تاريخ الإضافة : 27.04.2009 14:48

على هامش السداسيات.. للمواطن صوتان مختلفان!

بقلم/ محمد محفوظ ولد أحمد
mahfuzouldahmed@gmail.com

كان هناك إجماع وطني لا سابق له على الترحيب بانقلاب 3 أغسطس 2005، الذي قاد بنجاح وسلاسة وهدوء، إلى إنهاء حكم الرئيس السابق معاوية ولد الطائع؛ بعد أن ترنح وطفق يهوي من تلقاء نفسه بسبب تفاعل الفساد والظلم والفشل.. والمعارضة القوية.
لكن ما توج هذا الإسقاط أو السقوط كان الأسلوب الراقي الذي ابتدعه قادة ذلك الانقلاب وأبدوا فيه الرغبة والوعد بتأسيس عهد ديمقراطي كامل العدة، وقطع دابر اختطاف السلطة بالانقلابات، أو باحتكارها عبر إعادة الانتخاب إلى ما لا نهاية..
شعر جميع الموريتانيين خلال وبعد انتخابات 2007 أن لتلك الحركة قدرا كبيرا من الجدية والمصداقية، رغم النواقص والمآخذ التي لا مناص منها، ورغم القَدم الثابتة لأصحابها في استمرار النظام الذي أطلقوا عليه "رصاصة الرحمة". بل كان هناك زهو واضح وافتخار وتفاؤل بهذه التجربة، وإن تتالت فيما بعد ذلك مشاكل وأخطاء وعثرات من كل صوب (حتى ردها البعض للطالع والحظ!). غير أن أي عاقل مدرك لخطورة ما جرَّته عسكرة الحكم، لا يشك في أن البلد كان قد أخذ ـ حينئذ ـ سواء السبيل بعد ذلك التيه الطويل.
في النهاية لم تكتمل الصورة الوردية لموريتانيا الديمقراطية، وبتنا مدينين بالاعتذار لمحمد حسنين هيكل ومعمر القذافي.. وغيرهما من الذين استكثروا تلك الصورة الجميلة على "المنكب البرزخي" وساكنيه البداة، وفسروها ـ كل بطريقته ـ باللَّقطة اللا واقعية!
أجل، لقد ارتد كل شيء، بطريقة النوابض الحديدية، إلى ما كان عليه؛ إلى نظام الثنائية الأزلية القائم على سلطة شخصية مطلقة، تمجدها "نخب" من رخويات المجتمع التي تتبادل الأدوار وتتعاقب على امتصاص عروق الدولة العجفاء.
هذه النخب المكونة من غلمان البلاط ووجوهٍ محنطة حلبت الدهر بشطريه، الحقيقي والافتراضي، تتلون وتغير جلودها داخل طاحونة هائلة من الشخصيات القبلية الصدئة والأحزاب المجهرية والمنظمات الأهلية الصورية والمؤسسات الوهمية..
وهذه الطاحونة، القادرة على الدوران في كل الاتجاهات، تلعب دور أداة التنويم المغناطيسي لكل حاكم مصاب بنقص الكفاءة أو عقدة الشرعية ـ والأكثر اجتماعهما له ـ حتى لا يرى أقرب منها ولا أفضل لدواء علله وتتميم نقصه.. فلا يلبث أن يتخذها مقياس حكمه ومناط إنجازاته العظيمة.. فهي وحدها الشعب والشعب هو هي، مثلما أن الحاكم هو وحده الدولة والدولة هي هو..!
لم تأت هذه الثنائية المدمرة للوطن صدفة، ولم تعد عارضا مَرَضيا يسهل علاجه. لقد تحولت إلى عاهة دائمة.. ألِفَها ساكنوه وفقدوا كل إحساس بخطرها الماحق، وكل نفور من قبحها البشع.. بل يوشك دوران تلك الطاحونة الهائلة في اتجاهات تعاكس نواميس الكون أحيانا.. أن يقنع العالم كله بأن موريتانيا ليست سوى ذلك البلد "المعجزة".. الذي يسبح خارج مدارات الزمن ومسارات العقل. البلد الذي يتشدق رؤساؤه ووزراؤه في المحافل الدولية، ويصدح إعلامه الرسمي عبر الأثير بالإنجازات العملاقة والآيات الحضارية الباهرة.. حتى إذا جاءه الزائر لا يجد في عاصمته دورة مياه لقضاء حاجته الطبيعية، قبل أن ينجلي له أن شوارعها وأسواقها ومبانيها الرسمية.. هي مراحيض بغير مياه ولا صرف!
غير أنها إذا كانت العاصمة الوحيدة في العالم التي لا يوجد بها صرف صحي، فلقد سبقت غيرها من العواصم الحديثة إلى الشيخوخة والاضمحلال.. حيث يمكن الآن للأركولوجيين أن يعثروا بعد الحفر في أوساطها الحضرية على طرق معبدة مطمورة تحت الرمال، وعلى آثار وأطلال لمعامل ومؤسسات حديثة أفلست واندثرت!!
وبالرجوع إلى حدث 6 أغسطس 2008 الكبير وما أعقبه، تظهر بجلاء عودة تلك القسمة الثنائية الضيزى. وسوف تظهر حتما إذا ما حظي أي نظام وطني بصدقية مرجعيتها الدستور والقانون وشرعيتها من الشعب لا من القوة القهرية.
إن الأمر ببساطة هو تعارض مصالح الشعب مع مصالح "سادة" الشعب.. سواء أكانوا السيد الأول (الرئيس)، الذي خلقه الله ليحكم البلاد وألهمه ـ فجأة دون أي إرهاصات ـ من الحكمة والكمال ما يفيض عن ذلك، أم كانوا السادة "الملأ"، الذين خلق الله خيرات البلد وسلطان الدولة وطاقات الشعب نفسه.. خالصة لهم يتنازعونها ولا يُنازعون فيها.
