تاريخ الإضافة : 15.04.2009 12:59

تكانت كل الرموز والمرجعيات تحيل إلى الجنرال

بقلم : بد الفتاح ولد باب


مع عبور السيارة للسهوب والقيعان الفاصلة ما بين صنكرافة ولتفتار ومع تجاوز أغلب الكثبان المهاجرة جنوب المجرية تتراءى على الأفق البعيد هضاب تكانت وسلاسلها الجبلية المرتفعة التي جعلت سكانها وبحسب الكثيرين يترفعون عن ما لا يتناسب والارتفاع المكاني لأرضهم، ورغم أن تلك المظاهر قد ألهمت الشعراء من قبل شعرا يكاد يتقطر رقة وحنانا لا يجاريه إلا دموعهم التي سكبوها هناك بسخاء، فإنها لم تعد اليوم كذلك خصوصا بالنسبة لنا نحن الغرباء عن تلك الهضاب التي تكتسي بالحمرة وتتلفع باللون الداكن المائل نحو الرمادية مما يطفئ جذوة الحماس ويذكي في النفس شعورا بالحزن يشي بالزوال والانقضاء ضمن الإحساس الدرامي للدهرية الرهيبة المشكلة لسطوة الزمان وتحطيمه لكل شيء حتى ولو كان محبوبا وعزيزا وقريبا من الناس، إذ يبتلع في جوفه الذي لا يرحم ذكريات ورموزا لا كالذكريات، رموزا لم يبق منها غير بعض الشخوص التي رحل عنها أصحابها بحثا عن موطن أفضل ضمن رحلة الانتجاع التي لا تعيد لهذه الربوع إلا الذين أفنوا العمر في التطواف وأرادوا فقط أن تضم هذه الربوع رفاتهم وأن تكون موطنهم الأخروي لا الدنيوي.

بين اكليب سيدي أحمد وقصته السيزيفية المحفورة فوق مرتفعات أشتف ورسوم وأطلال ولد الكصري و النصب الكبير الطافح بالدلالة والمجسد لمقتل الطاغية كبولاني تنفتح فضاءات عديدة مذكية روح التساؤل والتأمل خصوصا في ظل الانزياحات العديدة التي فرضتها على الساكنة وحتى على الزوار مقتضيات الزمان وضرورات المكان تلك الضرورات التي دفعت في اتجاه تأويل الرموز تأويلا يجعلها تدعوا إلى الرحيل أو على الأصح الديمومة في التنقل والهجرة.

الانسان إذا في تكانت وجد من خلال التعاطي مع الأحداث المحيطة به فرصة أقامت جدلية خلاقة بينه والمكان، جدلية ترتفع إلى مستوى المشاكلة أو حتى مستوى المساءلة والمعالقة.

فهذا نائب المجرية ولكونها تجمع في تناغم بديع بين الرمال المتحركة والصخور الراسية قد أخذ من الرمال تحركها الذي اعطاها الخصوبة وجعلها تتنج الواحات والزروع عندما تستقر وتبلغ موسم الإنبات ضمن ما يسمى بعملية تشكيل البطاح، فنراه يرحل مع بداية الانقلاب على ولد الطائع نحو ولد داداه ليعود بعد الانتخابات للاستقلالية ومع اشتداد الضغط على سيدي اتصل به محاولا ضمه لصفوفه وانتزاعه من كتيبة النواب إلا أن الانقلاب أربك الوجهة هنا أيضا فعاد للاستقلالية ودعم العسكر وهو في كل ذلك لا يخرج عن دائرة السعي للنهوض بمدينته أنبيكه إذ أن كل التموقعات إنما تصب في اتجاه الوديان المغذية للبطحة الكبرى التي أعادت كتابة تاريخ أغلب جهات المنطقة، وعلى نفس الدرب سار ولد عبدي الذي وإن كانت صخور النيملان ولحويطات قد دفعته ذات يوم للتمسك بولد الطائع ظرفيا خصوصا وأنه لا يدري إن كان ما أشيع عن الانقلاب حينها كاميرا خفية تسبر الولاء الذي لا يريده ناقصا إن كان الزعيم لم يبرح المكان، ومع تبين الحقيقة المرعبة التي تتمثل في رحيل الرجل فلم يشأ ولد عبدي تبعا لمبدئيته وصلابة مجاوريه من الصخور أن يغير جلده بين عشية وضحاها فاستمر في الحزب الجمهوري وفاءا لذكرى الزعيم لبعض الوقت ليرحل لاحقا إلى قوى الاصلاح والتغيير ومع انقلاب السادس أغسطس فقد وجد الفرصة سانحة للثأر من موقفه السابق الذي جر عليه الكثير من التهميش فاتصل بعد اقل من ساعة من إعلان الانقلاب بقناة الجزيرة مباركا التغيير واصفا إياه بالمنتظر وبالتصحيحي وهو ما لم تتأخر مكافأته فعين على رأس وكالة ترقية تشغيل الشباب التي مكنته من تعبئة مئات الشباب وعشرات الشيوخ واخلاط من النساء والأطفال وجهوا كلهم باتجاه استقبال الجنرال في تجكجة.
ومع التقدم في اتجاه تجكجة ونحو التخوم المحاذية للرشيد نجد أن أغلب الواجهات السياسية كأهل أج وأهل التار وأهل ديدي وغيرهم قد راوا أن ثبات الصخور في مكانها هو الذي أعطى للجبال الديمومة و حماها من عاتيات الزمن وعليه فيلزم الدوام على دعم الحكم المركزي بغض النظر عن شاغل الكرسي الرئاسي، من هنا فإنهم قد جعلوا من مقدم الجنرال عيدا ينضاف للحظات المؤسسة لتاريخ المدينة.

محمد محمود ولد الحاج ابراهيم المداوم على قراءة مراقي السعود وجد أن تحكيم الأصول والتحرك ضمن ذات المرجعية النظرية لا يمكن أن يحيل إلا إلى موقف داعم للجنرال خصوصا وأن الانحياز للفقراء واعطاء الفرصة لعامة الناس ومحاربة الفساد مصالح مرسلة تدفع للتخندق مع الرجل في هذه المعركة، بغض النظر عن أقوال المغفلين الجامدين الذين لا يفهمون أن الأصول تدفع دوما للتجديد الذي لا يخرج عن الثوابت.

وبالجملة فإن أهل تكانت قد وجدوا كلهم أن التاريخ قد بدأ في تجكجة وأن الجنرال إنما أتى لنفض الغبار عن ذاك التاريخ الذي هم رواده فتقاطروا عليه حتى لا يفوتهم شرف تجديده.

عبد الفتاح ولد باب
كاتب صحفي

الجاليات

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026