تاريخ الإضافة : 05.04.2009 12:17
ملاحظات حول انتخابات السادس من يونيو
عبد القادر ولد الصيام-أمريكا
siyam@maktoob.com
يعتزم المجلس العسكري الحاكم في موريتانيا تنظيم انتخابات رئاسية يوم السادس من يونيو القادم, و ذلك سعيا إلى "انتخاب" رئيسه الجنرال : محمد ولد عبد العزيز و منحه "شرعية" دستورية ناتجة عن صناديق الاقتراع لا تمنحها الانقلابات.
و يواجه العسكر صعوبة في تنظيم هذه الانتخابات, حيث عارضت تنظيمها الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية, كما رفضها حزب تكتل القوى الديمقراطية و رئيسه زعيم المعارضة الديمقراطية و بعض النقابات الوطنية.
و قد يكون من الأسلم للعسكر وقوع ما يـُرَوّجُ له من احتمالات تأخير هذه الانتخابات حتى تنضج الظروف و يتم التوصل إلى حل للأزمة الدستورية يتضمن خطوات عملية متفق عليها لاستعادة الديمقراطية و الشرعية و شروط الترشح للرئاسة و آليات تنظيم الانتخابات , إلا أن المجلس العسكري لا يبدو مكترثا بمعارضة الجبهة و التكتل و من يدور في فلكهما من منظمات و نقابات ترفض هذه الانتخابات و تعتبرها "لاغية" و عديمة الفائدة حتى قبل تنظيمها .
كما لا يبدو المجلس العسكري مهتما برفض دول و منظمات دولية لقراره تنظيم هذه الانتخابات , فقد عارض تنظيم هذه الانتخابات مجلس الأمن و السلم الافريقي و الاتحاد الاوروبي ( باستثناء بعض دوله مثل : فرنسا و اسبانيا ) كما عارضتها الولايات المتحدة , و أعرب المعهد الوطني للديمقراطية ) NDI ) عن رفضه للمشاركة في الإشراف على تنظيم هذه الانتخابات , التي لا يبدو متحمسا لمراقبتها إلا "الإخوة العرب" و الذين ليس لهم نصيب كبير من الديمقراطية و الانتخابات , حيث أعرب كل من اتحاد المغرب العربي و جامعة الدول العربية عن استعدادهم و رغبتهم في مراقبة الانتخابات القادمة.
و مع التسليم بأن هذه الانتخابات سيتم تنظيمها في الوقت المُقرر لها من طرف العسكر ( 6 يونيو ) فإن ثمة بعض الإشكاليات المتعلقة بها تبقى عالقة و تحتاج إلى بحث عن حل لها , و من هذه الإشكاليات :
1- الأزمة الدستورية المتعلقة بانتخاب رئيس يخلف رئيسا شرعيا لا توجد عوائق و لا مبررات لمنعه من أداء مهامه الدستورية إلا تلك التي يفرضها عليه من انقلب عليه , و لو رفعها عنه لكان بإمكانه مزاولة كافة مهامه الدستورية التي انتخبه لها أكثر من 52 % من الشعب الموريتاني , كما أن هذه الانتخابات مخالفة لنص و روح المواد 26 و 28 و 34 من الفصل الثاني من الدستور الذي صادق عليه غالبية الشعب الموريتاني في شهر يونيو 2006.
كما أن طريقة الإشراف على هذه الانتخابات و "المرحلة الانتقالية" التي ستسبقها –و المحددة من طرف واحد هو العسكر-تطرح إشكاليات تتعلق بدور "رئيس مجلس الشيوخ" في إدارة "المرحلة الانتقالية" و هل سيتنازل له رئيس المجلس العسكري من أجل الإشراف على سَير المرحلة الانتقالية ,و هي إشكالية دستورية صعبة تحتاج إلى تأويلات بعيدة حتى يتسنى لرئيس مجلس الشيوخ أن " يسد الفراغ" المتعلق ب"شغور منصب الرئيس" و هو أمر يصدق عليه ما قلناه في الفقرة السابقة!
و يرى بعض المحللين بأن بإمكان رئيس المجلس العسكري "التنازل" أو الاستقالة من منصبه العسكري -45 يوما قبل الانتخابات- و ترك مقاليد الأمور العسكرية و الأمنية للمجلس العسكري و إسناد غيرها من المهام لحكومة العسكر المدنية ( برئاسة الوزير الأول : مولاي ولد محمد لقظف ) حتى يعود هو للحكم بعد السادس من يونيو و بدون خوذة أو بذلة عسكرية.