وهكذا فقد كان في طليعة مؤيدي الانقلاب العسكري والتصرف المباشر في الدستور، الأكثرون من المنتخبين ورؤساء سائر الأحزاب الهزيلة، وطوابير متناسخة من المنظمات والمبادرات الشخصية، بالإضافة طبعا إلى النصيب المعلوم من الأئمة والفقهاء، الذين يبيحون خروج السلطان على السلطان (مع أن لكل منهما جندا مسلحا) ويُحرمون خروج العباد ضد السلطان في مظاهرات سلمية!
وإذا كان كثير من الموريتانيين والأجانب تملكتهم الحيرة والتساؤل عن مبررات كل أولئك، فإن قلة منهم هم من يكترثون الآن بما سوف تكون عليه الصورة النهائية بعد السادس الآخر من هذه السداسيات.. حينما يبدأ توزيع الأجور على المقربين.. فيقضي الرئيس "المنتخب" فترته الرئاسية منشغلا بمتابعة الطاحونة وكيفية تفصيل مناصب ووظائف وإمكانيات الدولة على عناصرها المتكالبة..
لهذا يندر أن تصادف شخصا، في أي مكان، يقبل مناقشة حتمية ذلك اليوم الموعود! لا أحد يريد أن يضيع وقتا في ذلك؛ الكل جازم بالنتيجة نفسها التي نشأت يوم 6 أغسطس 2008 (فوز الجنرال)، وكل شيء سوى ذلك لا يخرج عن زخارف وتفاصيل الماكياج.. حتى المنتخبون المتملقون وسماسرة التأييد والمساندة.. قد أعدوا أوعيتهم ودبغوا بطونهم استعدادا ليوم الزينة!
وعلى هامش حملة التسجيل الانتخابي والحملات، وسائر التفاصيل المضجرة، يتساءل الناس أولو البراءة: ما هو الفرق بين صوت المواطن سنة 2007 وصوته سنة 2009، حتى لو أخذنا في الحسبان قيمة الأرقام التي ستعلن وصدقتيها، في ظل المنافسة المصطنعة على الأقل؟
لكن حتى في هذه الحالة من النزاهة والشفافية وحرية التعبير، والتي تشبه تذكية الميت عند الفقهاء، يبدو السؤال أكثر إلحاحا: لما ذا يكون صوت المواطن سنة 2007 أقل أهمية وأدنى قيمة من صوت نفس المواطن في سنة 2009، هل الفرق يكمن في الزمن أو في الأسلوب (مع افتراضنا أنهما اقتراعان شفافان)؟!
هذه معضلة؛ فإذا كان صوت المواطن الناخب سنة 2007 غير محترم ولا يعبر عن قيمة حقيقية، كما رأينا يوم 6 أغسطس 2008، فمن يضمن أن صوته واختياره يوم 6/6 المقبل سيكون محترما وملزما وذا قيمة تحميه من أن يلغى ويداس في أي وقت بعد ذلك؟
في الديمقراطيات الحقيقية، التي لا نحلم بمثلها، يتوجس المنتخبون خيفة كلما صدر استطلاع للرأي أو اقتراع آخر جديد، خوفا من دلائل تراجع الناخبين عن منح أصواتهم، لدرجة أنهم يقدمون استقالاتهم إذا أظهرت تلك الانتخابات ـ التي قد لا تعنيهم مباشرة ـ ما يدل على تزعزع ثقة الناخب بهم أو بأحزابهم.. أما عندنا فينزع منتخبونا "ثقتهم" من ناخبيهم ويلغُون أصواتهم ليطلبوا منهم ـ في أحسن الأحوال ـ أصواتا مغايرة تؤيد الاتجاه الجديد!
ويبدو أن هذه هي الديمقراطية التي تناسب أيضا قادة مؤسساتنا المكلفة بالسهر على احترام قوانين الجمهورية؛ مثل البرلمان والمجلس الدستوري والمجلس الإسلامي والمحكمة الدستورية.. الخ.
فهذه هيئات وطنية مُتِّعت بإمكانيات مادية ومعنوية كبيرة، ولكنها في كل مرة يُقلب فيها النظام ويُخرق الدستور والقوانين المنبثقة عنه، تصفق، أو تختفي ولا نسمع لها ركزا.. إلى أن يُصدر الحاكم الجديد ـ الذي اقترف تلك الخطايا القانونية ـ أحكامه وشرائعه الخاصة فتبصم عليها، بل يعتصر المسئولون عنها ما اختزنته صدورهم أو مكتباتهم من آسن الفقه والقانون، لتزيين أفكار الحاكم الضحلة ورتق فتوقها الشنيعة الواسعة!!
في النهاية يشعر كثير من الوطنيين بالأسى لعدم وصول رسائلهم الواضحة: لا نؤيد ولد الشيخ عبد الله لكونه هو، ولا نعارض ولد عبد العزيز لكونه هو، بل نريد أن يصل بلدنا الهش إلى لحظة تاريخية لا يتوقع ، بل لا يخاف، فيها حدوث انقلاب عسكري. وكل شيء يهون في سبيل تلك اللحظة التي باتت تماثل ـ في أهميتها وضرورتها ـ لحظة الميلاد والحياة نفسها.
أما إشارات حاكمنا، المنصرف/القادم، المتكررة إلى انتهاء عصر الانقلابات العسكرية، فإنما هي ـ وبفعله هو نفسه ـ أمنية شخصية وهاجس ينطوي على عشرات الانقلابات!.

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026