تاريخ الإضافة : 11.04.2009 13:56

في وطن الضياع

قبل سنتين من الآن قال القذافي إن الانتخابات في موريتانيا وفي غير موريتانيا عبارة عن مهازل يتفرج عليها السفراء الغربيون، وقال إن الشعب الموريتاني الطيب الوديع لا يعرف الأحزاب ولا الانتخابات، فهذه قضايا لا تتلاءم وواقع الموريتانيين وطبيعتهم البدوية الخالصة..

***

تلك أفكار تضمنها حديث القائد عشية انتخابات الرئاسة في مارس 2007، وكان لصداها اثر كبير في الساحة فقد اعتبر بعض السذج أن القائد سخر من "تجربة موريتانيا الفريدة"، وتأكد بعد أسابيع قليلة أن القذافي كان يقرأ الخارطة بتمعن، وأنه كان ينظر إلى المستقبل انطلاقا من هذا الواقع..
حدث انقلاب الـ6 أغسطس الذي جاء "تصحيحا" للمسار كما روج له قادته، ولم يستغرب البعض كيف لمسار بني على "ديمقراطية" فريدة وشفافة أن ينحرف بهذه السرعة.!!

***

اليوم نعيد نفس التجربة، مع اختلاف في الأزمنة والشخوص، وتوحد في الأهداف والشعارات البراقة التي لا تطعم جائعا ولا تكسي عريانا، ولا تشفي مريضا..
مرت سنة واثنتان، وعاشرة، ونصف قرن، ونحن لم نبارح الخطوة الأولى التي وجدنا أنفسنا عليها ذات يوم مع رحيل آخر جندي فرنسي عن البلاد.. لاشيئ تغير، نفس الوجوه الحالكة التي يأكل منها الجوع والعري والضياع، نفس الشوارع والعربات والحمير والقطط، نفس الأحياء الشعبية الفقيرة التي تلتحف بالظلام في ليل العاصمة البائس.. نفس الساسة والعسس والمخبرين..
لوحة قاتمة جدا، وما خفي منها كان أعظم..

***

مشاهد الجياع في مثلث الفقر- بل وفي العاصمة أيضا وعلى بعد أمتار قليلة من القصر الرئاسي حيث تشخص أبصار الساسة وتضيع آمال البائسين- لم تغادر مخيلة أي منا وهم يتعلقون بعيونهم الشاخصة بكل أعضاء الوفد الرئاسي، وحتى بسائقي سيارات الوفد، وأحفاد أشعب الذين يتعلقون بالوفد الرئاسي في كل محطة..
اختلط عليهم المسؤول بغير المسؤول وباتوا يرجون العطف من كل أحد.. لا فرق عند هؤلاء بين الرئيس وبين حاشية الرئيس وأشياعه وأشياع أشياعه، من فرط الجوع والضياع، بات الأمل معلقا على كل غريب يمر بهذه الديار الخاوية..

***

هؤلاء هم نحن نعيد اليوم عزف نفس السينمفونية على نفس الأوتار، دون أن نعي ما نقوم به، ودون أن نستفيد من تجاربنا الفاشلة، في مجالات السياسة والاقتصاد وحتى "التصفيق" لكل من يلج باب القصر الرئاسي، منذ وصول أبي الأمة إلى سدة الحكم عام 1959 وحتى انقلاب الجنرال عزيز على ولد الشيخ عبد الله عام 2008..
عقود من النفاق عشناها بلياليها الطوال، وأيامها البائسة.. وبعدها رحل الجميع من مدنيين وعسكريين، تركونا لمستقبلنا القاتم، نعلك الهواء على قارعة الطريق، منبوذين مقهورين، أكل منا الإعياء والانتظار والضياع، نندب حظنا العاثر الذي قذف بنا ذات يوم إلى هذه الأرض البوار..

سيدي محمد ولد ابه
sidimoha@yahoo.fr

المناخ

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026