون في اختطاف رئيس الجمهورية في وضح النهار حركة تصحيحية رغم ما في ذلك من خروج واضح علي دولة المؤسسات و خطر علي البلد و إهانة للشعب و الدستور .كما يرون في قمع تظاهرات و مسيرات سلمية معارضة يتقدمها منتخبون و ساسة و مسؤولون نوعا من فرض الأمن و النظام العام ، بل و يصف بعضهم زملائه من ممثلي الشعب بالغوغاء و الدهماء و العامة.....
كما يقرؤون في كرنفالات الداخل التي يقوم بها الجنرال و السائرون في فلكه و التي تكلف خزينة الدولة أعباء كبيرة و تبدد فيها الكثير من موارد هذا البد الشحيحة للدعاية و التأييد لمرشح وحيد نوعا من استجلاء و استكشاف هموم المواطنين و تقريب الإدارة منهم و محاولة جادة لحل مشاكلهم.
أما التغييب الممنهج للقوي الحية المنافحة داخل هذا المجتمع من أجل الديمقراطية و العدل و المساواة و التقدم و اكتتاب مؤتمرين من الأعماق و الأسواق في مشهد استعراضي مكشوف فهم يشهدون انه عمل ديمقراطي و شفاف وافق عليه 85% من الشعب الموريتاني المغلوب علي أمره.
لكن الممانعة و المعارضة الفعلية تطل برأسها من بين هؤلاء ، عندما يتعلق الأمر بالمحاصصة الوظيفية أو بتوزيع المرافق و المشاريع و عائدات التصفيق و التطبيل و المساندة.و لعل في الخلاف حول تجديد ثلث أعضاء مجلس الشيوخ خير شاهد و ما ترتب عن الخلاف من تأجيل و ترضية ، خوفا من تأثير التعجيل أو علي الأصح تفعيل النصوص علي ترشح الجنرال .
فأي جناحي هذا النظام مؤهل أو قادر علي الاضطلاع بموريتانيا التي يتساءل عنها الكاتب و يريدها أبناؤها بلدا آمنا مستقرا يعيش في سلام و وئام و يسير في الطريق الصحيح للتنمية و الازدهار بخطي متوازنة و حثيثة، ألم يرفع الضابط المذكور أو لما رفع شعار محاربة الفساد و المفسدين؟ طبعا هذا شرط أولي في أي تصحيح حقيقي و جاد و هو محل إجماع من كل الفرقاء الموريتانيين لكن الذهن الجمعي الوطني عند الحديث عن الفساد و رموزه لم ينصرف أولا إلي رئيس الوزراء و رفاقه المسجونين ، بل أنه سيتذكر بامتعاض كل الذين جثموا علي صدره لعقود و هل يختلف هذا الشعار عن شعار الكتاب و محو الأمية و عودة الأطر ......
و من هنا يمكن القول أن موريتانيا التي بشر و يبشر بها الجنرال و يسعي لها مؤيدو "حركة التصحيح " لا تختلف عن موريتانيا القديمة إلا في تفاصيل و جزئيات ما تفرزه المرحلة الحالية من تداعيات اقتصادية و اجتماعية و أمنية و سياسية تضاف للمشهد الموريتاني المنهك أصلا ، وهي بالتأكيد استمرار لموريتانيا التخلف و الاستبداد و القمع و الفساد و تردي الأوضاع مثل كل التجارب العسكرية السابقة إلا ما كان في الفترة الانتقالية السابقة من شفافية و حرية يشوبها استحياء ، و تمليها ظروف معينة عابرة، و لعل معطيات و أحداث الأسبوع الفارط تحدد ملامح ذلك المستقبل المتوقع أو المجهول من عمليات سطو ،و حرق لبعض السيارات و مشاهدة مروحيات و طائرات تستبيح أرض بلاد السيبة ، و تدني سعر الأوقية مقابل العملات الأجنبية بشكل ملحوظ و يومي و الحديث عن عجز البنك المركزي عن توفير متطلبات السوق من العملات الصعبة.....
ومن وجهة نظري فإن مشروع موريتانيا الحديثة التي يحلم بها أبناؤها بلدا ديمقراطيا ينعم بالحرية و العدل و الأمن و تدار موارده بنزاهة و شفافية و ينمو بخطي واضحة و مدروسة هو ما لم يرق للبعض لتبدأ مضايقته ثم الإجهاز عليه يوم 06/08/2008 قبل أن يري النور.

وأولي لبنات هذا المشروع هو رئيس منتخب لا يدعي ملكية الحق المطلق و لا معرفته و لا الوصاية علي البلد ، رئيس لا يري أنه أكثر وطنية أو نضجا أو إخلاصا من كل المواطنين .قادر علي أن يخاطب العالم بلغة يفهمها و يقتنع بها ، مستعد لاستيعاب الداخل بما يضمن مشاركة الجميع و التفافه حول برنامج النهوض بالبلد و الرفع من مستواه. و رغم كل ما حدث فلأمل ما يزال قائما و لا بديل أمام الشعب الموريتاني سوي مواصلة النضال السلمي لاستعادة الشرعية و صيانة المكتسبات و حينها يمكن الحديث عن موريتانيا جديدة و مختلفة.
لكن لا أحد يعرف بالتحديد كم سيتطلب ذلك من الوقت و الجهد و التضحيات فما دام في بلادنا ضباط يقدمون المناصب الصغيرة علي المكتسبات الكبرى للوطن و الأمة و يحتقرون خيارات الشعب و يحتكرون لأنفسهم حق التقرير نيابة عنه ، و مادام فيها ساسة جاهزون و مستعدون للتصفيق و التطبيل و التنفيذ مقابل محاصصة أو مقاسمة أو امتياز فلم يكون طريق الإصلاح و البناء و التعمير سالكا أو مفروشا بالورود.
و ستظل مقومات التغيير المنشود من انتكاسة إلي أخري حتي يقضي الله أمرا كان مفعولا.

الرياضة

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026