تاريخ الإضافة : 07.01.2008 15:23
كينيا والطريق إلى التسوية
سيدي ولد عبد المالك
باحث في الشؤون الإفريقية
sidimalik@yahoo.fr
الطعن في شرعية ومصداقية نتائج الانتخابات عادة متجذرة في قاموس الديمقراطية الإفريقية وقد لا يتوقف الأمر عن الطعن والتشكيك إذ في الغالب ما يصاحب ذلك معارضة شعبية قوية في الشارع تواجه بقمع الشرطة والجيش، هذه الإضطرابات كثييرا ما تكون وليدة تراكمات لاحتقان سياسي داخلي أو وضع اقتصادي معقد بالإضافة إلى عدم مصداقية واستقلالية الهيئات الرسمية الوطنية المشرفة على الانتخابات .
أحداث كينيا الأخيرة – والتي لا تشكل سابقة من ناحية الطعن في مصداقية الانتخابات في البلد- تعد خروجا على العرف الكيني، إذ عرفت كينيا بالاستقرار السياسي ممثلة بذلك حالة استثناء في محيط إقليمي مضطرب ( أوغندا، السودان ، الصومال مثلا). كما أن الوضع السياسي في البلد قبل الانتخابات وأثناء الحملة لم يكن يحمل بوادر الأزمة التي تعصف بكينيا.
التواطؤ والتباطؤ ساهما في تعقيد الأزمة
الأزمة بدأت نذرها عندما اتهمت قوى المعارضة ممثلة في حركة الديمقراطية البرتقالية بزعامة رئيسها رايلا أودينغا الجنة المستقلة للانتخابات بالتباطؤ في فرز الانتخابات وذلك من أجل التحايل على النتائج وتزويرها لصالح منافسه الرئيسي الرئيس كيباكي.، اتهامات رايلا أودينغا للجنة المشرفة على الانتخابات بتبييت نية تزوير الانتخابات أعقبها مباشرة خروج أنصاره للتظاهر ضد التزوير مطالبين بالإعلان عن النتائج، وكانت هذه المظاهرات هي بداية المواجهات بين قوى الأمن وأنصار المعارضة.
غير أن انفجار الأزمة لم يحدث إلا عندما أعلنت اللجنة نجاح الرئيس كيباكي بطريقة تعزز صحة مقولة المعارضة إذ تمت عملية الفرز والتعداد بعيدا عن أعين المراقبين الدوليين الذين شاركوا مختلف مراحل العملية الانتخابية باستثناء مرحلة الفرز. مع إقرارا لجنة بحصول شوائب وثغرات في عملها ، هذا بلإضافة إلى تسرع الرئيس كيباكي في إعلان نفسه رئيسا للبلاد ساعة بعد إعلان النتائج، وقد عزز من موقف كيباكي إضفاء الشرعية عليه من طرف الولايات المتحدة الأمريكية التي قدمت له تهنئة سريعة ،تهنئة سحبتها واشنطن بنفس السرعة التي قدمتها بها عندما لاح لها تعقيد مشهد ما بعد �اعلان النتائج، وإذا قد ينتج عن هذا المشهد عواقب وخيمة كما قد يفقد حليف واشنطون كيباكي زمام السلطة.
الملاحظة البارزة في الموضوع الكيني هو التباطؤ في احتواء الأزمة إقليميا (الاتحاد الإفريقي ) ودوليا ( الولايات المتحدة الأمريكية ...) ، وهو عامل لا شك ساعد في زيادة الشرخ بين السلطة والمعارضة.
فدعوات الحوار التي أطلقتها كل من بريطانيا وواشنطن والاتحاد الأوربي والإفريقي لم تصحب بإجراءات عملية ميدانية للحيلولة دون تدهور الأوضاع، إذ لم ترسل الجهات المشار إليها وفود لجمع فرقاء الأزمة في الوقت المناسب على طاولة حوار وطني يعيد الهدوء ويضمد الجراح ويعزز الوحدة الوطنية. بل إن الاتحاد الإفريقي الذي قرر ابتعاث رئيسه الدوري الرئيس الغاني جون كيفورلزيارة نوروبي الملتهبة أعلن فجأة عن تأجيل الزيارة دون تقديم مبررات لذلك.