و لكي يـُضفى رئيس المجلس الأعلى للدولة و أنصاره "شرعية" على انتخابه فإنهم سيسعون إلى حصوله على أكبر قدر من الأصوات في الشوط الأول و ذلك من خلال دعمه من طرف كافة القوى القبلية و رجال الأعمال و الأحزاب السياسية ( الحقيقية و الوهمية و التي تجاوز عددها 66 حزبا !) , كما سيسعون إلى إيجاد منافسين كبار يمنحون المنافسة طعما و يعطونها نوعا من الجدّيّة , و هؤلاء المرشحون ينبغي أن لا يكونوا من أضراب الوجه الجامعي "منير" و لا من منافسي الرئيس الأسبق معاوية ولد الطائع و لا من "العشرة" الأقل حظا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة ( مارس 2007 ).
و في هذا الإطار فإن ترشح وزير التعليم و مدير الديوان الرئاسي الأسبق : لوليد ولد وداد ضد رئيس المجلس العسكري قد يمنح هذه الانتخابات زخما عند جهات خارجية تشكك في جدّيتها و حقيقتها , إلا أن المطلع على خبايا الساحة السياسية يعلم أن الرجلين كانا من أعوان و أنصار الرئيس السابق :معاوية ولد الطائع و عملا في ديوانَيْهِ ( العسكري و المدني ) و هما من "مشكاة" واحدة , و بالتالي فإن السيد لوليد و أمثاله من المـُرَشّحين لا يمكنهم تغيير صورة هذه الإنتخابات أو منحها شرعية تفتقدها.
2- أما الإشكالية الثانية المهمة التي تطرحها هذه الانتخابات و التي هي غايتها فهي مدى "الشرعية" التي سيحصل عليها رئيس المجلس العسكري بعد هذه الانتخابات ؟
و قد يكون من شبه المؤكد القطع بأن غالبية الدول العربية و بعض الدول الافريقية و فرنسا و اسبانيا و ألمانيا ستعترف بهذه الانتخابات و تعتبرها "خطوة مهمة" في طريق استعادة الشرعية و الديمقراطية و ستعترف ب"الرئيس الجديد"/القديم و قد تشارك بوفود رفيعة المستوى في حفل تنصيبه .
لكن رفض هذه الانتخابات من قـِبـَلِ شرائح وطنية واسعة ( الجبهة , التكتل , تجمع القوى المدافعة عن الديمقراطية ..) و رفض دول أخرى كالولايات المتحدة يقلل من أهمية الإنجاز بالنسبة للعسكر حيث ستستمر أزمتهم السياسية –محليا و دوليا- و عندها ستبدأ مرحلة جديدة من مراحل "الانقلاب" قد يُكرر فيها "حارس الرئيس الأسبق" بعض تكتيكات و خطط رئيسه كشراء الذمم و تصفية الخصوم و التفرّد بالسلطة و التنازل عن سيادة البلاد و مصالحها العليا في سبيل البقاء في السلطة , و هي نفسها السياسات التي خلقت الظروف التي تسبّبت في كافة المحاولات الانقلابية الفاشلة و الناجحة منذ يونيو 2003 و أطاحت بالذي "ما مثله سيد" , و هي السياسات نفسها التي يعتقد معارضو النظام العسكري الحالي أنه يتبعها و أنها ستجرّ البلاد إلى أزمات سياسية و اقتصادية قد لا يحلها إلا انقلاب آخر-يأتي بعد رفض العسكر للحلول التوافقية و يُعيد البلاد إلى أجواء "البيان رقم 1" و "الأيام التشاورية" و "المرحلة الانتقالية" و "اللجنة الوطنية للإنتخابات" و هي حلقة مُفرغَة و بغيضة ظن الموريتانيون أنها ستختفي بعد انقلاب الثالث من أغسطس 2005 !!.
فهل سيسعى العسكر إلى حل توافقي يجنب البلاد أزمات هي في غنى عنها و يحمي مصالحها و
يضمن استقرارها بعيدا عن القرارات الأحادية و إجراء انتخابات شكلية لن تضمن لمن ينجح فيها البقاء طويلا أو التمتع بصفات "الرئيس الشرعي" الكامل السلطة و الصلاحيات ؟