الكيكويو وفاتورة أخطاء الأنظمة المتعاقبة
قبيلة الكيكويو من أكبر القبائل الكينية وقد ساهمت الكيكويو بشكل كبير إبان فترات الاستعمار في مقاومة الابريطانيين الأمر الذي أهلها لحكم البلاد بعد استقلالها عام 1963 إذ تولي الزعيم جيمو كينياتا – المنتمي إلى الكيكويو- سدة الحكم الشيء الذي أتاح للكيكويو التحكم في مفاصل الدولة والسيطرة على الاقتصاد الكيني وظل حضور الكيكويو في هذه البلاد قويا.
نفوذ الكيكويو المتنامي عبر الحقب السياسية جلب عليها نقمة وسخط القبائل الأخرى والرأي العام في كينيا التي ترتفع فيها يوما بعد آخر معدلات الفقر والبطالة وتنخر الرشوة والفساد إدارتها العمومية إذ تحتل كينيا في الغالب صدارة القائمة السوداء لمنظمة الشفافية الدولية. فالتطور الأبرز فيما شهدته كينيا مؤخرا هو عمليات استهداف في مجموعة الكيكويو إذ نهبت متاجرهم ومنشئاتهم الاقتصادية في ضواحي نيروبي ومامباسا كما لم تشفع قداسة كنيسة في المدينة الدورت للمحتمين بها من الكيكويو من التهام ألسنة لهب النيران التي أوقدها متعقبيهم من القبائل الأخرى مما خلف ث
لاثين قتيلا وعشرات الجرحى.
كينيا وسيناريوهات التسوية
القس الجنوب إفريقي دسموند توتو الحاصل على جائزة نوبل في السلام ورئيس لجنة المصالحة والحقيقة التي ضمدت جراح جنوب إفريقيا بعد حقبة لا برتايد، كان أول شخصية رفيعة المستوى تصل كينيا للوساطة بين أودينغا وكيباكي، تلته في اليوم الموالي نائبة وزيرة الخارجية الأمريكية المكلفة بالملف الإفريقي جنداي افريزر في نفس المهمة. هذه الوساطات مرشحة لتسوية الأزمة الكينية نظرا لثقل الرجل الروحي وما يمتاز به من حكمة وتجربة هذا مع حرص الأطراف الخارجية على الاستقرار في كينيا استقرار يخدم الولايات المتحدة الأمريكية التي ساعدتها كينيا سياسيا وأمنيا في تقويض حكÙ … المحاكم الشرعية في الصومال المجاورة، كما يخدم الاتحاد الإفريقي المثقل بملفات الأزمات في دارفور وساحل العاج والكونكو فالتسوية الكينية في ظل التحرك الأخير وإن جاء متأخرا محتملة جدا برأي الكثير من المراقبين غير أنها لن تخرج عن أحد السيناريوهات التالية:
1. سيناريو حكومة وحدة وطنية ، وهو لحد الساعة أكثر الاحتمالات ورودا لكونه يجسد الرغبة الأمريكية والابريطانية وهما من أهم الأطراف الضاغطة على كينيا، كما أن هذا السيناريو يحفظ للمعارضة ماء الوجه من خلال مشاركة حكومية واسعة مصحوبة بأغلبية برلمانية وقد عبر الرئيس كيباكي إثر لقائه مع المبعوثة الأمريكية عن استعداده لتشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل كل الكينيين.
2. سيناريو فرز وتعداد النتائج (وهو مطلب المعارضة الكينية) يصعب على النظام قبول هذا السيناريو فقد يقلب كفة النتائج لصالح المعارضة وبشهادة دولية، ولاشك أنه سيكون لذلك انعكاس كبير على المشهد السياسي في كينيا كما أن هذا السيناريو لن يسهم في إعادة الثقة بين الفرقاء السياسيين وقد تمتد ظلاله إلى مرحلة ما بعده.
3. سيناريو إعادة الانتخابات وتشكيل حكومة تصريف الأعمال: وهو سيناريو مقبول من الناحية السياسية والافتراضية غير أنه من الناحية الواقعية والأمنية سيناريو مستبعد إذ أن كينيا اليوم تحتاج إلى الهدوء والاستقرار ولا تحتاج إلى صخب وشغب الانتخابات.
باحث في الشؤون الإفريقية
sidimalik@yahoo.fr
الطعن في شرعية ومصداقية نتائج الانتخابات عادة متجذرة في قاموس الديمقراطية الإفريقية وقد لا يتوقف الأمر عن الطعن والتشكيك إذ في الغالب ما يصاحب ذلك معارضة شعبية قوية في الشارع تواجه بقمع الشرطة والجيش، هذه الإضطرابات كثييرا ما تكون وليدة تراكمات لاحتقان سياسي داخلي أو وضع اقتصادي معقد بالإضافة إلى عدم مصداقية واستقلالية الهيئات الرسمية الوطنية المشرفة على الانتخابات .
أحداث كينيا الأخيرة – والتي لا تشكل سابقة من ناحية الطعن في مصداقية الانتخابات في البلد- تعد خروجا على العرف الكيني، إذ عرفت كينيا بالاستقرار السياسي ممثلة بذلك حالة استثناء في محيط إقليمي مضطرب ( أوغندا، السودان ، الصومال مثلا). كما أن الوضع السياسي في البلد قبل الانتخابات وأثناء الحملة لم يكن يحمل بوادر الأزمة التي تعصف بكينيا.
التواطؤ والتباطؤ ساهما في تعقيد الأزمة
الأزمة بدأت نذرها عندما اتهمت قوى المعارضة ممثلة في حركة الديمقراطية البرتقالية بزعامة رئيسها رايلا أودينغا الجنة المستقلة للانتخابات بالتباطؤ في فرز الانتخابات وذلك من أجل التحايل على النتائج وتزويرها لصالح منافسه الرئيسي الرئيس كيباكي.، اتهامات رايلا أودينغا للجنة المشرفة على الانتخابات بتبييت نية تزوير الانتخابات أعقبها مباشرة خروج أنصاره للتظاهر ضد التزوير مطالبين بالإعلان عن النتائج، وكانت هذه المظاهرات هي بداية المواجهات بين قوى الأمن وأنصار المعارضة.
غير أن انفجار الأزمة لم يحدث إلا عندما أعلنت اللجنة نجاح الرئيس كيباكي بطريقة تعزز صحة مقولة المعارضة إذ تمت عملية الفرز والتعداد بعيدا عن أعين المراقبين الدوليين الذين شاركوا مختلف مراحل العملية الانتخابية باستثناء مرحلة الفرز. مع إقرارا لجنة بحصول شوائب وثغرات في عملها ، هذا بلإضافة إلى تسرع الرئيس كيباكي في إعلان نفسه رئيسا للبلاد ساعة بعد إعلان النتائج، وقد عزز من موقف كيباكي إضفاء الشرعية عليه من طرف الولايات المتحدة الأمريكية التي قدمت له تهنئة سريعة ،تهنئة سحبتها واشنطن بنفس السرعة التي قدمتها بها عندما لاح لها تعقيد مشهد ما بعد �اعلان النتائج، وإذا قد ينتج عن هذا المشهد عواقب وخيمة كما قد يفقد حليف واشنطون كيباكي زمام السلطة.
الملاحظة البارزة في الموضوع الكيني هو التباطؤ في احتواء الأزمة إقليميا (الاتحاد الإفريقي ) ودوليا ( الولايات المتحدة الأمريكية ...) ، وهو عامل لا شك ساعد في زيادة الشرخ بين السلطة والمعارضة.
فدعوات الحوار التي أطلقتها كل من بريطانيا وواشنطن والاتحاد الأوربي والإفريقي لم تصحب بإجراءات عملية ميدانية للحيلولة دون تدهور الأوضاع، إذ لم ترسل الجهات المشار إليها وفود لجمع فرقاء الأزمة في الوقت المناسب على طاولة حوار وطني يعيد الهدوء ويضمد الجراح ويعزز الوحدة الوطنية. بل إن الاتحاد الإفريقي الذي قرر ابتعاث رئيسه الدوري الرئيس الغاني جون كيفورلزيارة نوروبي الملتهبة أعلن فجأة عن تأجيل الزيارة دون تقديم مبررات لذلك.
الكيكويو وفاتورة أخطاء الأنظمة المتعاقبة
قبيلة الكيكويو من أكبر القبائل الكينية وقد ساهمت الكيكويو بشكل كبير إبان فترات الاستعمار في مقاومة الابريطانيين الأمر الذي أهلها لحكم البلاد بعد استقلالها عام 1963 إذ تولي الزعيم جيمو كينياتا – المنتمي إلى الكيكويو- سدة الحكم الشيء الذي أتاح للكيكويو التحكم في مفاصل الدولة والسيطرة على الاقتصاد الكيني وظل حضور الكيكويو في هذه البلاد قويا.
نفوذ الكيكويو المتنامي عبر الحقب السياسية جلب عليها نقمة وسخط القبائل الأخرى والرأي العام في كينيا التي ترتفع فيها يوما بعد آخر معدلات الفقر والبطالة وتنخر الرشوة والفساد إدارتها العمومية إذ تحتل كينيا في الغالب صدارة القائمة السوداء لمنظمة الشفافية الدولية. فالتطور الأبرز فيما شهدته كينيا مؤخرا هو عمليات استهداف في مجموعة الكيكويو إذ نهبت متاجرهم ومنشئاتهم الاقتصادية في ضواحي نيروبي ومامباسا كما لم تشفع قداسة كنيسة في المدينة الدورت للمحتمين بها من الكيكويو من التهام ألسنة لهب النيران التي أوقدها متعقبيهم من القبائل الأخرى مما خلف ث
لاثين قتيلا وعشرات الجرحى.
كينيا وسيناريوهات التسوية
القس الجنوب إفريقي دسموند توتو الحاصل على جائزة نوبل في السلام ورئيس لجنة المصالحة والحقيقة التي ضمدت جراح جنوب إفريقيا بعد حقبة لا برتايد، كان أول شخصية رفيعة المستوى تصل كينيا للوساطة بين أودينغا وكيباكي، تلته في اليوم الموالي نائبة وزيرة الخارجية الأمريكية المكلفة بالملف الإفريقي جنداي افريزر في نفس المهمة. هذه الوساطات مرشحة لتسوية الأزمة الكينية نظرا لثقل الرجل الروحي وما يمتاز به من حكمة وتجربة هذا مع حرص الأطراف الخارجية على الاستقرار في كينيا استقرار يخدم الولايات المتحدة الأمريكية التي ساعدتها كينيا سياسيا وأمنيا في تقويض حكÙ … المحاكم الشرعية في الصومال المجاورة، كما يخدم الاتحاد الإفريقي المثقل بملفات الأزمات في دارفور وساحل العاج والكونكو فالتسوية الكينية في ظل التحرك الأخير وإن جاء متأخرا محتملة جدا برأي الكثير من المراقبين غير أنها لن تخرج عن أحد السيناريوهات التالية:
1. سيناريو حكومة وحدة وطنية ، وهو لحد الساعة أكثر الاحتمالات ورودا لكونه يجسد الرغبة الأمريكية والابريطانية وهما من أهم الأطراف الضاغطة على كينيا، كما أن هذا السيناريو يحفظ للمعارضة ماء الوجه من خلال مشاركة حكومية واسعة مصحوبة بأغلبية برلمانية وقد عبر الرئيس كيباكي إثر لقائه مع المبعوثة الأمريكية عن استعداده لتشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل كل الكينيين.
2. سيناريو فرز وتعداد النتائج (وهو مطلب المعارضة الكينية) يصعب على النظام قبول هذا السيناريو فقد يقلب كفة النتائج لصالح المعارضة وبشهادة دولية، ولاشك أنه سيكون لذلك انعكاس كبير على المشهد السياسي في كينيا كما أن هذا السيناريو لن يسهم في إعادة الثقة بين الفرقاء السياسيين وقد تمتد ظلاله إلى مرحلة ما بعده.
3. سيناريو إعادة الانتخابات وتشكيل حكومة تصريف الأعمال: وهو سيناريو مقبول من الناحية السياسية والافتراضية غير أنه من الناحية الواقعية والأمنية سيناريو مستبعد إذ أن كينيا اليوم تحتاج إلى الهدوء والاستقرار ولا تحتاج إلى صخب وشغب الانتخابات.







